فراس حج محمد - فلسطين

القهوة ودلالاتها اللغوية والاجتماعية

فراس حج محمدتعد القهوة مشروبا عالميا بامتياز، ولكن العرب قديما لم تعرف القهوة بمعناها المعروف حاليا (شراب البن) إلا حديثا، وتردّ المعاجم اللغوية القهوة إلى الفعل المزيد (أقهى)، فليس لها فعل ثلاثي مجرد، وتعني هذه المادة اللغوية حسب ما جاء في المعجم الوسيط: أقهى فلان: داوم على شرب القهوة، وأقهى فلان عن الطعام: امتنع منه ولم يُرده.

أما القهوة نفسها عند العرب فتعني: الخمر، واللبن المحض، والرائحة، والخصب، كما وتعني القهوة مكانا عاما مخصصا لتناولها والالتقاء بالأصدقاء، وقد استعارت محالّ تزويد الجمهور بخدمة الإنترنت هذا الاسم، فأطلقت على نفسها "مقاهي الإنترنت"، وأما شراب البن فهو معنى مولد في لغة العرب وأشارت لذلك المعاجم العربية الحديثة.

وقد عرفت البشرية من القهوة ألوانا، وأعظمها مكانة القهوة السادة، ولذلك اشتهر عند الناس قولهم: "السادة للسادة"، وهذا من الجناس التام العفوي الذي زاد الجملة بهاء ورونقا، ومنحها بعدا تركيبيا غاية في الإبداع والتكثيف، وعلى رأي البلاغيين العرب، فإن العبارة من إيجاز القِصَر، عدا عن ذلك فإنك تجد القهوة التركية والفرنسية وغيرها، وذلك تبعا لطريقة إعدادها وما يضاف إليها من مواد، أو نحو ذلك.

فنجان قهوةناهيك عن طرق إعداد القهوة فإنها كذلك أخذت مذاقات متعددة، فكان لكل شخص قهوته الخاصة، كالدخان تماما، فيحب نوعا خاصا، ولا يشرب سواه إلا على مضض، ولن أكون متجاوزا الحقيقة إذا ما قلت إن القهوة لها ارتباط بنفسية شاربها وشخصيته، ولكل منهم طقوسه الخاصة في شربها والاستمتاع بنكهتها.
ولعل أهم ما يتعلق بطقوس شربها أنها لا تشرب إلا بمزاج عال ورائق، ولا تشرب شرب الحليب أو الشاي، وكأنها من هنا أشبهت الخمر بأنواعها المختلفة، أضف إلى ذلك أن من طقوس شرب القهوة عند بعض الناس أنها لا تشرب إلا بالفنجان ولا تشرب بالكأس إلا حديثا، ومن فئات من الشعب خاصة، أضف إلى أن القهوة مرتبطة بالمثقفين أكثر من أي مشروب آخر، وقد وردت في الأدب الحديث كثيرا، شعرا وروايات، فهي بلا منازع مشروب الجمال الأدبي والذوق الفني الراقي، ومن ذلك ما ورد عند الشاعر العربي:

أنا المحبوبة السمرا - - - وأجلى بالفناجينِ

وعود الند لي عطرٌ - - -وذكري شاع في الصينِ

ولعل أجمل أوقات احتسائها يكون صباحا قبل التوجه للعمل، فشعور لا يوصف وأنت تحتسي فنجانا من القهوة معدا بهدوء وإحساس عال، وخاصة إذا احتسيت هذا الفنجان على أنغام موسيقى فيروزية صباحية يشاركك فيها من تحب وتهوى، وهنا تدخل الخمرة مرة أخرى، ويدخل معها النديم الذي نرتاح لوجوده فيشاركنا هذا الإحساس بالسعادة الغامرة، وكأن كل رشفة من ذلك الفنجان رشفة من رضاب أنثوي تحبه ويحبك، ويبادلك مشاعر الحب والوفاء.

لقد أحببنا القهوة، ولكننا لم نحبها إلا لأنها ذات دلالات اجتماعية ونفسية غاية في العمق، فهي ليست مجرد مشروب يمضي سريعا، ويذهب مفعوله، بل هي إحساس وشعور طافح بالمودة والحب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC