زوليخا موساوي الأخضري - المغرب

أقراص الفيسبوك

هل أنا مدمنة؟ سؤال محيّر. فيسبوك وأرق. لم أكن أبدا أتجاوز العاشرة ليلا، أجلس بترف جميل في فراشي وأستمتع برواية أو شعر أو أضمومة قصصية. ثم بعد أن أشبع جوعي من متعتها، أغلق الكتاب، أطفئ النور وبمجرد ما أغمض عيني أذهب في سبات لذيذ.

لاحظوا أن كل حركاتي طبيعية، هادئة بل انسيابية. أتحرك بخفة، ذهني متوقد لكن في نفس الوقت في سلام مع نفسه ومع الكون وأنا في سلام مع سريري، اسلمه جسدي بكل اطمئنان، أنتشي في دفئه الحنون وأشم عطر الخزامى في الملاءات والمخدة. أجرّب حظّي مع طقس موت يومي مؤقت. إن عانقني الموت الأبدي أوصيكم خيرا بنصوصي اليتيمة.

أخرج من موتي المقسّط. أقف في الشرفة أستنشق هواء الفجر ملء رئتي. هذه ميزة أخرى من مزايا الكتاب، يجعلني أستيقظ في ساعات النهار الأولى مرتاحة البال، مستبشرة بالحياة.

الآن وبعد أن استبدلت سريري بطاولة الأكل في المطبخ، المكان الوحيد في البيت المسموح لي بالتدخين فيه، أصبحت معلقة على شاشة الحاسوب. أفرك عيني المتعبتين من كثرة التحديق كأن الحقيقة حول ماهية الوجود الإنساني ستقفز منه.

وبقدر تحديقي بقدر تعمق المتاهات. ما الذي يجري؟ هل الحياة دائما هكذا بهذه المتناقضات: براءة/خبث، سذاجة مكر، عنفوان تذلل، حب كره، صراحة كذب، صدق/خداع، تواضع/نرجسية، موهبة حقيقية/غرور تافه؟

أين كنت أعيش كي أكتشف هذا الآن فقط؟ هل فعلا الفيسبوك مجتمع مصغّر؟ ألا يعيد الناس عبر هذه الوسيلة التكنولوجية المتطورة إعادة إنتاج ما هو سائد؟ كيف يمكن جعل الفيسبوك أداة تدخل مجتمعاتنا في حقبة فعلا جديدة؟
هل أنا مدمنة؟

تسونامي صور .تعليقات. نصوص. أخبار تغرق طمأنينتي. أبحر فيها رغما عني ساعات وساعات. تتعتمّ الشاشة. تصبح الكلمات جيشا من النمل أمام عيني. أرفع بصري نحو النافذة. الليل يزحف عليّ وعلى المدينة. لم أنتبه للوقت.

هل أستطيع أن أترك الشاشة؟ هل أنا مدمنة؟

لم يكتب لي أحد. لماذا نسيني أصدقائي هذا اليوم؟ ألا أظهر لهم؟

على شفير اغتراب يتلظى داخلي، أمشي، أشاكس الوقت. أحاول أن أمزق الأقنعة التي تحيط بي فتنبت أذرعا على شاشة الحاسوب. تصعد. تمتدّ. أفعل كل ما بوسعي كي أنقذني منها. لكنها تهبط ظلال كآبة تدور حولي. تركض في دمي.

لا، لن أشغّل الحاسوب. سأصمد بضع ساعات أخرى. أدعه وحيدا في الغرفة المجاورة وأستلقي على الأريكة أخبئ وجهي في كتاب. هل غفوت؟ سأعدّ لي قهوة.

اللعنة على الحاسوب وعلى الفيسبوك. لم تمض سوى ساعة واحدة. أكاد أختنق. أهرع إليه. أشغله. تقفز أصابعي بخفة فوق أزراره. أوف أخيرا! انفتحت صفحتي. هل من جديد؟

أحدقّ بضع لحظات. الشاشة مليئة بالرموز. كتابة، صور، أغان، قرآن... ولا أثر لي. لا رسالة. لا لايك. لا تعليق.
خاوية على عروشها! فلنرحل يا قلبي!

هؤلاء الغرباء عنّي الذين أصبحوا أقرب إليّ مني يتفنّنون في تعذيبي. هل أهذي؟

هل أنا مدمنة؟

هل أخرج من المشهد؟ هل أعلن على الملأ فراري منّي؟

ظمآنة. ظمآنة أنا لهمسة تلملمني. لوردة حمراء تلتفّ حول روحي التائهة تكشف لي أسرار الموج وما يخبئه الكون من دوائر. قطعة من السماء ما أرى. تسخر من الصمت حولي، وما سنته لي من حواجز.
لماذا أبقيني عارضة على رصيف الانتظار؟ كيف لي أن أنفلت من قبضة السراب؟ والجدران الخشنة تترصّدني، بوقاحة تتفحصّني .

يعلن الحاسوب ثورته عليّ. يغلبني هذا المارد الجامد المنزلق من بين أصابعي كرذاذ الماء. يا للمجنون!

هل أنا مدمنة؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306117

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC