علاء شاكر - العراق

حـلــم أخــي

علاء شاكرحلم أخـي (*)

بعد أن خبأ رواية "الشيخ والبحر" لهمنغواي مساء ذلك الخميس أسفل الوسادة. كانت العائلة أكملت سهرتها على فلم "نحن لا نزرع الشوك". انطفأ الضوء وتوزعوا الغرفة الواحدة نائمين في خطوط متقاطعة مثل عيدان كبريت مشبوكة على الأرض كان وقتها عاكفا تحت مساحة ضوء المصباح الكابي الشحيح في باحة البيت والتقاطات حواسه على عالم لا يرغب أن يفيق منه ويطلع النهار. والشمس مثل كل صباح تملأ ساحة البيت. تحت ظل شجرة التوت الأحمر.

العائلة تفطر بالجبن الأبيض والشاي بالنعناع والديك الهندي أعلن عن النهار متأخرا ساعة. كان أبوه قد رفس قدميه قبل ذلك ليحثه على النهوض مبكرا. كان سوق الجمعة ضاجا بالطيور والأرانب والدجاج والملابس التي تفوح منها رائحة العتق والمجلات والراديوات والكيتارات.

افترش الأرض بخرقة بيضاء ومن صندوقه الذي يشبه الحقيبة اخرج مجلات طبيبك وسوبرمان وبعض الكتب وراديو قديم وأقلام الحبر الباركر وطوابع كلها مع الحقيبة حصل عليها الأب مقابل دين قديم.

كان تائه الذهن أمام الحشد الهائل من الناس والبضائع، يراقب ضجة عربات الفلافل بالعنبة وحركة الخدود المتورمة باللقمة، كل مرة يأتي من يتصفح فتيات هوليود في مجلاته أو يترحم للملك فيصل في طوابعه وهو يجهد بتكوين عبارات ذكية في رأسه التي حفظها من جلوسه كل جمعة.

الشمس تتوسط السماء وتضرب رأس أخي. تبخر أحلامه التي ادخلها عبر الفلاش رام ذلك المساء عائدا البيت حاملا كيتاره.

لم ينه غذاءه ظهيرة ذلك اليوم، خرج إلى النهر يملأ العلبة بالدود الأحمر. يجلس منحنيا تحت الجسر، ينكش الجرف الطيني بغصن التوت. في ظل الجسر البارد ينصت لوقع أقدام الحوذي وحماره وهما يعبران. تنعكس صورتاهما على صفحة الماء المنحسر. يختبر الأرومة المستخرجة بين أصابعه، يخرط الدود منها لتتلوى داخل العلبة. صوت نهيق الحمار يسمع صداه من بعيد بينما هو يقترب من الباب تاركا في مكانه حفرا صغيرة ثم يدخل.

الطريق إلى النهر يستغرق زمنا طويلا بحساب التجارب ولكنه قصير يربو على الثلاثة فراسخ في حساب زمننا، لعله رأى طيف طفولته، هفواته المبكرة، أحلامه الكبيرة.
الطريق يقطعه على دراجته الهوائية يحمل في حقيبته شصه وطعام السمك المفضل الدود الغائص بالطين.

كان يفكر بما سيفعله حين يصل. سينزل من الدراجة، يرصفها على جذع شجرة الصفصاف الكبيرة، يفلت حقيبته الجلد من بدن الدراجة، يحملها، يجلس على حافة النهر، يفتحها، يفرش سجادة بحجم مؤخرته، يخرج الشص، العلبة، يراقب حركة الدودة المفعمة بالحيوية، يفل الشص مسافة طويلة، يمسك السنارة، يشك برأسها الإبري دودة، يجمع الشص بيد والأخرى يمسك بها السنارة. يميد ببطنه وذراعيه إلى الخلف، يرجع بقوة إلى الأمام. يرمي الشص بعيدا، السنارة تطير، الدودة ترقص بالهواء، تقترب، بق.

أوقفه صوت منبه السيارة عند تقاطع الشوارع وبرز أمامه برج كنيسة مار يوسف، يطلق عليها كنيسة الإنجيليين، لازالت على عهدها إلى الآن كأن الملائكة تحرسها ولن يغير من شكلها بقاؤها مقفلة طيلة العقود الماضية وقد ملأت الأعشاش شبابيكها وبرجها، ولكن بناءها لا زال قويا وجديدا وألوان الزجاج ثابتة في شكلها السداسي.

اخبره أبوه مرة "أن باخرة روسية كانت محملة بالخشب متجهة لميناء المعقل، التقط رادار الباخرة إشارات لاسلكية مرسلة بين الكنيسة وتل أبيب وقد اخبر قبطان الباخرة السلطات الروسية".

لم تتأخر الحكومة وقتها في إعدامهم في حديقة الشعب. تعليق اخبرني عنه أخي (كنت صغيرا يومها وكان الكثير من الأهالي صباح ذلك اليوم ينتظرون خبر إعدام الجواسيس، أنا وابن عمي كنا ننصت للمذياع، كان المذيع وقتها يرعد صوته بالوعيد للخونة. قال لي ابن عمي وقتها مازحا: أنظرهم معلقين في المشانق، وضعت عيني على ثقوب بدن الراديو الترانزستور، قلت بفرح كمن اكتشف سرا: رأيتهم، ملابسهم حمر. لا ادري لماذا يحصل معي لا الشك بل الرغبة القوية في تصديق حكاياته.

عبر الشارع ومر بجانب الكنيسة. كان الشارع نظيفا وروائحه مشبعة بالياسمين، شجرة الرازقي تتسلق فروعها على امتداد سياج بيت المصرفية إلى شارع الكورنيش، شرطيان مسلحان وشرطي مرور عند الباب. تحت صفصافة كبيرة يمتد ظلها إلى النهر، وعلى مرتفع من الطابوق مغلف بطبقة إسمنتية على طول الكورنيش كان يجلس رجل عجوز قوي يمسك الشص، انتبه ...، سلم أخي، رد العجوز والسيجارة ارتجت من رده. الشيخ ماسكا شصه، يتابع بصمت. وأخي منهمك بخطواته الاثنتي عشرة، شجرة الصفصاف تظلل عليهما، جالسين تبرد وجهيهما نسائم النهر، سأله أخي:

"تاكل؟"

رد باقتضاب ومن دون أن يلتفت: "ازغار".

لم يبال أخي بضيق عين الشيخ وكان يعرف أن النهر يحتاج إلى الصبر وقليلا من الحظ وكان يفكر في شيء واحد هو المتعة التي سيتذوقها حالما يرمي الشص ويسمع، الـ "بق"، سيكون مرتبكا أول الأمر، ماسكا الخيط بين أصبعيه الإبهام والسبابة، فترة قصيرة من الصمت، كل حواسه مهيأة لالتقاط حركة السمكة، عندما تمر أمام الطعم، تشمه، تفتح فمها، تضربه بشفتها، يهتز الخيط، تقضمه بفمها، تسحبه، وتتوالى ضربات الخيط، تصل إلى قلبه، تهزه، ستكون اللحظة قصيرة ولكن إحساساتها طويلة، الاهتزازات، التي تشبه الإشارة التي سمعتها الباخرة الروسية.

وصل إلى الفقرة الأخيرة التي يرمي بها الشص في النهر وكانت الدودة ترقص في الفضاء، وبعدها توقف كل شيء لان أخي ذلك اليوم لم يرجع.

كان رأس التمثال الذي صنعه أخي من الطين الحري كثير الشبه برأس أبي، ولكنه ينفي عندما أساله ذلك خوفا من وشايتي حينما يضربني.

ذلك اليوم تأخر بعودته من المدرسة، وكان الكل يبحث عنه بما فيهم أنا وكنا خائفين من انه غرق في نهر "البنة" الذي يجانب مقبرة اليهود التي دفن فيها زلخة وجيته، النهر يحاذي المنطقة التي اسمها "بين جبلين" التي كانت ساحة لكرة القدم القريبة من المدرسة الابتدائية التي يدرس فيها أخي،

وعند الغروب قدم من بعيد منهكا وهو يحمل على ظهره رأس أبي قبل النحت، كان كتلة من الطين الحري في كيس كبير من النايلون وعندما وبخته أمي لأنه روع قلبها اخبرها "المعلم طلب منا أعمال لدرس الرسم". ضحكت.

صرف الوقت الكبير في نحت الرأس وسط الحوش الكبير الذي يتوسط دارنا مع حديقة مربعة صغيرة فيها أصناف جميلة من الأشجار، التوت والرمان والعنب والتين والموز إضافة للقطن والليف وأنواع الورود الرازقي والليلك والجوري وملكة الليل والمتسلقات من اللبلاب وأصناف جميلة أخرى، وصنع من الطين المتبقي لعبة الشطرنج التي حطمها أبي يوم كان نائما في غرفة المعيشة حينما سقط الحصان الطيني الصلب على بطن أبي.

لم يكن أخي نحاتا وموسيقيا فقط بل كان يشرح الجثث، عندما سمعت لعنات أمي تنصب عليه ركضت وجدته صالبا جسد ضفدع ضخم جلبه من النهر القريب على خشبة بدبابيس من ذراعيه وقدميه ماسكا موس الحلاقة الذي يستعمله أبي، نزل الموس على بياض بطن الضفدع من أسفل الفم إلى الفتحة السفلى من البطن ، وقتها شممنا رائحة الفساء وضحكنا، وبعودين من الكبريت وسع الفتحة كاشفا عن فص صغير احمر ينبض وسط أحشاءها المتشابكة.

كانت لأخي أحلام جميلة وغريبة منها السينما التي اخترعها وكان يعرض فيها فلم سوبرمان، كان يقص الصور من المجلات التي يشتريها من سوق الجمعة ويلصقها مع بعض ويلفها مثل بكرة الأفلام داخل كرتون مثقوب داخله مصباح يبث الفلم على الحائط، أو المسرح الذي عمله داخل الغرفة نفسها التي ننام فيها وكانت بطلة المسرحية "روميو وجولييت" بنت الجيران الفتاة الشقراء الجميلة والتي عملت الدور بإتقان.

توقفت أحلام أخي عندما غاب للمرة الثانية ولم يرجع.

الرواية الأولى التي اخبرنا بها مركز شرطة البصرة الواقع في شارع بشار بن برد والذي تغير اسمه الآن إلى شارع علي بن يقطين عن قول الشيخ الذي يشارك أخي المكان: إنه صعد إلى الشجرة وحاول نزع السنارة من جذع الشجرة حينما اخطأ في الاتجاه، لأن هناك وقتا طويلا استغرقته الدودة وهي ترقص في الفضاء، سحب الخيط وجده قويا وكان معلقا فوق وأصوات العصافير السعيدة ملأت الشجرة، كانت الدودة تتلوى من ضربات المناقير الصغيرة بجسدها الأحمر اللين، والشيخ يبتسم صامتا، ماسكا الشص بقلب قوي، ساحبا حوتا صغيرا.

أما الرواية الثانية التي قالها الشرطي الواقف أمام بيت المصرفية انه في اللحظة التي رما بها شصه انتظر طويلا وعندما شعر أن الشص عالق في قاع النهر نزل إلى الماء ماسكا الخيط بيده إلى أن غطس جسده كله وهو ينزل إلى الأعماق ليخلص صنارته العالقة (أخي يمارس أحلامه تحت الماء مع الأسماك والقواقع) بينما الشيخ كان يبتسم وهو يسحب حوته الصغير.

(*) قصت فازت بالجائزة الثانية ضمن مسابقة جليل المياح للقصة القصيرة (2009).


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3101709

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC