عبد الهادي شلا - كندا

ضمور الزمن

عبد الهادي شلاقيل إن الوقت حين يختصر نفسه ويتقلص، فإن هذا من علامات الساعة، كأن نشعر باليوم وكأنه ساعة من الزمن، وأن الساعة كأنها دقائق قصيرة كلمح البصر.

وهكذا تصغر المسافات وتقصر المدة بين حدث وآخر فنبدو كما لو أننا قد اجتزنا مراحل العمر فجأة وأصبحنا على أبواب الشيخوخة.

نشعر بحس غريب عندما ندرك أننا كبرنا، وأن حياتنا التي كنا نلهث فيها سعيا وراء أمنيات كثيرة قد مرت بسرعة، وأننا قد حققنا بعضا منها ومن طموحاتنا، وأننا عجزنا عن تحقيق المزيد.

وهذا العـُـمر بحلوه وبمـُـره ما كان إلا مشوارا وجــَب علينا أن نقطعه، وإلى مسافة محددة، ونقطة لا نقدر على تجاوزها لأنها محكومة بقدرة الخالق الذي أعد كل شيء وحدد بدايته ونهايته.

هكذا يفكر المؤمن دون أن يجنح إلى الفلسفات الكثيرة وتفسيراتها التي يكتشف الفلاسفة والعلماء يوما بعد يوم أنها محكومة بقدرات لا يمكن تجاوزها أو إيجاد التفسير الكامل لها، فتتحقق النتيجة بإرجاعها إلى الإيمان بالقضاء والقدر المحسومين الراسخين في قلب المؤمن وتفكيره. ولا يجد لها تفسيرات وفلسفات أخرى كثيرة ومتشعبه إلا من كابـَـر وتعـَـنت.

في لحظة صفاء وتأمل وبلا مقدمات نشعر بأننا كبرنا فجأة، و في لحظة نستعيد وعينا وندرك أن حياتنا التي عشناها هي سنوات امتلأت بالأحداث والمواقف، نتذكر بعضها ويغيب في دهاليز الذاكرة بعضها الآخر، وأن أفرادا قد ولدوا، ومات آخرون، وتطور الزمن وأصبح الركود والسكينة من أعمال الماضي، وحَـل محلها السرعة والأدوات المُنجـِزة للأعمال الضخمة بعد أن كانت تحتاج إلى عدد كبير من البشر وأيام وأشهر لإنجازها بينما الأدوات الحديثة والعملاقة قد اختصرت الزمن والجهد والتكلفة إلى أيام وأحيانا إلى ساعات.

ما كان يحتاجه المرء من وسائل انتقال وزاد للطريق ورفقة تؤنس وحشة البراري والفيافي كانت بدائية كلها، وقد تحولت بفعل وقدرة الإنسان الجبار، الذي أوتي من العلم القليل، إلى أدوات يشعر البعض أحيانا أنها أكثر من توقعاته، ومن أن يستوعبها عقله وتفكيره، فأصبح ينتقل بالطائرة وهي الأسرع من مكان إلى آخر المعمورة في ساعات، وأصبح بإمكان الإنسان أن يقطع أطراف الكرة الأرضية في يوم واحد.

كما أن الإنسان يتواصل مع الآخرين بمجرد أن يضغط على مفتاح صغير بالحديث أو الصورة. وهناك المزيد الذي مازال خافيا.

في هذه الصورة العابرة بكل تفاصيل حياتنا التي نختصرها بذكريات ومواقف، نجد أننا نستخدم "الوقت" كي نقطع مسافات الزمن، وهو مقياسنا في كل حركاتنا، نظرا لمتطلبات الحياة بإيقاعها وسرعتها.

وإذا أقررنا بأن الزمن يتكون من وحدات متراصة هي ما نسميه "الوقت" فإن تراكم الأوقات بمحاذاة بعضها البعض تصنع مسافة في الزمن. واستغلال الوقت هو الشوط الذي الذي نقطعه في الزمن الذي نعيشه ونحقق فيه بعض أمنياتنا.

كان "الخيام" فيلسوفا عابرا في الزمن حين قال:

واغنم من الحاضر لذاته - - فليس في طبع الليالي الأمان

فإن كان "الخيام" قد وجه الوقت إلى وجهة فيها رؤيته الخاصة وهي (اللذات) فهذا لا يعني أن الوقت قد بقي مسخرا لرؤيته، وإنما هو أخذنا إلى حيث يرى.

ولكن من الأفضل طبعا أن يستغل الإنسان الوقت بما يعود على البشرية بالنفع، والمساهمة في نشاطات بشرية تثري التجربة الإنسانية وتحقق المرجو من "الوقت".

ومع أن "الزمن" تتسارع وتيرته رغم المنجزات الضخمة التي نحققها فيه، إلا أننا أصبحنا نلمس "الضمور" في مساحته، أو أن الزمن يختصر نفسه بالوقوف على أبواب النهاية، ولن يمتد حتى نحقق كل أمنياتنا التي لا نهاية لها، وهي القائمة مادامت الحياة قائمة.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380714

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC