أنت في : الغلاف » العدد الفصلي 17: صيف 2020 » زوجة ثانية

زكي شيرخان - السويد

زوجة ثانية


زكي شيرخانالغضب تمكّن من الأصغر فهب واقفا. وبصوت علت نبراته:

= هذا هراء. كذب. افتراء.

وبشيء من حدة، قال الأكبر:

= لا أدري إلى متى تبقى نزقا؟ لم تعد مراهقا.

= كيف صدّقتَ ما سمعتَ؟

= تعرف أني لا أتكل على ما يُقال، ولا أصدّق ما أسمع. حتى ما أرى، أشك فيه إلى أن أتيقن. ولو لم أكن متأكدا مما سمعتم مني للتو، ما قلته. رأيتُ العقد الصادر من المحكمة الشرعية.

= أين هو؟

= عند عمو سالم.

تهاوى على مقعده. ألقى نظرة على الأوسط الذي راح ينقل القلم الفضي بين أصابعه بخفة وكأنه في عالم آخر. قال له:

= يبدو أنك غير معني بما سمعت، ولا تكترث حتى لو انقلبت الدنيا.

فرد بهدوء لا يتناسب والوضع المتوتر:

= لقد أخطأتَ الوصف، فأنا مثلكم يعنيني الأمر، ومكترث له. قبل أن أدلو بدلوي لا بد أن نلتقي بالعم سالم، ونفهم منه حقيقة ما جرى، ولِمَ؟ ثم بعدها سأقول ما يجب أن يقال.

٭ ٭ ٭

ربت على كتف الأصغر، وأشار إلى المقعد، وبلهجة آمرة:

= قم وأجلس إلى جانب أخويك. أريدكم بمواجهتي، لا أريد أن أحرك رأسي يمينا وشمالا. لن أسمح لأي واحد منكم أن يمس الحاج حاتم، وأخصك أنت يا محمود فقد كان صديق عمري وكنتُ محاميه والأمين على أسراره قبل أن يصبح أبوكم.

أتخذ مجلسه.

= سأطلعكم على كل الوثائق، وسأتلو عليكم وصيته، وسأخبركم عن كل الإجراءات التي قمتُ بها لتنفيذ وصيته، وتقسيم التركة بينكم.

= ما يهمنا أن نعرف متى تزوج ولَمِ وهو على وفاق تام مع أمنا؟

= تحديدا بعد ولادتك يا محمود بأكثر من سنة. لِماذا؟ أسألوا الحاجة الوالدة. لم يكن الوفاق تاما كما هو الظاهر، ولكنه ظل إلى آخر يوم في حياته يحترم أم أولاده، ولم يشكُ منها. ولم يشأ أن تبدو أمامكم أنها لم تراع حقه.

كالعادة، لم يتمالك الأصغر نفسه. همّ بالكلام. رفع المحامي أصبعه:

= إياك أن تنطق بما ستندم عليه. زوجة أبيك امرأة فاضلة، مات الحاج وهو راضٍ كل الرضا عنها.

= وستشاركنا هي وأبنائها الإرث.

= واضح أن هذا الأمر هو ما يشغلك. هي رفضت أن تنال شيئا، لكن والدك أدرج في وصيته ما تستحقه. أطمأن، مشيئة ربك أبت ألا يكون لها أولاد من الحاج حاتم. أفهم يا محمود! حتى لو يكن أبوك قد أدرج حقها في الوصية، كنت أنا من سينتزع حقها.

بهدوء، سأل الأوسط:

= عمو سالم، كنتَ حافظ أسراره، أو لم يخبرك لماذا أقدم على الزواج بامرأة ثانية؟

= بالتأكيد أخبرني، ولكني أفضل أن تسمعوا من والدتكم.

٭ ٭ ٭

صُعقتْ الحاجة عندما أخبرها أولادها. أسندت ظهرها على المعقد.

= غبيةٌ من تأمن لرجل. أنا؟ ماذا سأقول للناس؟ أنا...

قاطعها الأوسط:

= يا أمي إن كان هذا السر قد كُتم لأكثر من عشرين عاما، فكيف سيذاع الآن؟ ما يهمني شخصيا هو أن أجد إجابة عن لماذا تزوج؟ لم تكوني عاقرا، ولم تكوني دميمة، أو مريضة. لم ينشب بينكما خلاف مذ وعينا. لا، بل كنتما تُذكران مثلا للزواج الناجح.

ثم التفت نحو الأكبر:

= أحمد، أيعقل حتى أنت لم تكن تعرف؟ أنت أكثرنا معرفة به وقربا منه، فقد عملت معه مذ كنت صغيرا، وصار يعتمد عليك في إدارة عمله بشكل شبه تام منذ أكثر من عشرة أعوام.

= لا لم أكن أعرف. مذ عرفت خبر زواجه، وأنا أحاول أن استرجع في ذاكرتي ما يمكن أن يعينني فلا أجد. كل أصدقاءه، وجميع من يتعاملون معه أعرفهم. المرأة الوحيدة التي كانت تتصل به هي موظفة الاعتمادات الخارجية التي كانت تتصل وتطلب مني أن يمر "عمنا الحاج" كما تسميه لتوقيعه على بعض إجازات الاستيراد. وهي متزوجة وزوجها يعمل معها في المصرف. غريب. أتعرف؟ رغم أني رأيت وثيقة زواجه، فأنا أحيانا لا أصدّق. الزواج أمر ليس من السهل التستر عليه وطوال هذه المدة.

= لم يكن أبونا من المتهورين الذين ينصاعون لأهوائهم. حتى في أمور أقل أهمية من الزواج كان متأنيا يزن النتائج بدقة.

تذكر قول المحامي "اسألوا الحاجة الوالدة". أخرج قلمه الفضي من جيبه وأخذ يحركه بخفة متمرسٍ بين أصابعه، التفت إلى أمه قائلا:

= عندك يكمن سر زواج الوالد. إن شئتِ خبرينا. أنا شخصيا لا يهمني أن أعرف طالما لم يرتكب أبي خطيئة، وزواجه الثاني لن ينقص من قيمته في نفسي.

كمن يريد أن يبعد عن نفسه اتهاما، نهضت تاركة أولادها.

٭ ٭ ٭

"هل ستمتلكين الشجاعة لتخبري أولادك أنك أنت من دفعت الرجل للجوء لزوجة أخرى؟ هل ستخبرينهم أنك من تمنّعت عنه بعد مولد محمود؟ لماذا؟ حتى أنت لم تستطيعي أن تقنعيه بحججك. فجأة تبتّلتِ؟ صارت تنتابك وساوس النظافة والطهارة. توسل إليك أن يأخذك لطبيب نفسي، رفضت وعاتبته بقسوة: هل أنا مجنونة بنظرك؟ صبر عليك عاما كاملا. لم يشأ أن ينتقص من مكانتك حتى أمام أقرب الناس إليك، فصمت. ظل ينام معك في نفس الغرفة دون أن تسمحي له بالاقتراب منك حتى لا يشعر أي أحد أن بينكما حاجز أنت من صنعه. لم يكن الرجل مانعك من صلاة وصوم وعبادة لا بل أصرّ على أن ترافقيه في حجه. أليست العلاقة الزوجية من الدين؟ أليس من حقه عليك، بعد رحيله، أن تخبري أولاده عن حقيقة ما جرى حتى لا يبقى أدنى شك في نفوسهم؟ أم تراك سيعتريك الجبن، ولن تضعي نفسك في موضع لوم؟ قومي، لات ساعة مندم. أم تراك تفضلين الجلوس؟"

D 30 أيار (مايو) 2020     A زكي شيرخان     C 2 تعليقات

2 مشاركة منتدى

كتابة تعليق عام
التعليقات تنشر بعد الاطلاع عليها.

لكي ينشر تعليقك، يجب أن تكتب اسمك وبلدك وعنوانك الإلكتروني. التعليق الجيد يخلق حوارا حول النص أو يساهم فيه. عند التعليق على نصوص الكاتبات ممنوع كتابة أنتي وكنتي ودمتي وابدعتي وما شابه. الصحيح هو: أنت؛ كنت؛ دمت، أحسنت؛ أبدعت.

من أنت؟
نص التعليق

في العدد نفسه

المجلات الثقافية الرقمية

كلمة العدد الفصلي 17: ويكيبيديا مصدر غير مناسب للبحوث الجيدة

عتباتُ النَّصِ في رواية تُرْجُمان الملك لعمر فضل الله

خطاب الإغراء وصناعة الوهم في الإعلام السمعي البصري

قراءة في كتاب "خربصات في أدب الرّحلة"

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كلمة العدد 107: "عود الند" تكمل سنتها التاسعة

2.  ثلاث قصائد من شعر المقاومة

3.  خسارات

4.  عود الند في الصحافة

5.  عودة نيسان


القائمة البريدية