عدلي الهواري

موعد مع حفيدة جنكيز خان

كان يوم الموعد يوما من أيام الشتاء التي سبقها هطول الثلوج بضعة أيام، وبقي الناس في البيوت لأن الثلج كسا كل شيء بطبقة بيضاء، وجعل قيادة السيارات أمرا محفوفا بالمجازفة. وكان الاتفاق على اللقاء قبل بضعة أيام من حلول الموعد، وظل مشروطا بأن يتحسن الطقس، ويمكن الخروج من البيوت.

ما أن وافقت على الموعد حتى بدأ يتابع تطورات الأحول الجوية متابعة مكثفة. قبل ذلك اليوم لم تكن حالة الطقس تهمه. صار كل بضع ساعات، وكل يوم، يبحث في الإنترنت مستخدما حاسوبه الصغير عن آخر المعلومات عن حالة الطقس المتوقع، وخاصة في مواقع الأرصاد الجوية التي تنشر توقعاتها العامة لخمسة أيام قادمة، وتوقعاتها المفصلة لكل ثلاث ساعات خلال أربع وعشرين ساعة. وفي كل مرة يسارع ببصره إلى حيث الرموز التي تمثل حالة الطقس، ودرجات الحرارة المتوقعة.

* * * * *

تعرف عليها في صف مادة التنمية التي كانت إحدى المواد المطلوبة في السنة الثالثة من برنامجه الدراسي للحصول على البكالوريوس من جامعة لندن. وكان ذلك يوم قدّم كاظم عرضا في الصف عن تاريخ العراق. لاحظها لأنها جلست في الصف الأول، وأبدت اهتماما بما يقول. كانت تهز رأسها في إشارة الموافقة على ما يقول والتشجيع على المضي قدما في العرض دون تردد أو خوف.

أشار كاظم في عرضه إلى أن بغداد كانت يوما عاصمة التقدم في العالم. ثم غزاها المغول، فأعملوا القتل في أهاليها، وعاثوا فسادا بمكتبة بغداد ومركزها العلمي آنذاك، دار الحكمة، ورموا الكتب في نهر دجلة، فتحول لونه إلى أسود. قال كاظم بصورة عابرة: "أنا من بغداد".

بعد الانتهاء من العرض صفق له الزملاء تشجيعا على بطولة الوقوف أمام جمهور واستجماع الشجاعة للحديث عن موضوع يختاره الطالب أو يفرض عليه. ومهما كان الموضوع يؤجل الطلبة التحضير له حتى آخر لحظة، ثم يجمعون في اللحظات الأخيرة بعض المقتطفات من ويكيبيديا وبعض الصور، ويقف الواحد منهم مضطربا يتمنى أن تبتلعه الأرض، فينسى أن يحيي جمهوره، وأن يقدم نفسه إليه، ثم يبدأ بتقديم العرض فيجف حلقه، ويشعر أن الدقيقة دهر.

صفقت له بحرارة وابتسمت. لم يكن مجرد تصفيق مجاملة الطلاب والطالبات لزميل أو زميلة. البسمة التي عززت التصفيق بحرارة كانت دليله على احتمال استلطافها له. لم يكن قادرا على الحكم إن كانت من الصين أم اليابان أم من بلد آخر في الشرق الأقصى.

* * * * *

طلبت الأستاذة من طلبة الصف كتابة أسمائهم وعناوينهم الإلكترونية على ورقة، وناولتها الورقة وطلبت انتقالها من طالب إلى آخر قبل أن تعاد إليها. وعندما وصلته الورقة، كتب اسمها، سولونغو، وعنوانها الإلكتروني على إحدى أوراقه، وبعد ذلك أضاف اسمه وعنوانه إلى القائمة ونقلها إلى أقرب طالب.

عندما بدأ العد التنازلي للعام الجديد، توقفت الدراسة في الجامعة للاحتفال بعيد الميلاد والسنة الجديدة. أرسل لها رسالة إلكترونية يرجو لها فترة عطلة جيدة. ردت عليه وشكرته وتمنت له الشيء نفسه. قالت إن الشتاء يذكرها بوطنها. وجد في هذا الإعلان عن الشعور بالحنين فرصة للرد، فسألها: "من أي بلاد أنت؟" ووجد الفرصة مناسبة لإعطائها رقم هاتفه الجوال، فقال في رده: "إذا رغبت في الحديث، إليك رقم هاتفي الجوال".

لم يأته الرد، ولم يدر ما كان وقع رسالته عليها. ربما لم تكن راغبة في الحديث فتجاهلت الرسالة. لكن الرد جاء بعد ثلاثة أيام. اعتذرت عن التأخير وقالت إنها لا تملك حاسوبا وخدمة إنترنت في مسكنها.

أبلغته أنها من منغوليا، وقالت "سوف أرسل لك رسالة هاتف جوال لاحقا". وبعد ساعة من بدء العام
الجديد وصلته رسالة على هاتفه الجوال ترجو له فيها عاما سعيدا، فسارع إلى الرد وبادلها الأمنية بمثلها.

صارا يتبادلان الرسائل النصية مرة أو اثنتين كل يوم. تسأله عن حاله ويسألها عن حالها ويرجو لها، وترجو له، وقتا طيبا. استمرت الحال على هذا المنوال بضعة أيام، فأعطاه ذلك الأمل في أن ينتقل تعارفهما إلى مرحلة أخرى. أبلغته في إحدى رسائلها أنها تعمل في تلك الفترة بكثافة لجمع بعض المال قبل استئناف الدراسة.

وعندما قالت له إن جدول عملها للأسبوع القادم لا يشمل يوم الخميس، سارع إلى الرد وقال: "أبقيه بدون التزامات. دعينا نلتقي ونتناول الغداء." ردت قائلة: "سوف أبقيه كذلك من أجل أن ألتقيك." فطار فرحا عندما قرأ هذا الجواب.

تواصل هطول الثلج وتراكمه، وأبطأ مسيرة الحياة كثيرا. جلس في البيت بتابع على حاسوبه الأرصاد الجوية المتوقعة للندن، واستمر أيضا تبادل الرسائل النصية. وبعد تلقي واحدة قبل الموعد بيومين، اتصل بها ليتحدث معها عن خيارات مكان وزمان اللقاء. من حيث الزمان كان الموعد المفضل لديها ظهرا، ومن ناحية المكان يعتمد الأمر على حالة الطقس.

اقترح عليها من باب الاحتياط أن يلتقيا في مكان لا يكون بعيدا عن منطقة سكنها، فإذا هطل الثلج، يسارعان إلى العودة، قبل تعطل سبل المواصلات. واقترح أن يشمل الموعد تناول الغداء ومشاهدة فيلم في مجمع ترفيهي يضم دور سينما ومطاعم. واتفقا أن يكون اللقاء ظهرا في باحة بيع التذاكر، فسوف تكون مكانا دافئا ومناسبا للانتظار.

فكر في جزئي الموعد لأنه يريد أن يقضيا معا وقتا طويلا. الغداء غايته أكثر من تناول الطعام، فهو فرصة لتبادل الحديث وجها لوجه. أما الفيلم فسوف يتسليان في مشاهدته، ويصبح بعد ذلك موضوعا للحديث بينهما، فمشاهدة الفيلم فقط لن تمكنهما من الحديث طويلا.

اتفقا من حيث المبدأ على الزمان والمكان، وبقي مرور الوقت حتى مجيء الموعد، وتغير الأحوال الجوية إلى حد لا يجعل الخروج من البيت ضربا من الجنون.

* * * * *

تراجعت احتمالات استمرار هطول الثلوج مع حلول يوم الموعد، وبدأت الأرصاد الجوية تشير إلى درجة حرارة محتملة قد تبلغ درجتين. هذا آخر ما قرأه قبل محاولة الذهاب إلى النوم مبكرا، ولكنه لم يستطع. ألقى نظرة من نافذة غرفة النوم على الشارع. كان سكون الليل يخيم على المنطقة، وزاد السكون عمقا بعدما سقط الثلج خفيفا كالقطن. وكان الضوء الكهربائي الشاحب الذي ينير الشارع قد جعل المشهد أكثر جمالا. عاد إلى السرير ليحاول النوم، وتقلب عشرات المرات وهو يفكر في الموعد ظهر اليوم التالي مع حفيدة جنكيز خان.

استيقظ مبكرا جدا، وحاول أن يشغل نفسه بالحاسوب ليساعده على احتمال بطء مرور الوقت. عند اقتراب الموعد، قدر الوقت اللازم للرحلة إلى المجمع الترفيهي، وزاد عليه نصف ساعة لضمان الوصول مبكرا، خاصة وأن الأحوال الجوية يمكن لها أن تعيق حركة المواصلات العمومية. وصل المحطة الأقرب إلى المجمع الترفيهي، ومشى المسافة القصيرة بينهما، وذهب إلى باحة السينما حيث سينتظر الآخر من يصل أولا. ووقف ينتظر.

كانت باحة السينما ومنطقة بيع التذاكر شبه خالية. الرواد قلائل. بعض آباء أو أمهات مع بعض الصغار. انتظرها بشوق وقلق. وبعد ثلاث دقائق أو أربع شاهد شابة تخرج من غرفة السيدات، واتجهت نحوه. كانت هي، سولونغو، تلبس معطفا شتويا طويلا فاخرا. لقد سبقته في الوصول، وأرادت أن تتأكد أنها ستكون في أبهى حال عندما يراها.

تبادلا التحية، وقال لها نشاهد فيلما أولا ثم نتناول الغداء، فالوقت لا يزال مبكرا. اقترح أن يشاهدا فيلما رومانسيا كوميديا، فلم تمانع. سألها إن كانت تحمل هويتها الجامعية، فأخرجتها من حقيبتها. تقدما نحو بائعة التذاكر وطلب تذكرتين بالسعر المخفض للطلاب. ألقت البائعة نظرة على الهويتين، وناولته تذكرتين، ودفع لها ثمنهما، وتوجها إلى صالة العرض.

اختارا المكان المفضل لمشاهدة الفيلم، وجلسا ينتظران حلول موعد العرض. تجاذبا أطراف الحديث، ابتداء بحالة الطقس ومرورا بالعمل والدراسة. أطفئت الأنوار وبدأ عرض الإعلانات التجارية، ثم مقتطفات قصيرة من أفلام ستعرض في المستقبل. وبعد ذلك بدأ الفيلم.

لم يخيّب الفيلم ظنهما. كان قصة حب وخصام وصلح وتتخلله المواقف المضحكة. ضحكا على الموقف نفسه معظم الأحيان، وأحيانا أخرى ضحك كل منهما بمفرده. انتهى الفيلم، وخرجا إلى الباحة الأمامية للسينما. عندئذ سألها عن أي المطاعم تفضل في المجمع، وتوجها إليه.

استقبلهما النادل، وسأل: "طاولة لاثنين؟" فرد كاظم بالإيجاب.

قادهما النادل إلى طاولة حولها أربعة مقاعد، ووضع لهما قائمتي مأكولات على طرف الطاولة وقال إنه سيعود بعد دقائق.

اختارت سولونغو طرفا، وذهب كاظم إلى الطرف المقابل. وعندئذ بدأت لحظة تأمل كاظم حفيدة جنكيز خان. قبل الجلوس خلعت معطفها الطويل، فبدا تحته فستان شتوي رمادي بكم يغطي نصف الذراع. أحاطت خصرها بزنار جلدي أسود. كان فستانها لحد الركبة. الجسم كان رشيقا. كان في المقابل يخلع معطفه ويـتأملها على مهل رغم قصر اللحظة.

وضعت معطفها على الكرسي المجاور لها وجلست. فعل الشيء نفسه. الآن أصبحا وجها لوجه. كان وجه حفيدة جنكيز خان يبعد عن وجهه نصف متر أو نحو ذلك. عندئذ بدأت لحظة التأمل الأعمق للملامح والتفاصيل.

وجهها مستدير كبدر في ليلته الرابعة عشرة. شعرها قصير، متوائم مع استدارة وجهها. كان شعرها يلمع، وصففته بطريقة جعلت في وسطه شبه جديلة: تتداخل خصلات الشعر دون ترابط كالضفيرة. هناك ظل على جفنيها. على أذنيها قرطان صغيران. شفتاها ورديتان، تركتهما بدون أحمر شفاه. حول جيدها سلسال تتوسطه جوهرة حمراء صغيرة. طلت أظافرها بلون أبيض، وزينتها ببضع نقاط سوداء قرب جذور الأظافر. على الأصبع الأوسط من اليد اليسرى وضعت خاتما يقول أنا الدليل على الاهتمام بتفاصيل الأناقة.

بدأت تطالع قائمة المأكولات، أما هو فألقى نظرة سريعة، وواصل تأملها، وعندما رفعت رأسها، سألها: "هل قررت؟" فردت بالإيجاب. عندما حضر النادل طلبا ما يريدان أكله، فسجل الطلب وذهب. وبدآ يتحدثان عن الفيلم. نال الفيلم إعجابها، فحمد الله أن اختياره كان موفقا. وتبادلا الرأي في مواقف الفيلم المختلفة، وكانت الخلاصة أنه كان ممتعا ويستحق المشاهدة.

حضر الطعام وتناولاه بصمت وعلى مهل، وعند الانتهاء أخلى النادل الطاولة، وطلبا حلوى وشايا لها وقهوة له. واستأنفا الحديث عن منغوليا وعن العراق والعمل والدراسة وعنها وعنه. كانا في غاية الارتياح والانسجام. تساءل: أيعقل أن يقع بغدادي في حب حفيدة جنكيز خان؟

عندما خرجا من المطعم، اتجها إلى موقف الحافلات. قرر أن يقف معها إلى أن تأتي الحافلة. كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية، والثلج لا يزال يغطي الأرصفة والساحات وسطوح المنازل والأغصان. ولكنه، وهو واقف معها، كان يشعر بالدفء داخله وحوله.


ثلج شارع أشجار


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC