كتاب: المجلات الثقافية الرقمية

ظاهرة الغش

تجربة عود الند: 2006-2019


موضوعات هذا الجزء

1= مقاييس رقي المجلات الثقافية

2= ملاحظات على المواد المرسلة للنشر

3= ظـاهـرة الـغــش

مقاييس رقي المجلات الثقافية

عندما ينشر موقع ثقافي نصوصا بأسلوب النسخ واللصق، وبالتالي تتضمن أخطاء إملائية ونحوية، لن يختلف اثنان على أن موقعا كهذا ليس موقعا ثقافيا راقيا، بل يشارك في تعميم الضعف في مستويات الكتابة، ويمنح الكاتبات والكتاب ثقة زائفة في مقدرتهم على الكتابة.

ولكن إذا كانت هناك مواقع ومجلات ثقافية تطبق معايير جودة، كما تفعل «عود الند»، هل توجد عندئذ معايير موضوعية لاعتبار هذه المجلة راقية، وأخرى لا؟ هذه المسألة ليست جديدة. استفتت مجلة «الآداب» في العدد العاشر (1953) مجموعة من ذوي العلاقة بنشر المجلات عن ذلك. وهذه صيغة السؤال (ص 12):

«تعاني الصحف الأدبية في العالم العربي أزمة خانقة تتثمل في اضطرار كثير من المجلات الفكرية الراقية إلى الاحتجاب. فما هي الأسباب العميقة التي تعزون إليها هذه الأزمة[؟] وكيف تداوى؟»

يلاحظ استخدام صفتي الأدبية والفكرية كما لو كانتا نعتا واحدا، بينما في الواقع تختلف المجلة الفكرية عن الأدبية. ولكن يبدو أن إطلاق صفة فكرية على مجلة أدبية كان متداولا، فمجلة «الآداب» كانت تصف نفسها منذ عددها الأول (1953) بأنها «مجلة شهرية تعنى بشؤون الفكر». ليس مستغربا من مجلة أدبية أن تنشر موضوعات فكرية، ولكن المجلة الفكرية تختلف عن الأدبية. الملاحظة الأخرى على موضوع الاستفتاء هي اقتصار السؤال على «المجلات الفكرية الراقية»، ما يوحي ضمنا بوجود مجلات فكرية غير راقية، وهذه لا تضطر إلى الاحتجاب.

نعود إلى موضوع هذا الفصل، وهو مقاييس رقي المجلات الثقافية. من ضمن الذين أجابوا عن السؤالين غالب طعمة فرمان الذي عزا أزمة الصحافة التي يتحدث عنها الاستفتاء إلى غياب الحرية في الدول العربية. ولكن رده لا يغفل الإشارة إلى المجلات «الفكرية الراقية» فيعلق على ذلك بقوله:

بقي لي أن أسأل: ما المقصود بالمجلات الفكرية الراقية؟ فالواقع أن هذه التسمية كليلى، كل قيس يزعم أنه صاحبها - وقيس هنا صاحب كل مجلة. فبعض المجلات تعتقد أن الثقافة الراقية هي تلك التي يستطيع أي كتاب أصفر أن يزودنا بها. وبعضها يظن الثقافة الراقية تمجيد كل أثر غربي مهما يكن نوعه واتجاهه. وبعضها يخال الثقافة الراقية الاشتراك في جدل بيزنطي حول موضوعات تكسرت أقلام الكتاب في بحثها والجدل فيها، كأن يجادل حول الثقافة العربية وأثرها في الغرب، وكأن تثبت علاقة الفنان بالمجتمع، أو كأن تبحث صلة الفن بالأخلاق، إلى غير ذلك. والواقع أن مثل هذه الموضوعات ما هي إلا معاول لتهديم أية مجلة أدبية مهما يكن حظها من جودة الطباعة وحسن الإخراج، فالقارئ لم تعد تثير في نفسه هذه الموضوعات أي دافع إلى القراءة إن لم تبعث السخط في نفسه (ص 16).

ولكي أعطي صورة أفضل عن الإجابات، سأورد رأي مشاركين آخرين في الاستفتاء. يقول عيسى الناعوري (الأردن) في رده (ص 14):

إن القراء يذكرون كيف كان التهافت على مجلتي الرسالة والثقافة على أشده - قبل الحرب الأخيرة فقط [العالمية الثانية] - يوم لم يكن لأدب الكباريهات العاري وجود محسوس، فلما طغت على الأسواق الصحافة التجارية الملونة - أثناء الحرب وما بعدها - يبدو لي أن المعلم والمدرسة قد فقدا أثرهما في التوجيه الثقافي الصحيح، أو استسلما إلى تخدر الإحساس دون المسؤولية التهذيبية، وتركا الطالب يضيع بين معروضات المكاتب، ولم يعد ينصرف همهما إلى أكثر من تحفيظ الدروس المقررة في المنهاج لأن «الشهادة» في رأي أغلب الناس عندنا هي «الثقافة».

لاحظ/ي معي في المقتطف السابق تصنيفي أدب راق، وأدب كابريهات. لا أعرف نوع المجلات التي يتحدث عنها الناعوري التي تنشر أدب كابريهات، فلو كان يقصد مجلة تهتم بأخبار الفنانات والفنانين، فإن مجلة كهذه لا تعتبر أدبية، وما تنشر ليس أدبا.

وممن ردوا على سؤالي استفتاء «الآداب»، عبد اللطيف شرارة، الذي أشار إلى كيفية حل الأزمة (ص 13):

ولن يكون العلاج الشافي - كما يلوح لي - إلا حين يخرج ساسة العرب وحكامهم في شتى ديارهم وأقاليمهم، من كهوف مصالحهم الشخصية، ومنازعاتهم الإقليمية، وخصوماتهم العتيقة البالية، ليواجهوا العالم الحديث بفكر حديث يستهدف العدالة والحرية والكرامة الوطنية والسلامة الاجتماعية، ويسهموا بعد ذلك إسهاما صحيحا فعالا، في معالجة المشاكل الدولية، والقضايا الإنسانية، بحزم وجرأة.

يقترب شرارة من التشخيص السليم بإشارته إلى واقع لا يزال سائدا في الدول العربية. هناك سقف لمدى التطور الثقافي والفكري طالما بقيت الحرية في الدول العربية تعتبر خطرا على الحكام. ويتبين من المقتطفات أعلاه أن محتوى المجلات الثقافية ورقيها مسألة نقاش قديم. ويتسم قول فرمان بالدقة، فكل من يقف وراء إصدار مجلة ثقافية يعتبرها الأفضل، وقد لا يعترف بوجود غيره في الساحة.

بناء على ما سبق يتضح أنه عندما يتعلق الأمر بمجلات تطبق معايير جودة مثلما تفعل «عود الند»، يكون الحديث عن رقي محتوى مجلة أكثر من أخرى مسألة أحكام ذاتية وأذواق. وهذه مسألة نقاش قديم حدث على صفحات مجلة «الآداب». وفيما يلي مقتطفات من نقاش غير مباشر بين تيسير السبول وسلمى الخضراء الجيوسي حول ست عشرة قصيدة نشرتها «الآداب» في عددها الثاني (2/1959). جاء في تعليق السبول (ص 53) المنشور في العدد الثالث (3/1959):

«قرأت نقد الشعر للشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي في العدد الماضي [2/1959]، وقد علقت الناقدة على قصيدة الشاعر نزار قباني تعليقات تخرج عن مفهوم نقد الشعر المنشور بالمجلة. فلو كان العنوان «نزار قباني وعدوى أسلوبه الشعري» أو ما شابه ذلك، لما كان ثمة أي مجال لخط هذه السطور. لكنني بعد أن أعدت النظر وجدتني غير واهم قط، وأن الموضوع هو نقد القصائد. وهنا تساءلت: «ترى ألم يكن أحمد عبد المعطي حجازي حريا بأن يحظى بجزء من ستة عشر من الحديث عن القصائد؟».

في العدد الرابع (4/1959)، ردت سلمى الخضراء الجيوسي على ملاحظات السبول، ومما جاء في ردها (ص 65-68):

في عدد «الآداب» الأخير قرأت كلمة قصيرة للسيد تيسير السبول حول نقد الشعر. استغربت منها لأمرين: الأول أن السيد السبول يفترض أن لنقد الشعر في «الآداب» مفهوما مقننا متفقا عليه، والثاني أن ما كتبته أنا في هذا الباب في العدد الذي سبقه كان خارج هذا المفهوم.

وتواصل الجيوسي ردها المفصل على تعليق السبول، وتشرح له سبب ما فعلت:

لا أريد أن يكون حديثي للسيد تيسير كله عبثا، بل على العكس، إنني أقدر حنانه وحماسه لقصيدتي أحمد [عبد المعطي] حجازي وخليل حاوي اللتين أهملتهما على رأيه، وقد وجدت نفسي مدفوعة بعوامل كثيرة لتفسير موقفي له - منها لأنني أقدر المتحمسين للشعر، ومنها لأنه يوم عتب عليّ لم يكن في كتابته لا متملقا ضعيفا ولا نزقا عنيفا، وكلا هاتين الصفتين تملآن نفسي برودا (ص 65).

وتوضح الجيوسي في ردها أنها لا تـنـقـد القصائد التي تعتبرها ضعيفة. هذا يعني أنها اعتبرت قصيدتين لشاعرين معروفين في عصرنا الحالي هما أحمد عبد المعطي حجازي (مصر) وخليل حاوي (لبنان)، ضعيفتين، وقررت ألا تنقدهما:

ولكن عندما يكون أمامي ست عشرة قصيدة، جلها غير محمس، فما حيلتي؟ أأنقد عددا منها وأهمل الباقي؟ أأنقد القصائد الضعيفة أيضا، وهذا ضد مبدأي؟ أم ماذا؟ لماذا لا أركز على نقاطها الإجمالية البارزة إذاً، من أخطاء عامة في الوزن في بعض القصائد، إلى فوضى في التعابير، وفوضى في المعاني[؟]

المقتطفات تشير إلى تباين الأذواق والأساليب، واختلاف في الرأي بين السبول والجيوسي على جودة القصائد التي نشرت في أحد الأعداد. على ضوء هذه الأمثلة، يجب ألا يستسهل أحد إصدار الأحكام على جودة ما ينشر في مجلة تطبق معايير جودة، مثلما تفعل «عود الند».

أما أسباب جذب مجلة كتابا أكثر من غيرها، فهذه مسألة نقاش أخرى. الكثير من الكاتبات والكتاب لهم أسباب شخصية تجعلهم يفضلون النشر في هذه المجلة وليس أخرى. لدى هؤلاء مكانة متخيلة لهذه المجلة أو تلك، تجعلهم يعتبرون النشر فيها له مردود أكبر لهم. ولا أتحدث هنا عن مردود مالي، فعندما تكافئ مجلة ماليا من تنشر له موضوعا، فإن سبب اختيار الكاتبات والكتاب لهذه المجلة واضح في هذه الحالة.

ملاحظات على المواد المرسلة للنشر

النصوص التي يكتبها مبتدئ، وتلك التي يكتبها أستاذ جامعي، تطبع دون التزام بأحكام الطباعة، فهناك فراغ أو أكثر قبل النقطة أو الفاصلة وغيرهما من علامات، وهناك أيضا فراغ أو أكثر بين واو العطف والكلمة التي تليها.

نبهت «عود الند» إلى هذه المسألة مبكرا، ونشرت بصورة دائمة أحكام الطباعة، ولكن لا حياة لمن تنادي. ولذا، يُبذل كثير من الوقت في التخلص من هذه الفراغات قبل أن يمكن البدء بقراءة النص والتركيز على المحتوى.

كذلك تلتقي النصوص على عدم استخدام علامات التنقيط استخداما صحيحا، مثل استخدام علامة التعجب (!) في نهاية الجملة رغم أن الجملة لا تعجب فيها. كذلك هناك ظاهرة استخدام نقطتين أو ثلاث للفصل بين الكلمات أو الجمل، وليس في أحكام الكتابة ما يدل على أن هذه النقاط تستخدم لغرض ما. النقاط الثلاث المتتالية (...) تستخدم للإشارة إلى جزء محذوف في اقتباس. لكن ما أتحدث عنه استخدام مختلف عشوائي. تنشر «عود الند» بصورة دائمة معلومات موجزة عن الاستخدام السليم لعلامات التنقيط، ولكن عدم الاهتمام بهذا لا يزال مستمرا.

بالنسبة إلى البحوث، يلاحظ تفضيل الهوامش والأرقام فقط كأسلوب للتوثيق. ويلاحظ أيضا غياب أسماء المؤلفين في المتن والاكتفاء بذكرها في الهوامش وقائمة المراجع. واستخدام ألقاب قبل الأسماء في جسم البحث وفي قائمة المراجع شائع أيضا. عدم ذكر الأسماء في المتن فيه غبن للكتّاب المنقول من مؤلفاتهم. وذكر الألقاب لا يستخدم في البحوث الأكاديمية.

نشرت «عود الند» بشكل دائم شرحا موجزا لأساليب التوثيق، ولكن من الواضح أن الجامعات لا تطلب من طلبتها أو أساتذتها اعتماد أسلوب توثيق معين، فنجد اختلافا في أسلوب توثيق المراجع. ومن الملاحظات الأخرى غياب استخدام عبارات ربط من قبيل وقال فلان وزعمت فلانة وغير ذلك من أفعال تناسب السياق. وتوجد محاولات لربط الجمل من خلال المقتطفات بدل قيام الكاتب/ة بذلك.

يلاحظ كذلك غياب التعامل النقدي مع ما ينقل من معلومات، فيخلو البحث من أي ملاحظة نقدية، وتكثر الإشادة بالشخصية التي تكون موضوع البحث. ويلاحظ في بعض الحالات أيضا استخدام ويكيبيديا كمرجع، وهذا يدل فورا على ضعف مراجع البحث. ولكن يبدو أنها ممارسة متداولة.

موقف الكاتب/ة من مسألة تعديل نصه أيضا تستحق الإشارة إليها. الوضع الأفضل هو استقبال نص كامل الأوصاف صالح للنشر كما يرد. ولكن مثل هذه الحالات نادرة جدا، فأي إنسان معرض لعدم الانتباه لخطأ طباعة أو نحو، أو كتابة جملة غامضة المعنى، أو معلومة غير صحيحة. ذات مرة على سبيل المثال ورد للنشر موضوع عن الشاعر العراقي، محمد مهدي الجواهري، وضمن البحث ذكر مؤلفه أن الجواهري قائل بيتي الشعر التاليين في رثاء الزعيم المصري سعد زغلول:

قالوا دهت مصر دهياء فقلت لهم = = هل غيض النيل أم زلزل الهرم؟

قالوا أشد وأدهى قلت ويحكم = = إذن لقد مات سعد وانطوى العلم

كنت أعرف منذ الصغر أن هذين البيتين للشاعر اللبناني، الأخطل الصغير. ورغم ذلك، لجأت إلى أخي محمد، الأستاذ الجامعي ليتأكد لي من المراجع في مكتبة الجامعة. وفعلا قام بذلك، وأكد لي ما كنت أعرفه. اتصلت بالكاتب هاتفيا (هذا من حسنات تزويد المجلة برقم هاتف الكاتب/ة) وقلت له إن البيتين ليسا للجواهري، فقال لي إن المرجع الذي استعان به هو من ذكر ذلك. وطبعا نشر هذا البحث دون أن يكون فيه هذا الخطأ.

في بحث آخر عن روايات إميل حبيبي، ورد ضمن البحث ذكر لبحر البقر وكأنها بلدة فلسطينية. وقد نبهت الكاتب/ة إلى أن بحر البقر بلدة مصرية تعرضت فيها مدرسة ابتدائية لقصف إسرائيلي في عام 1970. وفي هذه الحالة، نشر الموضوع خاليا من هذا الخطأ.

أعددت للعدد 35 (4/2009) ملفا عن القدس بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة العربية، وتضمن مجموعة من القصائد التي قيلت في القدس. ذكرت في الملف أن قصيدة زهرة المدائن، التي تغنيها فيروز، هي من تأليف الشاعر اللبناني، سعيد عقل. بعد فترة ورد تعليق إلى المجلة يقول إن القصيدة ليست من تأليف سعيد عقل، بل منصور الرحباني، الذي كان مع أخيه عاصي، زوج فيروز، أشهر ثنائي عربي في تأليف الأغاني وتلحينها وكتابة المسرحيات الغنائية لفيروز.

حاولت التأكد من المعلومة، فوجدت في بعض المواقع أن القصيدة من تأليف سعيد عقل. حرصت على التأكد من مصدر موثوق. كنت أيام العمل في الإذاعة تعرفت إلى الصحفية اللبنانية، ضحى شمس. إضافة إلى عملها في صحيفة «السفير» كانت مستشارة إعلامية لفيروز، وترافقها في رحلاتها لإقامة حفلات غنائية. بعثت رسالة إلكترونية إلى ضحى وطلبت منها الخبر اليقين. بعد فترة ردت عليّ وقالت إن السيدة فيروز أكدت لها أن القصيدة من تأليف الأخوين رحباني. وهذه كانت فرصة نادرة اقتربت فيها «عود الند» من الحديث مع سفيرة لبنان إلى النجوم، بل سفيرة الغناء العربي.

صححت الموضوع وشكرت الشخص الذي نبهني إلى المعلومة الخطأ، وحفزني للتأكد من أن ما قاله صحيح. كذلك شكرت الزميلة ضحى شمس على تأكيدها المعلومة. وهذا ما نشرته بعد تصحيح الخطأ:

ملاحظة: أشرنا عند صدور العدد الحالي، ولبضعة أيام، إلى أن «زهرة المدائن» هي قصيدة للشاعر اللبناني سعيد عقل، حسب ما يذكر في صحف عربية. ولكن القارئ مروان الوهيبي لفت نظرنا إلى أنها لمنصور الرحباني. وبعد تقصي الأمر، تأكد لنا أن القصيدة من تأليف وتلحين الثنائي الشهير عاصي ومنصور الرحباني، اللذين ألفا ولحنا أغنيات أخرى غنتها فيروز عن القدس وفلسطين. «عود الند» تشكر الصحفية اللبنانية ضحى شمس على إيضاح وتأكيد المعلومات الصحيحة في هذا الشأن.

الدرس المستفاد من هذه الحالة أن بين القراء من يعرف أكثر منك، ولذا يجب ألا يستهتر أحد بالقارئات والقراء وألا يقنع نفسه بأن منصب رئيس التحرير يعني أنه يعرف كل شيء. الجانب الآخر عدم التعويل على الذاكرة عند الكتابة، وضرورة الرجوع إلى مصدر للتأكد من أن ما تحفظه ذاكرتك صحيح. كذلك، المعلومات المنشورة في الإنترنت تحتاج إلى تأكد منها بالرجوع إلى مصدر موثوق، فالنشر المتكرر يؤدي أيضا إلى انتشار معلومات خاطئة.

من الإنصاف القول إن بعض الكاتبات والكتاب يرحبون بالتعديلات التي تقترح عليهم، أو تدخل على نصوصهم. ولأني أمارس الكتابة أيضا أعرف شعور الحرص على ما نكتب معرفة تامة. ولكني أيضا أقدر أن مراجعة النص من شخص مقتدر ومنصف يمكن أن يؤدي إلى تحسين النص. ولذا لا أتدخل في نص إلا إذا كنت مقتنعا أني أخدمه. بعض آخر لا يروقه تعديل النص أو العنوان. وهذا غير واقعي.

امتداد هذه الملاحظات يشمل نصوصا تتضمن إشارات إلى الجنس صريحة أكثر مما أعتبره مناسبا في مجلة ثقافية عامة ومفتوحة للجميع. في الفترة الأولى من عمر «عود الند»، كان البعض يريد أن يكتب مواضيع فيها الكثير من الجنس، ويحاول إقناعي بأن الأدب العربي مليء بالنصوص عن هذا الأمر، ولكني لم أكن أقبل التبرير. بعض النصوص كان يتضمن إشارات صريحة أحيانا، فإذا كان حذفها أو تعديلها يخل بالنص فإنه لا ينشر. أما إذا لم يؤثر الحذف أو التعديل عليه فينشر. أحد الكتاب كان يكتب نصوصا طويلة، ولا يوفر فرصة للحديث عن جسد المرأة. ولكني حذفت أو عدلت كل ما زاد عن الحد الذي اعتبره مناسبا وخرج عن موضوع النص.

المسألة هنا ليست نقاشا نظريا عن الجنس، بل تطبيق لمقولة لكل مقام مقال، ففي رواية على قارئها أن يشتريها أو يذهب إلى المكتبة لاستعارتها، لا اعتراض لي على الكتابة الصريحة عن الجنس. أما عندما يكون النشر في مجلة ثقافية عامة، يصبح القرار خاضعا لسياسة النشر فيها. «عود الند»، كأي وسيلة إعلامية، لها جمهور مستهدف. حتى في الدول الغربية حيث توجد حريات كبيرة، لا تعرض بعض الأفلام في وقت مشاهدة الأطفال للتلفزيون، والأفلام أيضا تصنف حسب الفئة العمرية المناسبة لها.

ظـاهـرة الـغــش

كنت أحرص على عدم الوقوع في شرك الغشاشين الذين يرسلون مادة ليست من تأليفهم. الغشاش في العادة شخص من النوع الكسول، فهو ينسخ موضوعا من موقع ما، ويرسله إلى مكان آخر للنشر باسمه. كان التحقق من أن المادة المرسلة للنشر غير منشورة من قبل يقودني أيضا إلى اكتشاف أن المادة مسروقة. في الشهور الأولى من عمر المجلة، اكتشفت أن قصة ليست من تأليف مرسلها. تكرر ذلك وأصبح يزعجني أن اضطر لقضاء الكثير من الوقت في التحقق من أن المادة غير مسروقة جزئيا أو كليا، وصار يقلقني أن أنشر مادة وأكتشف بعد حين أنها مسروقة.

صحيح أن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع على عاتق السارق/ة، ولكن اكتشاف أنك خدعت يغضبك ويحزنك. فور تأكد حدوث الغش، أحجب المادة المنشورة، وإذا كان للغشاش أكثر من مادة، أحجبها جميعها. ولأن المجلة في مكان، والسارق في آخر، ليس من الممكن القيام بإجراء لمعاقبة الغشاش. من المحتمل أيضا أن يتأخر اكتشاف الغش، ويجني السارق كل الفوائد التي أرادها خلال فترة عدم اكتشاف غشه.

تستخدم الجامعات خدمة غير مجانية (JISC) تتحقق بواسطتها من أن البحوث التي يكتبها الطلبة غير مسروقة جزئيا أو كليا. وبعض الخدمات المجانية المماثلة تتوفر للغات ليس من بينها العربية، ومن المؤكد أنها ليست بدقة الخدمة المستخدمة في الجامعات. كنت أعتمد في التحقق من عدم السرقات على محركات البحث، وخاصة غوغل. وهذا قد يجد لك ضالتك في أول محاولة، وقد لا يفعل حتى لو قضيت يوما في البحث.

محركات البحث خذلتني في إحدى الحالات، فقد وصلتني مادة عن الروائي السوداني الراحل، الطيب صالح، من شخص العربية ليست لغته الأولى. لم يكن بوسعي أن أحكم على مدى تمكن المرسل من اللغة العربية، وخفت أن أظلمه إن أنا طلبت دليلا على تمكنه من اللغة العربية لأن بحثي في النت عن الموضوع لم يقدني إلى أنه منشور وأن مؤلفه شخص آخر.

بعد شهور من نشر الموضوع بدأت تصل تعليقات أن هذه المادة ليست من تأليف الكاتب المذكور اسمه في «عود الند»، مع صورة شخصية مرافقة للنص. طلبت من المعلقين الدليل على أن المادة ليست من تأليفه، فجاءني الدليل القاطع أن مؤلفها كاتب سوداني، فاعتذرت لصاحب المادة المسروقة شخصيا، وقام هو بنشر رسالتي إليه في منتديات سودانية.

حجبت مادتين نشرتهما «عود الند» لهذا الرجل المفتقر للأمانة. وكان من نتائج ذلك أنني توقفت عن نشر مواد للأشخاص غير العرب الذي يرسلون مواد بالعربية. ربما كان هذا القرار مجحفا، ولكني دون دليل على مدى التمكن من العربية، لا أستطيع الاكتفاء بالنص المرسل إليّ كدليل. كما أن النصوص التي كتبت بعربية نصف سليمة يعني إعادة صياغة أكثر مما يحدث في حالات النصوص المكتوبة بالعربية كلغة أولى. كان عليّ ألّا ألدغ من الجحر مرتين.

بعد سنوات من هذا الحادث، وصلني نص مكتوب بلغة عربية سليمة، ولكنها قديمة قليلا، مرسلها شخص العربية ليست لغته الأولى. خفت من تكرار ما حدث من قبل، ولكنه أكد لي مرارا وتكرارا أن النص من تأليفه فنشرته. بعد النشر بدأ الكاتب يراسلني مستفسرا عن مكافأة مالية مقابل النشر. أفهمته أن المجلة لا تكافئ ماليا، وذكرته بأنني رفضت في البداية نشر النص، ولكني فعلت بعد إلحاحه. وهكذا نجد أن البشر يفاجئونك برد فعل غير متوقع بعد أن تقدم لهم خدمة كنت غير راغب في تقديمها في المقام الأول، ولكنك لنت تفاديا للظلم، مع أنني لو لم أنشر النص لكان أفضل له ولي، ووفرنا على نفسينا الكثير من الوقت في المراسلات.

وفي حادثة ثانية نشرت بحثا وصلني من كاتب. وبعد شهور بدأت تصل تلميحات إلى أن الموضوع ليس من تأليف الشخص المذكور في «عود الند» الذي كان جريئا إلى حد نشر صورته مع البحث المسروق، كما في الحالة المشار إليها أعلاه. طلبت الدليل على أن المادة مسروقة، وفعلا وصلتني صورة من صفحة في رسالة ماجستير تؤكد أن البحث مسروق منها، والسارق طبع جزءا من الرسالة وبعثه إلى «عود الند» زاعما أن الموضوع من تأليفه. لم يكن ممكنا لي اكتشاف هذه السرقة لأن المادة ليست منسوخة من موقع ما.

بعد التشاور مع مؤلفة البحث، اتفقنا على وضع اسمها عليه بدل حجبه، فقد كان عليه إقبال، وبوضع اسمها يظل البحث منشورا، وتستعيد حقها كمؤلفة. كذلك، حجبت الموضوع الآخر الذي نشر باسم هذا المفتقر للأمانة. في حالة ثالثة، كتب إليّ أحد زوار الموقع أن بحثا منشورا في المجلة منقول من كتاب لمؤلف آخر. حجبت هذا الموضوع وغيره من مواد منشورة باسم هذا الشخص الثالث المفتقر إلى الأمانة.

بعد نشر إحدى المواد ذات مرة، ظل يراودني إحساس أنني قرأت هذا الموضوع من قبل. عدت إلى كتاب أهدي إليّ فوجدت أن الموضوع منسوخ منه. بعد اكتشاف الحقيقة توقفت عن النشر لمرسل/ة المادة ومؤلف/ة الكتاب، نظرا لقناعتي بأن الأمر حدث بعلمهما. أشكال الغش الأخرى تمثلت في نسخ أجزاء من مواقع مختلفة وتفصيل موضوع جديد منها دون توثيق. وفي حالات متكررة كنت أقبل موضوعا للنشر وأكتشف أثناء أو بعد تجهيزه للنشر أنه تجميع لمعلومات منسوخة من هنا وهناك، فأمتنع عن نشره.

نوع آخر من الغش أخذ الاقتباسات من بحث وبناء سرد جديد حولها. هكذا يبدو الموضوع موثقا بصورة سليمة، ولكن من قام بالبحث والتوثيق ليس من ألبس المقتطفات ثوبا جديدا. وجدت هذا الغش في موضوع عن الفن التشكيلي. كانت كل الفقرات النظرية مسروقة من بحث منشور في الإنترنت في العراق. ولكن مرسل/ة المادة غلّف/ت السرقة بفقرات جديدة.

وذات مرة وصلني موضوع كان بعض محتوياته غير موثق، وأرسل إليّ للنشر باسم كاتبين، ونادرا ما كنت أوافق على نشر مادة لها أكثر من مؤلف. وكانت وصلتني توصية بنشر البحث من شخص ثالث أحترم أمانته. اتصلت بالمؤلف الرئيسي وأخبرته أن الموضوع يتضمن أجزاء غير موثقة، ولن يكون في مصلحته والكاتب الآخر نشر موضوع غير مستوف للأمانة العلمية.

وجدت أنه سيكون من الأفضل لي عدم إبلاغ مرسل/ة البحث المسروق كليا أو جزئيا، فإخباره سيعطيه أو يعطيها فرصة لإنكار السرقة رغم أن الدليل لدي دامغ، فالمادة الأصلية تكون لدي. ومن شبه المؤكد أنه سيقول إن خطأ ما قد حدث، ويعرض إرسال مادة أخرى، تكون مسروقة أيضا، ولكني سأحتاج إلى بذل الجهود من جديد للتحقق من وضعها. هذه لعبة سأكون الخاسر فيها دائما، فمن أرسل مادة مسروقة ذات مرة، لا يجوز لي أن أثق به ثانية.

ذات مرة راسلني كاتب ليبلغني أن مادة منشورة في المجلة منقولة عن مقالة له عن الموضوع نفسه. حققت في الأمر كما هي العادة كل مرة، وتبين لي أن هذا الزعم غير صحيح، لأن تاريخ نشر المادة المشتكى عليها يسبق تاريخ نشر موضوع المدعي، وبالتالي لا يمكن أن تكون منقولة عنه.

من أنواع الغش التي اكتشفتها قيام أحدهم بالتعليق على النصوص المنشورة في المجلة، فيمدح بعض المواد باسم، وينتقد باسم مختلق آخر. بعد أن شككت في الأمر عدت إلى قاعدة البيانات لأتأكد من خلال ما يسمى آي بي (IP) فهذا يحدد المدينة التي استخدم فيها الحاسوب لإرسال التعليق. كانت التعليقات التي نشرت بالأسماء التي شككت أنها مختلقة مكتوبة في الحقيقة من قبل شخص واحد، مستخدما أسماء وعناوين إلكترونية مختلفة، أو حتى وهمية.

بعثت رسالة إلى الكاتب المختفي وراء أسماء أخرى في التعليقات وسألته عن الأمر، وخاصة إن كان يعرف صاحبة التعليقات على نصوصه. كانت الأدلة الدامغة لدي، ولو أنه اعترف واعتذر في الرد على سؤالي لربما سمحت له بمواصلة الكتابة في المجلة. ولكنه ادعى أن الاسم لفتاة تعرّف عليها عبر الإنترنت. ولكن بحثي بيّن لي أن هذا الاسم لا يظهر في أي مكان غير «عود الند». ومع الأدلة الأخرى، كان هذا الاسم مع ثلاثة أسماء أخرى مختلقة يستخدمها شخص واحد.

توقفت عن النشر لهذا الكاتب، وحذفت التعليقات التي أرسلها على المواد المنشورة في العدد الذي تم فيه اكتشاف المسألة. أما التعليقات السابقة فقد تعاملت معها كدليل على ما حدث واعتبرتها جزءا من أرشيف الأعداد السابقة. وبعد قرار إيقافه عن النشر في «عود الند» صار يبعث رسائل إلكترونية مليئة بالشتائم، وفي مرات أخرى كان يرسل اعتذارات. لكني لم أرد على أي من رسائله، وتوقفت عن فتحها بوضع فلتر يرسلها إلى صندوق المهملات.

بعد أن تكرر اكتشاف الغش بمختلف أنواعه، اهتزت ثقتي بما يصل من بحوث، ولأن الظاهرة لم تكن كما في الماضي حالات قليلة ومتباعدة، أيقنت أنه من غير المعقول أن أزيد الأعباء على نفسي بأن أقضي الكثير من وقتي على التحقق من أن المادة مستوفية لمتطلبات الأمانة العلمية، فتجهيز بحث للنشر أمر مرهق، ولم يكن ينقصني المزيد من العمل على أمر يجب ألا يحدث، أي كتابة بحوث دون مراعاة أساليب البحث العلمي.

كنت في تجهيزي للبحوث للنشر أنطلق من قناعة بأني أسهم في رفع مستوى جودتها، فهي تنشر في حلة أبهى من التي أتت بها. أما أن اقضي ساعات في تحسين بحث مسروق الأجزاء فسيكون ضربا من الحماقة وهدرا للوقت، وترويجا لمادة مسروقة، وتشجيعا للسارق/ة على مواصلة الغش.

لحماية المجلة من نشر بحوث غير مستوفية للأمانة العلمية، أعلنت أن نشر البحوث لن يتم قبل مرور فترة أطول بعد وصوله للنشر. وهذا كان يمنحني المزيد من الوقت للتأكد من أن الباحث/ة جدير/ة بالثقة أم لا. ولكني أيضا أدركت أنني أخوض معركة خاسرة، ومهمة رفع مستوى البحوث تبدأ بالباحث/ة، وهناك مسؤولية في هذا الشأن تقع على عاتق الجامعات حيث يدرس الطلبة ويعمل الأساتذة الجامعيون.

الغش من العوامل الرئيسية التي جعلتني أصل إلى قناعة أن نشر «عود الند» شهريا أصبح أمرا غير حكيم. لقد أدت المجلة دورها في الترويج لرفع مستوى الثقافة، وبذلت من أجل ذلك جهودا كبيرة ومتواصلة طيلة عقد من الزمن. ومهمة من هذا القبيل مسؤولية ثقافية اجتماعية وتربوية جماعية، فإذا لم تتضافر الجهود ويتحمل الأفراد والمؤسسات جزءا من المسؤولية، يصبح الجهد الشخصي المبذول لا مردود منه يشجع على الاستمرار. لذا أصبحت أفكر بما ينبغي لي عمله بعد إتمام «عود الند» عامها العاشر: تتوقف نهائيا أم تستمر بصورة ما.

مرة أخرى أقول: لم يكن التوقف، لو قررته، سيعني اختفاء موقع المجلة وما هو منشور فيها.


الهواري، عدلي. المجلات الثقافية الرقمية: تجربة عود الند 2006-2019. لندن: دار عود الند، 2019.

JPEG - 23 كيلوبايت
غلاف كتاب عدلي الهواري
D 30 أيار (مايو) 2020     A إصدارات عود الند     C 0 تعليقات
كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

الغلاف الأمامي + الداخلي

صفحة الحقوق

تمهيد

شكر وتقدير

عود الند: تواريخ

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 107: "عود الند" تكمل سنتها التاسعة

2.  ثلاث قصائد من شعر المقاومة

3.  خسارات

4.  عود الند في الصحافة

5.  عودة نيسان


القائمة البريدية