سعاد العنزي - الكويت

الارتحال عبر ذاكرة الاعتقال...

الارتحال عبر ذاكرة الاعتقال والتعذيب السياسي في رواية
‎‫"‬تلك العتمة الباهرة‫"‬ للروائي المغربي الطاهر بن جلون
(*)

(*) روائي مغربي يكتب بالفرنسية.

سعاد العنزي‎للأدب عوالمه المتجددة باستمرار. حتى لو أعيدت ذات التجارب، فإنه زاخر بالحكم والعبر التي تنسجم وكل زمان ومكان، وقادر على التشكل في فضاءات وأنساق ثقافية واجتماعية وسياسية متغايرة الزمان والمكان، ولكنها تتقاطع وتتشارك وذات التجربة الإنسانية الواحدة التي خلدتها لتستمر وتتوالد وتتناسل في مجتمعات وفضاءات إنسانية أخرى.

كذلك كانت سمة الأدب العظيم والإبداع الخلاق الذي يقدم رؤية إنسانية تعيد ترميم جسد البشرية المهشم والهزيل، وتعيد تصور الحياة بعد أن دمرها الساسة ورموز الشر والصراعات المستميتة على السلطة والنفوذ والحكم المؤبد على حياة المواطنين البسطاء بأن يعيشوا دور المغلوب دوما، ودور الفقير والمسكين الذي لابد عليه أن يرث الذل من أهله وأجداده، وأن يورثه لأبنائه وأحفاده من بعده، وإلا سيكون لعب دورا مغايرا على النسق الاجتماعي الذي خرج منه.

الطاهر بن جلونوهذا اللعب في حركة العلامة الستاتيكية ، بالنسبة لهم، أي شبكة الظلم المؤسساتية، فإن هذا الفاعل والمتحرك الاجتماعي نحو مرتبة اجتماعية أخرى عليه أن يدفع الثمن باهظا. هذا ما يرويه العالم الحكائي لرواية "تلك العتمة الباهرة" للروائي المغربي الطاهر بن جلون.

هذه الرواية التي قدمت لنا عالم الظلم والحكم الفاسد بصورة مختلفة ومدهشة ومؤلمة في الوقت نفسه. كما أنها من جهة أخرى تحمل من العمق والالتصاق بتجارب الوطن العربي، وتحديدا حياة المساجين السياسيين ما يجعلها تضرب بفعالية عالية في بنية الأنظمة السياسية الظالمة والقمعية والوحشية، التي تجعلنا نقرأ متن الحكاية ناظرين إلى موقفين تاريخيين متغايرين، زمنيا وظاهريا، ولكنهما مشتركين في نفس البنية العربية الواحدة التي لم تتغير كثيرا، بل إنها تعلن تبعيتها الصارمة للنسق القديم في تعذيب المساجين السياسيين‫.‬

غلاف تلك العتمة الباهرةهذا الذي حدث في متن الرواية من حكايات تشهد على أبشع ما في الأنظمة السياسية المستبدة، وهو القمع والتعذيب لمساجين الرأي السياسي، فكانت حكاية السارد ومن معه من مساجين الذين عاشوا ثمانية عشرة عاما تحت الأنقاض بسجن ومنفى مخصص لهم، بعدما اتهموا بتدبير مخطط لقتل ملك المغرب الفاسد وقتها، مثلا نابضا بالقوة والصلابة ورباطة الجأش وتحمل الصعاب لما شهدوا من طقوس موت محدق عاشوها في تلك الزنازن التي عاشوا فيها طقوس الموت والحياة بتواتر عجيب.

ومن الغريب أنهم يخرجون من كل نوبة موت تمر بهم أقوى من السابق، فيتعايشون بوئام والتحام يقدم نسقا من التعاون والتكافل الاجتماعي وهم على عتبات الموت‫. كل هذا المزيج من الحياة الغرائبية نسج عبر فكرة مذكرات السجون، التي قدمت عبر سارد واحد‫.‬‬

ففكرة المذكرات، وتحديدا مذكرات السجون، وإن انبعثت من تجربة سابقة ومنصرمة في حقبة الثمانينات، وقت حدوث الحكاية الفعلية للشخصيات وساردها الوحيد، الذي هو صديق المؤلف الحقيقي للرواية، فهي متجددة من ناحية ارتباطها مضمونيا بظرف تاريخي متجدد وحديث في تاريخ الثورات العربية، وهو الثورات العربية الحادثة في مطلع العام الماضي (2011)، فالثورات العربية ما أن حدثت فإنها كشفت معها الكثير من الخفايا والخبايا لحكام ظَـلموا، ولمواطنين ظُـلموا وسُجنوا، وعُذبوا بأسلحة من شأنها أن تقتل الجرأة والإقدام وجميع الأفكار الثورية والتحررية، تجعلنا نترقب قصصا وحكايات مشابهة لبنية قصص القمع القديمة والمشهودة في الوطن العربي، ولنقل تاريخ التعذيب الإنساني، ولكنها قد تختلف في تفاصيلها البسيطة وظروفها الراهنة الخاصة بها.

فليكن الوقت وحده هو العامل الحاسم لخروج من مثل هذه الحكايات التي تدين جميع الممارسات القمعية التي تصرفت بها بعض المؤسسات الأمنية الوحشية، والتي كشفت عنها المذكرات الجريئة ، مثل ما قام به بطل الرواية، أو كشفت عنها الآن الثورات العربية، وحالات التقويض الحالية التي تشهدها الأوطان العربية في هذه الحقبة الآنية التي نرى إنها حقبة ماسية نادرة تشهد قفزة نوعية في فن البوح ، والكشف والفضح وتعرية الواقع، وما قبل الواقع، وفضح ماهو مسكوت عنه، وما هو مسلم به‫.‬

اليوم، نستقبل كشعوب عربية مقموعة الكثير من الحكايات التي شهدها مواطنون عرب كل ذنبهم إنهم قالوا ورددوا ‫"‬لا‫"‬ في وجه السلطة والحكم بشكل مباشر، أو شهدوا على فعل فساد عن طريق الصدفة، التي وضعتهم خطأ في وجه ظالم ومستبد وطاغية، وهذا في الحقيقة ما يحتاج منا قليلا من الوقت لكي تتكشف لنا كافة أطراف الحكاية كاملة، حكاية الظلم والقمع والسجون التي شهدت على مظاليم كثر، كل ذنبهم أنهم حلموا بفجر يحمل بشائر الأمل معه‫.‬

غلاف كتاب المراقبة والمعاقبةإن هذا الوجع الإنساني للمعتقلين في المتن الروائي يحيلنا إلى ربطه بالواقع العربي من جهة، وربطه بالمقاربات الكتابية الفلسفية النقدية والأدبية من جهة أخرى، وأقصد تحديدا كتاب ‫"المراقبة والمعاقبة‫:‬ ولادة السجن‫"‬ التي سجل في مقاربته هذه العميقة التي تحفر في بنية السجون وتاريخ تشكلها في محاولة فرض العقاب بغية فرض روح الانضباط على المجتمعات البشرية، والتي تكونت عبر سلسلة تاريخية طويلة وحافلة بالألم الذي يصور الألم الإنساني الذي يعانيه المعاقب، داميان نموذجا، ويصور ثانيا فساد الحاكم والسجان في تعامله مع المعاقبين، والمساجين، فبنية الكتاب تكشف عن نموذجين بشريين يقدمها فوكو بتحليله التفكيكي الموسع، هما بنية المظلوم المسجون، وبنية الظالم الذي هو الحاكم، والمشرع الذي بأساليب عقابه المتعددة للمعاقب سيظهر الوجه القبيح له، والذي يمكننا من تحليله وتفسيره، والتعرف على أنماطه وسلوكياته القمعية المتعددة، فهو ينقل عن أحد الناشطين الحقوقيين روش سنة ١٧٨٧ قوله‫:‬

‎لا استطيع أن أمنع نفسي من الأمل بأن يكون غير بعيد اليوم الذي تصبح فيه المشنقة وعمود التشهير، ومنصة الإعدام، والسوط، والدولاب، في تاريخ التعذيب، معتبرة من علامات بربرية العصور والبلدان، ومعتبرة كدلائل على ضعف تأثير العقل والدين على النفس البشرية.

وقد ذكر بهذا الشأن ڤان منين وهو يفتتح بعد ذلك بستين سنة المؤتمر الثاني للعقوبات في بروكسل، بأن زمن طفولته هو حقبة مضت بعيدا:

لقد شاهدت الأرض مزروعة بالدواليب، وبالمشانق، وبالمقصلات وبأعمدة التشهير، لقد شاهدت هياكل عظمية ممدة ببشاعة فوق دواليب. (كتاب المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ص 53).

غلاف كتاب تاريخ الجنونحقيقة الوصف السابق يتقاطع كثيرا مع ما ورد من مشاهد الموت والتعذيب التي عانى منها شخوص الرواية، مما يجعلنا نلتفت إلى دور الفن الذي يتقاسم الهم الإنساني مع الحقول المعرفية والفلسفية التي تكثف طروحاته من أجل نصرة المظلوم، وهذا ليس بغريب على فوكو، الذي عودنا في كتبه الأخرى من مثل ‫كتاب "تاريخ الجنون في العهد الكلاسيكي"، إذ بمقاربته للشرائح المقموعة والمهمشة من ذاكرة الجماعة فإنه يكشف الظلم الواقع عليها، وكما يكشف مؤسسات الفساد التي تقبع خلفها، فهذا التعمق والتخصص الدقيق في حفر معاناة الإنسان في العديد من الحقول الإنسانية، يساهم في تشكيل خارطة ‬ القمع الإنساني ومظاهر قمعها المشتركة بينها كمؤسسات، ومناطق الاختلاف والتفرد بين كل آلة ظلم وحشية‫.‬

وهذا ما يجعلنا نميل إلى تحليل مطاع صفدي حول منهجية دراسات فوكو عن السجون وغيرها التي تمس روح الإنسان التي يقول عنها‫: ‬

الكلمات ليست معطوفة على الأشياء، ولكنها هي أشياؤها كذلك‫.‬ وأهم كلمة‫/‬شيء تدب على الأرض. هي هذا الإنسان، عفوا!‬ بل هذا الجسد‫.‬ وإن دراسات الممارسات التي تقع على هذا الجسد، والذي يوقعها كذلك على أجساد آخرين، إنما هو موضوع الفلسفة في هذا العصر‫.‬ ودون أن يعلن فوكو أي بيان فلسفي عن هذا المنعطف، فقد شرع مباشرة بتطبيقه‫.‬ وكان شروعه ذاك إيذانا بمولد جسد مختلف، يكاد لا يكون جسدنا‫.‬ لأننا لم نعرف من قبل تاريخا للجسد، واقتصادا سياسيا للجسد‫:‬ وها هو فوكو يكتب هذا التاريخ وعلومه المادية والإنسانية، من قصة هذا الجسد عبر تمفصلاته مع داخلياته وخارجياته، ويرصد العلاقات التي هي انزياحات، لا يمكن أن تفهم خارج جاهزيتها القديمة والمستحدثة‫.‬ واكتشاف تاريخ الجسد وجاهزياته يحدد منعطف الحداثة الحقيقية أي البعدية‫".‬ (كتاب المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ص 34).

القول السابق يحيلنا إلى الحديث عن التجربة الرصينة والعميقة للروائي الطاهر بن جلون في ‫"‬تلك العتمة الباهية‫"‬ التي يتدفق بها بتوغل سردي يرسم الفجاعة والألم في تعامل الانضباطي مع الانفلاتي والمعاقب الذي فلت من قبضة العلامة المسيطرة فاستحق العقاب، فما يقوم به السارد بطل الرواية من وصف وتحليل بصري لأوضاع المعتقلين السياسيين، حقيقة يتوازى وما يقدمه فوكو من وصف في كتابه المذكور سابقا، مما يشير إلى فكرة التعالق النصي بين الكتاب والرواية على مستوى المتن الموضوعي.

كما يبين لنا مدى تأثر الروائي بالنزعة التحليلية والوصفية البصرية التي توافرت بنصوص فوكو، وبالفضاء الروائي لنص ‫"تلك العتمة الباهية‫"‬، فالسارد يقدم حكايات وصورا متعددة للألم الذي يعيشه المعاقب في تلك الزنازن المظلمة تحت الأرض، فيصف وصفا دقيقا كيفية تشكل حكايات الشخصيات المتعددة، وماهية الحفر التي زجوا بها، وكيف تشكلت تلك العتمة، من انعدام الضوء والنور كمعطى فيزيائي طبيعي، وانعدام النور كمعادل روحي وإنساني يشير إلى الخير، والسعادة والمحبة والوئام، والسلام، والعدالة الاجتماعية.

فكم كان الوصف شفيفا ومتدفقا عند وصف السارد لحرمانه من النور وإشعاعاته، وانتظاره لدخول الجنود عليهم من أجل أن تدخل أشعة الشمس! أو يا للمفارقة الساخرة، في أن يغتنم المساجين الفرصة عندما تكون مراسم دفن أحد المساجين الذين يتساقطون في فوهة الموت تدريجيا، لكي يشيع الآخرون الجثث وينعمون قليلا بالخروج إلى الأرض، والتمتع بأساسيات الحياة الإنسانية: الهواء الطلق وأشعة الشمس‫.‬

وهذا ما يجعلنا نفهم ونؤوّل أحد مكونات العنوان، العتمة، إذ هي عتمة مكانية، حيث قضوا ثمانية عشر عاما في مكان معتم لا يدخله ضوء، والعتمة الروحية والمعنوية، في كون السارد حرم من العيش حياة طبيعية مثل بقية البشر بسبب ظلم أوقعه في تهمة الانقلاب على الحكم الملكي زورا وبهتانا.

كما أنها عتمة السلطة والحكم الجائر وآلة الحاكم القاسية والوحشية متموضعة بالمعتقلات والسجون والزنازن البعيدة عن أعين البشر وأعين الرقيب، عتمة يصفها السارد ببراعة‫:‬

‬في الواقع، كان القبر زنزانة يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترا ونصف المتر‫؛ أما سقفها فوطئ جدا يتراوح ارتفاعه بين مئة وخمسين ومئة وستين سنتمترا. ولم يكن بإمكاني أن أقف فيها. حفرة للتبول والتبرز. حفرة قطرها عشرة سنتيمترات. كانت جزءا من أجسادنا ، والأفضل أن نسارع إلى نسيان وجودها، لكي نكف اشتمام روائح البراز والبول، لكي نتوقف عن الشم إطلاقا. ولكي نفعل، لا ينبغي أن نسد أنوفنا. لا، إطلاقا، بل ينبغي أن ندع أنوفنا مفتوحة ونتوقف عن الشم. في البداية كان الأمر شاقا. كان دربة، عتها لا بد منه، اختبارا ينبغي اجتيازه بأي ثمن. أن تكون هناك من دون أن تكون هناك. أن يغلق المرء حواسه ويسلطها في اتجاه آخر ، ويمنحها حياة أخرى. (الرواية، ص 10). ‬

ولكن المفارقة التي يحملها العنوان‬ هنا هو كيف تكون تلك العتمة باهرة؟‫!‬ ولنلاحظ أن اسم الإشارة تلك وهو للمشار إليه البعيد، يبين أن السارد يسرد عن تلك الحقبة الزمنية وما تحمله من دلالة‫ من المسافة الزمانية والمكانية التي كستها صفتا العتمة والإبهار؟‬

هذا ممكن ويتحقق فهمه من خلال مكونين أو بعدين زمانيين ومكانيين في الرواية، الأول: فترة الاعتقال‫،‬ والثاني: فترة ما بعد الاعتقال والتحرر من قيود السجن‫.

ففي الفترة الأولى قضى السارد ومن معه من معتقلين حياة السجن بين عالم الموت التراجيدي الذي يغلق أبواب الأمل أمامهم، وينبوع الحياة المتجدد في دواخل الذات الإنسانية، الذي يجعل من الشخصيات تتحايل على عتمة المعتقل، فتجعل منها فضاء إنسانيا خلاقا مليئا بطقوس الحياة والمتعة السادرة، بدلا من أن يكون فضاء يفترض أنه أضيق من لحد.

فهذه الطقوس تمخضت في تحديد معالم شخصية كل واحد منهم في السجن، من الشخص المثقف القارئ الذي يعيد سرد الروايات والكتب التي قرأها أيام الشباب على زملائه، فيملأ فراغ الملل والسأم بحكاياته وسرده الممتع.

وفي وقت الضجر والسأم وإغلاق نافذة الصبر والسلوان، ستجد أحد المساجين (المرقمين بأرقام بناء على رغبة القيادة التي تريد طمس معالم هويتهم، وتصر على التعامل معهم على إنهم مجرد أرقام
تورطت في قضية قتل الملك) يتلو عليهم بعض الآيات القرآنية ليسري عن أنفسهم بعض الضجر، والضيق، وانسداد الأفق.

وكم تتداعي إلى مخيلة‬ المتلقي مشاهد اللعب ، الوهمي المفترض بين المساجين، أو تلك المشاكسات التي دوما ما تنتهي بأصوات متعالية يحاول صوت السارد العاقل ممارسة سلطة العقل والمنطق في تهدئتها‫.‬ إذ أن اللوحات الإنسانية المتكررة والمتنامية يوما بعد يوم، منذ بدايات الاعتقال حتى الخروج منه والتي تربو على الثمانية عشر عاما، شكلت عالما من الألفة والحياة الإنسانية المثابرة والمكافحة من أجل البقاء الإنساني، وأمل الخروج إلى عالم من النور المفترض، جعل من القارئ يتفاعل مع هذه العزلة ويشارك شخصية السارد في رؤيته أنها عتمة ولكنها باهرة.

وهذا ما يوضحه البعد الثاني في قراءة العنوان ألا وهو فترة خروج السارد والقلة القليلة التي سلمت من التساقط في فوهة الموت الذي أحاط بهم من كل ناحية، لولا الطاقة التفاؤلية الإيجابية التي جعلتهم ينفذون من سلطته المتفشية في كل مكان آنذاك، فالخروج من السجن لم يكن يحمل بين طيتيه شيئا من السعادة والفرح، بل إن الحياة في خارج تلك العتمة الباهرة جعل منا أن نفهم العنوان ونؤوّله.

إن تلك العزلة المؤلمة حملت في طويتها الأمل ومعان سامية للكفاح والصراع الإنساني من أجل البقاء، فيما وجد السارد في خروجه أن الحياة لم تختلف كثيرا، عما سبق، وأن تضحيته وتضحية غيره لم تقدم شيئا على صعيد الواقع السياسي والاجتماعي في المغرب، بالإضافة إلى خروجه من المعتقل وهو معطوب ومنحن الظهر، وفاقد لكل الفرص في العيش في حياة إنسانية طبيعية بين بيت وزوجة و أولاد‫، يجعلنا نفهم وصفه إياها بأنها باهرة، خصوصا ونحن نقرأ تعليقه على سعي البعض للاستماع عن حكايته والمنفى‫:‬‬

‎‫‬كان البعض يسعى لأن أسرد وقائع الإقامة في الجحيم، ظنا منهم أن مثل ذلك يريحني‫.‬ لم يكن باستطاعتهم أن يدركوا كم كنت بعيدا، في مكان آخر، متشبثا بصلواتي، منفيا إلى عالمي المسكون بالروحانية والإيمان والتخلي‫.‬ كنت أستلقي على بطني باسطا ذراعي مثل مجهول ترك تائها في عالم لا أعرف فيه شيئا ولا أحدا‫. (‬.(الرواية، ص 221).

من هذا المنحنى نستطيع أن نفهم ونفكك مكونات العنوان الثلاثة ‫(‬اسم الإشارة، والمضاف إليه، والصفة‫)‬ اللاتي تحللت في العنوان، ووشت بالبعد النفسي للسارد خلال فترتين من حياته، أتاحت لنا فهم سبب تسمية المؤلف للرواية بهذا العنوان الذي يمحل روح المفارقة والسخرية، والانحراف في تمازج الصفة والموصوف‫:‬ ‫"‬تلك العتمة الباهرة‫"، وتحليل وجهة نظر السارد في الحياة في المعتقل، والتجربة الحياتية التي عاشها‬ آنذاك‫‫.‬‬

‫الصوت السردي‬

عند الالتفات إلى الصوت السردي في الرواية، فإنه سيكون متوافقا ومدار الحكاية الأساسية في المتن الروائي، فالرواية تقدم نفسها عبر بوابة المذكرات، مذكرات سجين يقدم سيرته الذاتية عبر البوح عن طريق ضمير المتكلم، عبر سارد واحد، مسيطر على قبضة السرد منذ أول كلمة حتى آخر متوالية سردية، يبوح ويفضفض، وينفث حزنه عبر رماد الكلمات، التي بدا السرد اللغوي والوصفي لها متصاعدا، وحبكة الرواية عبر الدخول في الوصف المشهدي والتقريري في بداية الرواية، حيث يخبرنا بالحكاية وملابساتها، ومكان الأحداث، من ثم يصعد في لغته الساردة لتصاعد آلام المساجين السياسيين، وكيف يتعذب كل واحد منهم ويعيش معاناته الخاصة بالمعتقل بحيزه الصغير الذي لا يتسع لاحتواء أنّة من أنّاته، أو التمدد لاستقبال ضربات وجرعات المرارة، المبرحة للروح والجسد، بطريقة وصفية متوغلة في الحفر بهذه البقع المؤلمة، فكانت الصورة الكلية التي يقدمها السارد متقنة في حرفيتها ومهنيتها عبر لغة لا نقول إنها مدهشة وحسب، بل إنها لغة كاشفة، ومصورة ومعبرة عن الحدث، تلو الآخر، متوسلة التصوير البصري الحي والنابض، الذي يجعلك تلتقط أنفاسك وأنت تقرأ وكأنك ترى بأم عينيك ما يحدث لمجوعة المعتقلين من يوميات مؤلمة، متكررة، ومتواترة، تجعلك تتجرع الألم الذي ذاقوه ذهنيا، وتفزع من هذا الكم الذي يمتلكه الطغاة في القدرة على التفنن في ابتكار وسائل تعذيب للمساجين، فمنهم من يقف السارد بعدسته اللغوية متدفقا في رصد موت كل واحد منهم لم يكتب له النجاة، كوصفه لموت أحد المساجين.‬

وهذه التقنية اللغوية في التصوير البصري الحي، وهي ما تعرف باللغة البصرية، التي تنقل الصورة البصرية من خلال اللغة، كما يتحدث عنها كاتب مقدمة ترجمة كتاب فوكو على النحو التالي‫:‬

‫‬فإن التفكيك عند فوكو لا يمكن تعريفه بسهولة، ولا القبض على ترميزه الذهني بالوصفات الإيبستمولوجية المعهودة‫.‬ فالمفهمة الإيبستموجية ممتزجة بالعرض الأدبي، بذلك الرسم العباري الشيق الذي طالما فتن قراء نصوصه الفرنسيين، من نخبة المفكرين، ومن زميله المصاحب لمغامراته الفلسفية من بداية رحلة الكتابة‫:‬ جول دولوز الذي كشف عن هذا التوازي الفاتن بين أسلوب البرهنة، أي التحليل، والرسم الأدبي، عبر تلك ‫"‬اللوحات‫".‬ بدءا من فاتحة الكتاب يدخلنا فوكو في لوحات متتابعة ترسم تعذيب ذلك التعس المدعو داميان، منذ أن كان محمولا على عربة العرض، التي تخترق به شوارع باريس لتصل به إلى ساحة إعدامه‫.‬ ‫(‬كتاب المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ص 33).‬

‎بالانتقال إلى الحديث عن حبكة القصة وهي إن بدأت متصاعدة، فإنها تنتهي بالنزول التدريجي نحو الحل الذي يبدأ بتسليط إحدى الناشطات في حقوق الإنسان، الضوء على معاناة مساجين تزمارت، من ثم بهروب السارد ومن تبقى معه، من السجن، حتى الحياة حرا طليقا، بظهر حنته الثمانية عشر عاما في المعتقل، الذي و إن تحرر من قبضته المادية، فلن تنجو ذاكرته المعطوبة من التذكر مرارا وتكرارا حكاياته هو وزملائه المعتقلين، في ‫"‬تلك العتمة الباهرة‫"‬، التي جعلته يحاول التحرر منها في الكتابة عنها عبر ضمير المتكلم، الذي أتى متماشيا وطبيعة الحكاية، لأنه كان انبثاقا لصوت الأنا والإعلان عن وجودها بعد عقدين من العزل الكامل عن كافة مظاهر الحياة الإنسانية الطبيعية، ليفضح ويكشف المسكوت عنه، بهذا السرد المتساوق لحدوث الحكاية.

كما أن السرد عبر ضمير الأنا جعل السارد معفى من مساءلة المتلقي الفضولة، عن مصدر تلقيه أطراف الحكاية، ولا سيما أنه هو من يروي حكايته، عبر أناه الشخصية.

كذلك هو سارد فطن جدا، لأنه لم يترك ثغرة لمساءلته عن مصدر معلوماته عن الآخرين المساجين كونهم يعيشون متجاورين في الحفر، ويستمعون أنفاس بعضهم البعض ونبضات الألم التي تكتسحهم كل يوم.

كما أنهم يستعينون بالمتواطئين معهم من الجنود ليستقوا بعض المعلومات عن العالم الخارجي، مثل المعلومات التي ذكرها السارد بخصوص الناشطة الحقوقية التي تبنت الدفاع عن فضيتهم الإنسانية‫.‬

‎وبعد، تبقى عوالم وفضاءات رواية ‫"‬تلك العتمة الباهرة‫"‬ غنية ومتعددة، ومتفردة بخصوصيتها التي تقاطعت مع صور غير مقروءة كثيرا في الوطن العربي، وغير مكشوفة بهذا العمق وهذا التصوير الحي والنابض والمباشر الذي يسرب بعضا من المرويات المسكوت عنها في عالمنا العربي، الذي لا يحسن شيئا أكثر من تصدير ثقافة القمع والعنف واعتياد الركود والركون والاستكانة والصمت والكسل‫.‬

= = = = =

‎‫المراجع‫:

=1= الطاهر بن جلون، رواية ‫"‬تلك العتمة الباهرة‫"‬ ، دار الساقي، ت‫:‬ بسام حجار‫، الطبعة الأولى ٢٠٠٢.

=2= ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، مركز الإنماء القومي، بيروت ١٩٩٠. ‬


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3111273

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC