إبراهيم يوسف - لبنان

الفستان الأحمر ونصوص أخرى

على القمَّة

لم يعدْ يكفي الدجاجات ديكٌ واحد.. والديكُ الآخر الذي اشتراهُ صاحبُ المزرعة أثارَ حفيظةَ الديكِ الأول، وحَرَّكَ الغيرةَ في قلبِه، لأنه تَعَوَّدَ الاستئثار وحده بالدجاجات. طارَ صوابُ الديكِ الأصيل من الوافدِ الغريب، وتعاركا على النفوذِ بين الدجاجات في صراعٍ تَخَضَّبَ بالدماء.

تَوَقّفَ القتال؛ وأسفرتِ المعركةُ على مرأى من الدجاجات، عن هزيمةِ الدِّيكِ الطًّفيليِّ الغريب، فانزوى ذليلاً مهاناً في زاويةٍ من زوايا الخم.. بينما راحَ الديكُ الأصيل ينفشُ ريشَه، ويمشي "مُزْبَطِراً" مُنْتَشياً على رؤوسِ أصابعِه، وهو يتسَلقُ مَزْبَلةً ليشرفَ من علٍ على رعاياهُ من دجاجِ الحي.

على القمَّة، راحَ يعلنُ عن انتصاره، بصياحِ المستبدِّ القادر. صياحُه بلغَ عنانَ السماء، وتناهى إلى مسامعِ نسرٍ كان يحلقُ في الفضاء، فانقضَّ الطائرُ الكاسر وحملَ الديكَ بين براثنِه وغاب.

لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ

يرتدي "دَشْداشَتَةً". يجلسُ على راحتِه يُدخِّنُ النرجيلةَ في المقهى، أنامِلُهُ تَعْبَثُ بشاربيه في ملاطفةٍ طويلة. يميلُ معتزاً بطربوشه إلى الوراء ليبينَ جبينَه العالي، يتلألأ ناصعاً بالمكرمات.. لكنَّ رجلاً كهلاً تسللَ من خَلفِه، وغَيَّرَ له وضعَ طربوشِه على رأسِه، ليختفيَ منهُ الجبين.

امتعضَ صاحبُ الطربوش من "الخِتْيار" وغادرَ المقهى حانقاً، مضطربَ الخاطر من فعلِ التَعَدِّي على شخصه وطربوشه؛ ليضبطَ زوجتَه مع رجلٍ في وضعٍ مريب، وهو في حالٍ من الغضبِ الشديد، ثمَّ كانَ من الأمرِ ما كان. هكذا "لَمُّوا" القضية "ولفْلفوها" بالتواطؤ معَ العشيرة، بعيداً عن عينِ القضاء.

بعد أسبوع عادَ الرجلُ إلى المقهى حزيناً مُتًجَهماً مهموماً، مُنَكّسَ الطربوش، منخفضَ الجبين..؟ لكنَّ الختيار عادَ هذه المرَّة إلى مواجهتِهِ من الأمام، وعدَّل له وَضْعَ الطربوش على رأسِه، ليعودَ جبينُه ناصعاً كما كان.

مؤمنةٌ بالنوايا الحَسَنة

باعتْ سيَّارتَها. اشتراها رجلٌ لا تعرفُهُ، نقدَها الثمن رزمتانِ غاليتانِ من المال. خجلتْ أن تحصي المبلغ، دونَ أن تستبعدَ من ذهنِها سوءَ النوايا، من أن يكونَ المالُ مزيَّفاً أو ناقصاً.

بعدما رحلَ الرجلُ لم تحسبِ المبلغَ مرَّةً أخرى؛ لأنَّه لم يعد يُجْدي. في اليوم التالي حينَ أودعتِ المالَ في حسابِها لعنتْ ظنّها، وتعلمتْ كيف ينبغي أن تفترضَ الصحّ، وتبني على النوايا الطيبة.

الفستانُ الأحمر

لم يشترِ لها فستاناً أحمرَ كما رَغِبَتْ. ولم يستجبْ لها حينَما تسللتْ إلى عواطفِه وتوسلتْ إليه هَمْساً، وهما في وضع حميم.. كان يضنُّ على زوجتِه بالمال. لكنّه كان كريماً على حالِه، ينفقُ مالُهُ بلا حساب، في الترفيهِ عن نفسِهِ مَعَ العاهرات.. ينتظرُ إحداهن مرةً في الأسبوع في شقةٍ أعدَّها للغاية.

كان متلهفاً ينتظرُ وراءَ الباب، ليرى الأنثى الجديدة التي يسوقُها إليه "الوسيط". كانتْ جميلةً جذَّابة، وفي غايةِ الأناقة، وكان يعرفُها جيداً، وكانتْ ترتدي فستاناً أحمر.

الطفل بحاجة إلى المال

ذاتُ دَلالٍ وهَيَف. عيناها بُنِّيَّتان فاتنتان. تعوَّدَ يومياً أن يلتقيها في الحافلةِ التي تقلُّه إلى عملِه. أعْجَبتْهُ؛ وتمنّاها شريكةً له في عمره. تقابلا مراراً في المقهى إلى جانبِ "العاصي (*)، وفشلَ مسعاهُ معها؛ فهيَ عاليةُ السقف، بالغةُ الطموح، مغاليةٌ في طلباتِها، ولا يُرضيها الشيءَ القليل.

في المقابلةِ الأخيرة بينهما، كان يحملُ حقيبةً ملأى بالنقود. قالتْ له: هذه النقود وحدها لا تكفي. فمعي سَيَنفَدُ مالكَ بسرعة؛ فما عساكَ تفعل حينما أنفِقُ آخرَ "مَلِّيْم"؟ كادَ يبكي. فتحَ الحقيبةَ وألقى بالمالِ إلى النهر. صدمتْها التضحية بالمال ورضيتْ به زوجاً.

بعد سنواتٍ طويلة، كانَ ابنُهما قد بلغَ السابعةَ من عمره، حينما اصطحباهُ معهما في نزهةٍ إلى المقهى، المقهى الشاهد على الواقعةِ بينهما. هذه المرَّة عاتبتْهُ زوجتُهُ على طيشِه حينما ألقى بالمالِ إلى النهر، فالطفلُ يحتاجُ في تربيتِه إلى المالِ الكثير. تبسَّم لها وصارحَها أن المالَ كانَ مزيَّفاً.

= = = = =

*نهر العاصي في شمال لبنان.

الحِمْلُ الأكبر

كانَ في المشفى إلى جانبِها، يلاطفُها ويفركُ لها يديها، وهي تتقلبُ تشكو إليهِ مما تلاقيهِ من آلام المخاض؛ في الولادةِ السابعة، كانَ يُشفقُ عليها ولعلّه يَشتهيها. يُجفِّفُ لها دموعَها وهي تبكي من شدةِ الوجع، وتقولُ له بصوتٍ متقطعٍ يختنق؛ يمتزجُ فيه الدلالُ والألم:

"لو كنتَ مكاني لعرفتَ حقيقةَ حالي، وأدركتَ مدى وجعي وشدةَ صبري، بعدَ اليوم لن أدَعْكَ تَقْترَبَ منِّي."

ويجيبُها: "أعرف جيداً يا عزيزتي أعرف أنكِ تعانينَ كثيراً وتتحملين أوجاعَ أيُّوب.

يُشَجِّعُها ويشُدُّ على يديْها، يحرِّضُها على الابتسام ويمازحُها وهو يقول:

"أنتِ تتحملينَ أوجاعاً تنوء في حملِها الجبال، وأنا أتحَمَّلكِ. فهلْ أدركتِ الآن يا حبيبتي مَنْ منّا حِمْلُهُ أكبر؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3226064

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC