غانية الوناس - الجزائر

لن نودعك

غانية الوناسإنــه الصبــاح بثقــله. وهـا هي الشمس تحــاول عبثــاً أن تـرسل بعضـاً من أشعتهـا عبر فراغـاتِ السحـابِ المتـراكم.

الغيـومُ تملأُ السمـاء في هذا الصبـاح. وأنـا أجلسُ على غيـر العـادةِ، أكتبُ في وقتٍ مبكــرٍ جــداً، أتـأمـلُ ما تبـقى من ســاعـاتِ العــامِ المغـادر، وأفكـر، لعـلِّي أتذكــر لحظـةَ فـرحٍ صـادفتـني فيـه.

الفرح بات شحيــحاً جـداً في أيـامنـا هذه. والحـزن أصبح عنــوانـاً لكـل شيء حولنــا.

حينـما نحــاولُ استعــادة بعـض من ذاكـرتنـا القريبــة، تبـاغتـنا ذكــرياتٌ بعيــدةُ كانـت مختبئــة في عتمــة القلــــوب، فنـبتسـم. رغــم كـل شيء نبتسـم، ونــــواصـل.

العمـرُ يمضـي بنا، ونحـن نجلسُ، نـرقبُ تعـاقبَ السنـوات علينـا. عـامٌ يمضـي و آخـرُ يـأتي ونحـن لم نغيـر من مكــان وقـوفنـا وجلوسنـا.

أنـا حتى لـم أغيـر من عــاداتي الصبـاحيـة، التي صارت أكثـرَ كسـلاً وضجـرا ومللاً. ومع ذلك لا زلت في كل صبـاح أنظـر إلى مـرآتي وأبتســـم.

أتعــلم أيها العـام المغـادر؟ أنت على وشك الرحيـل، وأنـا اليـوم على غير عادتي في كــل عـام لـن ألـومك على أي شيء. صدقني أنـا لـن أعتـبَ عليـك في أي شيء. بالنهــايـة، أنت لم تكـن سـوى عـام وفي لسنــواتٍ قبـلك. فمـاذا كـان باستـطاعـتك أن تفعـل من أجـلي أنـا، أو من أجـل أصـدقـائي، أو مـن أجـل أقربـائي، أو مـن أجـل كل المقهــوريـن المتـألميـن في هذا العــالم؟

أنت لم تغيــر من عـادات السنــواتِ التي سبقتـك، فمـاذا كنتَ تستطيــعُ أن تفعــلَ لتجعـلنــا نبتســم جميــعاً ونحـن نستقبلـك، ونحـن نــــودعــك؟ لا شيء صـدقنـي.

أنـا لـن ألـــومـك مطلقـاً. أنـا فقـط أردتــــكَ أن تمنحنــــي ما تبقـى لك من أيــام، بعضــاً من وقتـكَ الثميــن، كي أضمـك قليـلاً، و أعــــانقـك قليـلاً، وأقبـل جبينــك البـارد والقاسـي، عني وعن كل الآخــريـن الممتنيــن لك، ففيــك أيهــا الـراحلُ، شيء مــا يخصنــا، فيـكَ شيءٌ من الذيــن أحببنـــاهم فتــركـونــاَ، فيـكَ شيءٌ من الذيــن رحــلوا مخلِّفيــنَ ذكـراهــم وراءهم، وأحـلامنـا وراءهم، فيـكَ شيءٌ من ذاكـرتي الحـزينـة، أريدكَ أن تأخذهـا معك، ادفنهــا هنـاك في اللازمـن، كي لا تعــرفَ يـومـاً طريقهــا إليّ، فأنـا ما عدتُ بحـاجـةٍ إليها.

فيــكَ شـوقٌ لأحبــةٍ مـاتـوا فجـأةً، ومـا كنـا بعدُ مستعدّيــنَ لفــاجعـةِ مـوتِ مـن نحّبهـم. فيــكَ وفـاءٌ لأصـدقاءٍ، سنبقـى دائمـاً ممتنيــن لوجـودهم في حيــاتنـا. فيــكَ تعبٌ خفـيٌّ، خلفنـاه وراءنـا كي ينسـانـا ويتـركنــا نبدأ من جديد أحـــلامنـا.

فيــكَ، أيهـا المغـادر، ابتســامـةٌ و ضحكـةٌ وفـرحـةٌ وأحــلامٌ لم تـزهـر بعد، فدعهــا لنـا أرجــوك، دعهـا لنـا ولا تسرقهـا منـا، فلا زلنــا بـرغم كل شيء نؤمـنُ بأحــلامنـا. فيــكَ، وعـدٌ وعهـدٌ لا تقـرب منهمــا، فهمـا كلُّ ما حظينـا به منك.

أيـها العـام المسـافر عبر الزمـن، أيهـا العـام المـودع لنـا ببردك وحـرِّك، بجمـرك ومطرك، بحزنـك الخفي والظاهر، بفرحـك القليل، بضحكتـك، بجنــونـك بفنـونـك، بأملك، بيأسك، بأحـلامك، بآمـالك، بصمتـك، بضجيجـك، بألمـك بقهـرك، بحـق كل الذيــن نحبهـم وسنحبـهم ذات يـوم، بحـق الذيـن التقينـاهم وسنلتقيهـم ذات يـوم، بحـق الأرض التي نحـن منهـا، بحـق الأرض التي استـوطنت في ذاكرتنـا زمنـا، بحـق الأوطـان التي تحيا فينـا، بحـق كل الدمـوع التي ذرفنـاها فيـك حـزنـا وفرحـاً، بحـق بعض الفـرح الذي أشـرق في وجـوهنـا يــومـاً، بحـق كل الذنـوب التي اقتـرفنــاه فيك، بحــق كل الحسنــات التي اكتسبنـاها فيك، بحـق كل المظلـوميـن، بحـق كل المكـسوريـن، بحـق كل المفـجوعيـن، بحـق كل المتألميـن، بحـق كـل المحبيـن، كل العشـاق، كـل الصـابـرين، بحــق كل المقـاوميـن، بحـق كـل الصـادقيـن، بحـق كـل العـابـرين، بحـق كـل الطيبيــن، بحـق كـل الشهـداء، بحـق الأرض و السمـاء، بحـق كـل يـوم جمعنـا بك، ارحـل بكـل هـدوئـك، ولا تـحدث أي ضجـة وأنت تغــادر.

ارحـل بصمـت، ولا تنتـظرنـا في أي محطــة أو مطــار، فنحـن لـن نـودعـك، نحـن بـاقـون هنـا، نجمـع أمنيـاتـنـا أمنيـة، أمنيـة، نعــدهـا ونحصيـها حتى لا تســرق منهـا شيئـا.

نحـن بـاقـون هنـا، بأحــلامنـا، بآمـــالنـا، بابتـســامـاتنـا العريضــة. نحـن بـاقـون هنـا، ولـن نـأت لـوداعــك. ارحـل بهــدوء أيهـا المغـادر، وتـأكد قبـل ذهـابـك مـن أنــك أوصـدتَ وراءك البــابَ جيــداً.

ارحـل، فنحـن إن عــدت، صدقنــي، لـن نفتـح لك البــاب مجــدداً.


لا زلت أنتظرك

لم يأت. قالت لي الأمنيات إن الحلم يقتات على الأمل، صدقتها، صدقت حلمي، ولا زلت أنتظر، لا زلت أنتظرك، وأنتظر يوم قدومك، لا زالت نفسي تتوق إلى لحظة تجمعني بك، وتغفو على سنابل الرجاء المخملية تلك، تتحين فرصة للقائك.

لا زلت أترقب يوم ألقاك، كما الأطفال يترقبون يوم العيد بشغف كبير، وفرح كبير، وفضول أكبر بكثير. لا زالت أحلامي تغرق في استمتاعها المسكوب على أهدابي تنتظرك، تتحسس حيثما أذهب وعدا ما، لقاء ما، صدفة أو أي شيء قد يقود إليك.

لا زلت أستغرق بذات الأحلام المرخصة تلك، علها تحملني إليك قدرا جميلا، محببا، منتظرا، أو علها تحملك إلي، علني أحظى بك سريعا جدا، أسرع من مضي هذه اللحظات الثقيلة علي، فانتظاري قد طال، وصبري بدأ اليأس يتسرب إلى أجوائه خلسة كلما غفوت.

شيء ما من الخوف يندس بين أفكاري المسحوبة إلى كونك، وثقتي العمياء بقرب لقائك بدأت تهتز تباعا، وبدأ يهتز معها كياني المنهك والمتعب من ثقل الأحلام.

منهكة نفسي الغريبة، ومتعبة جدا، ووحدتي ما تكف لحظة عن العبث بفارق الزمن بيني وبينك، تبعثر المسافات الفاصلة بيننا بسخف كبير، كأنما تستمتع بجميل صبري، يثيرها سكوني الغريب عنها، فترتمي بأحضاني كطفل صغير، تعانقني بوجل خفي كي تغسل ذاك التعب الدفين الذي يسكنها أكثر مني، ويرميها إلي كي لا تضيع درب العودة إلى ليل الركود المنسي هناك في عالمي.

وأنا بين كل هذا أتلمس طيفك كل لحظة بين كل القادمين إلى مملكتي، تعود وحدتي كي تستفز صبري، بذات الوقاحة، وذات العبور القديم، تحاول عبثا أن تسحب أرصفتي إلى حيث تحترف المكوث، كأنما تبحث في كل هذا عن غضبي، عن بعض جنوني المتواري خلف البدايات التائهة، خلف النهايات الخجلة، وأنا كعادتي منذ بدء انتظارك، أركن كل هذه الأحاسيس في زاوية مسكونة بالفراغ، مفرغة من كل الحسابات المكدسة في قاموس القدر المبهم، مؤجل كل شيء لحين رؤياك.

لا أدري إن كنت أطيق صبرا أكثر، ولا أدري إن كنت أتحمل وقتا أكبر، أكبر من زمن الانتظار المخيف ذاك. لا زلت كل صباح أعزي نفسي بوجودك رغم كل شيء.

لا زلت أراك حقيقة سوف تظهر حتما ولست خيالا. لا، أنت لست سرابا، أنت لست وهما، لا زلت أؤمن بك، بوجودك، برغم كل محاولات التكفير الكثيرة التي تجتاح كوني الصغير، وتحاول عبثا الدخول إلى مدائني.

لا زال ذات السراب يلهث في نفسي كما أول يوم بانتظارك، يأبى أن يفتح عينيه كي لا يفقد الأمل الأخير بمجيئك، لا زال الحلم، ذات الحلم مقدمة لصباحي الثقيل جدا، وخاتمة لمسائي المكلل بصدى صوتك، بعبيرك الجارف، بهواك، بألوان حياتك، ببعض المطر الفضي المسروق من أمسك.

لا زالت كؤوسي فارغة، مفرغة، تحتسي بجانبي المرارة بانتظار قدومك، تنتظر أن تحتفل معي بوجودك، تنتظر أن نشرب ثلاثتنا نخب اجتماعنا.

لا زلت أحمل لك من الشوق ما يكفينا دهرا، ما يمنحنا عصورا من الهوى اللذيذ، أنتظرك كي أغرق في سحرك، ولا أعود أعرف نفسي بعدك، أنتظرك كي أمسح عن ذاكرتي غبار السنوات الضائعة من دونك، أسى اللحظات العابرة، سخافات الوقت التائه، وجروحا مؤجلة منذ عهودي الأولى.

أنتظرك كي أمنحك كل الحب الذي أملك، وكل الهوى الذي أختزن منذ انتظاري الأول، وأهديك عمري عمرا جديدا، يحميك غدر النهايات القاسية، واضحة ملامحي في غير وجودك، وواضحة أكثر لحظة قدومك، لحظة وجودك.

ستختفي كل الاعتبارات فقط لو قررت الوصول إلى أزمنتي، فقط لو امتلكت الشجاعة للحضور، لو كسرت كل طوابير السكون في عالمي، وحركت ساعة حضورك أوقات الفرح، فقط لو قررت أن تأتي إلي، حيث سأبقى دائما وفية لانتظارك.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380714

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC