عدلي الهواري

كلمة العدد 70: الإعجاب الإجباري

عدلي الهواريردت سلمى الخضراء الجيوسي، الناقدة والمشرفة على مشروع ضخم للترجمة والتعريف بالأدب العربي عرف بـ "بروتا"، ردا هادئا على الانتقادات التي وجهت إليها بعيد نشر أخبار جاء فيها أنها قالت "أنا التي أعطيت نجيب محفوظ جائزة نوبل، أنا من كتبت عنه تقريرا بناء على طلب الجائزة، وقلت حينها إن محفوظ هو من أرسى قواعد الرواية العربية"، ولكنها تقول أيضا إن محفوظ "ليس ممتعا إطلاقا". نشر التصريح الأصلي الذي تناقلته الأخبار في جريدة "عُمان" (ملحق "شرفات" الثقافي) بتاريخ 21 شباط/فبراير 2012. أما الرد الهادئ فقد نشر في صحيفة "السفير" اللبنانية بتاريخ 20 آذار/مارس 2012.

ما يهمني في هذا الكلمة أن أشير إلى ظاهرة ذكرتني بها هذه الضجة، وهي ظاهرة الإعجاب الإجباري بشخصية أدبية شهيرة، خاصة إذا حققت في رأي محبيها مكانة "العالمية" إما بالفوز بجائزة نوبل أو بغيرها.

ويبدو أن عددا كبيرا من المثقفين والقراء في العالم العربي قبلوا بوصاية المؤسسات والأفراد بالغرب على تقييم جودة الأعمال الأدبية العربية، ولذا هناك سعي إلى الحصول على شهادة جودة من جهة أو شخصية غربية، تشهر بعد الحصول عليها في وجه من يعبر عن رأيه الشخصي المختلف.

وعلى الرغم من وجود فوائد عدة للجوائز، إلا أن دورها سلبي عند اعتبارها المقياس الأهم على الجودة أو عند تحويلها إلى وسيلة لمصادرة حق القارئ في جعل ذائقته الحكم على ما يقرأ.

جائزة نوبل على سبيل المثال لن يحصل عليها عربي كل عام، فهل من المعقول أن نواصل انتظار لجنة نوبل لتعطف على الأدب العربي والأدباء العرب وتقدم الجائزة مرة أخرى لشخصية عربية؟ كل عام تقريبا يتكرر انتظار كثير من العرب حصول شخصية عربية على جائزة نوبل، وهذه حالة تثير الشفقة، وفيها شيء من عقدة الشعور بالنقص تجاه كل ما هو أجنبي، بما في ذلك أمور لا يمكن أن يكون أجنبي الحكم الأفضل في شأنها، وعلى رأسها الأدب العربي.

إذا لم يكن القارئ العربي هو الحكم على جودة ما يقرأ من أعمال بلغته فإننا إزاء وضع مشوه لن يساعد على تطور الأدب العربي ورقيه، فمن المفارقات المحزنة أن الكتاب العرب الذي يشكون من قلة ما يشترى من مؤلفاتهم يهربون إلى الأمام بالسعي إلى الحصول على قراء في الغرب عن طريق الترجمة.

من حق أي إنسان أن يعجب بأدب نجيب محفوظ كله أو بعضه، ومن حق أي إنسان أيضا أن يفضل أدب حنا مينة أو عبد الرحمن منيف أو الطاهر وطار أو سحر خليفة أو غادة السمان أو أحلام مستغانمي أو غيرهم. وينطبق المبدأ على الشعر أيضا، فقد يحب أحد محمود درويش، ويفضل آخر سميح القاسم، أو أمل دنقل، أو نزار قباني، أو نازك الملائكة أو فدوى طوقان، أو أي شاعر آخر شهير أو مغمور، فالإجماع على الإعجاب بشخصية أدبية واحدة غير ممكن وليس صحيا.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2890340

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC