ناصر محمد خليل - مصر

دوائر

الليل بكل وحشية يلتهم أحلامنا ويبتلعها في جوفه ونحن كالبلهاء ننتظر النهار. ما جدوى أن تشرق الشمس فلا تجد ما تغازله سوى شواهد القبور.

ما بين الجبل الذي يرقد بداخله الصامتون والشارع الذي يئن من صرخات القتلى، وقفت على الجسر والجسد ينتفض والشمس علاها شحوب. عيناها حائرتان ما بين الجبل الصامت والشارع الصارخ الذي في نهايته تقع القرية حيث مسقط رأسها.

أغمضت عينيها، كأنها ترى لحظة ميلادها وسط صرخات الرافضين ونظرات الكارهين لها دون سبب.

صفعات تنهال على وجهها الغض مع أول خطأ لها من هذا الذي قيل لها إنه أبوها.

تأتي صرخة من سائق متهور يقود عربته بسرعة جنونية يسب عابرا للطريق فجأة.

التقطت حجرا فألقته في الماء. صنع دائرة صغيرة. غاصت أحلامها. كانت الدوائر تحاصرها وتخنق كل شيء بداخلها.

نظرت إلى الجبل ثم تساقطت بقايا دموع من العيون المجهدة.

كل الأعمال من نصيبي أنا، لا أختار أشيائي، فستايني، أوقات راحتي. قطعة خشب بالية أنا، فمن يكترث؟

أدور كترس في ساقية العائلة. محرم حتى البوح بما في داخلي. أحاول أن أخرج من الشرنقة التي صنعتها أمي لي وحبستني بداخلها إلى الأبد.

الشمس وحدها في نهاية الأفق تقاتل جيوش الظلام. استلت آخر سيوفها اللامعة، ولكن الأسود يحاصر كل شيء. يطغى شيئا فشيئا. اقتنعت الشمس أنها معركتها الأخيرة فآثرت الانسحاب واختفت خلف الجبل.

التقطت حجرا القته في الماء.

حين تسلل أشهر لص في العالم وسرق قلبها الغض وأحبت فتى من أهل القرية المجاورة، علموا بالأمر. كانت عاصفة متسلسلة. كرة ثلج تتدحرج من أبيها لأمها فتنتهي عند أخيها. العيون تطفح بالقسوة. الألفاظ تخرق أذنيها فتصيب النفس بجراحات لا اندمال لها. وجهها الغض وجسدها الطري لم يسلما من الصفعات والركل.

ضاع الطريق. لقد عبر من هنا. اقتلع جميع اللافتات ونزع العيون من الأحذية فتاهت الأقدام في الليل الملعون. تلاشى كل شيء. لم تعد تسمع شيئا سوى الصوت الذي يتردد صداه في أعماق نفسها.

الذكريات الأليمة تهرول فوق صفحة الماء. لا تتذكر يوما واحدا جميلا، ولا حتى ذكرى واحدة جميلة.

فجأة تتراقص صورته على صفحة الماء فتهرب كل الذكريات الأليمة. تنجح الابتسامة في الوصول إلى شفتيها، ويشع النور من عينيها، ويبدأ صدرها في الهبوط والصعود في إيقاع متسارع. تمد يديها إليه، ثم ترجعهما خائبتين.

وقفتْ على حافة الحاجز المعدني. القت نظرة على الشارع الصاخب، فعلا وجهها الحزن، ثم استدارت ببصرها نحو الجبل الصامت فابتسمت.

كان جسدها يتمايل في الهواء كورقة صغيرة في مهب الريح، وحين سقط واختفى خلف الصفحات الزرقاء صنع دائرة، ولكن الدائرة هذه المرة كانت أكبر.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC