أنت في : الغلاف » عـود الـنــد: عـدد خـاص: 2020/05 - كورونا » نيويورك في زمن الكورونا

د. عبد الحميد صيام - الولايات المتحدة

نيويورك في زمن الكورونا

عود الند: عدد خاص: كورونا: يوميات وتأملات


عبد الحميد صيامنيويورك درة المدن الأمريكية وعاصمة الدبلوماسية العالمية وأكثر المدن الأمريكية استقبالا للسياح. تضم عشرة ملايين ساكن وأربعة ملايين إضافية يدخلونها يوميا عاملين وزوارا. لا تنفك المدينة تبهرك بما تحتوي من كنوز ثقافية وأنشطة فنية ومعالم سياحية جاذبة للعين ومريحة للقلب.

تغيب عنها وتشتاق لها ولسحرها وجمالها وتنوع سكانها وروعة حدائقها وثرواتها الفنية والثقافية التي لا حدود لها. تنتقل بين أحيائها الخمسة فترى الفقراء والمهمشين والمشردين الذين حرفيا ينامون في الشوارع، وعلى بعد عشرات الأمتار ترى الشقق الفارهة والفلل الثمينة التي تقدر بالملايين.

نيويورك كأنها مدينة فوق الأرض وأخرى تحتها. ناطحات السحاب العديدة تتسابق نحو الذرى كل واحدة تريد أن تزيد المدينة بهاء وجمالا. بعض هذه المباني الضخمة يتسع لسكان دولة من دول المحيط الهادي أو الكاريبي. أكثر السحابيات الجديدة تتسابق في عرض الإضاءات الملونة حسب المناسبة. لكن بناية "الإمبير ستيت" تظل درة في الجمال والنسق الهندسي الفذ في وسط منهاتن فخورة بريادتها حيث تربعت على عرش البنايات الأعلى في المدينة لنحو أربعين سنة إلى أن أطاحت بتفردها عمارتا مركز التجارة العالمي عام 1971 واللتان أطاح بهما ثلة قدموا من طورا بورا، على ذمة الراوي.

* * *

المدينة تعج بالحركة الدائمة. ملايين من البشر يتحركون بسرعة كل يريد أن يلحق بقطاره. كل أنواع المحلات التجارية تجده في تلك المحطات. غريب أمر هذه المدينة. كل شيء فيها مزدحم. الحافلات والقطارات والمطارات والمسارح ودور السينما والمطاعم والمقاهي والمتاحف. أينما تذهب يجب أن تقف منتظما في الطابور الذي يمتد أحيانا لعدة شوارع إذا كان الفيلم جديدا أو السوق التجاري يعرض عددا من السلع بأسعار مخفضة، أو إذا كانت إحدى المغنيات المشهورات ستظهر على مسرح ماديسون سكوير المشهور.

تايمز سكوير قلب المدينة النابض يستقبل رأس كل سنة مليوني متفرج لمشاهدة انفراط عام وميلاد آخر. بعض المسرحيات الشهيرة تحتاج إلى حجز مسبق لعدة شهور وربما سنوات. فمسرحية "شبح الأوبرا" بدأ عرضها الأول عام 1988 وما زالت مستمرة إلى أن أوقفتها جائحة كورونا. ومسرحية "الأسد الملك" بدأت عروضها عام 1997 وقد شاهدها لغاية ما قبل كورونا 60 مليون متفرج.

المدينة الخاوية

كأنها مدينة أخرى في عصر الكورونا. إنها مدينة أشباح. لا تسمع في شوارعها إلا صفير سيارات الإسعاف أو أزيز سيارات الشرطة. الفيروس انتصر على "التفاحة الكبيرة" كما تسمى هنا. بل وعلى الدولة الأعظم في العالم. أقعد الناس في بيوتهم وأغلق محلات المدينة الكبرى بما في ذلك مايسيز (Macy’s) الذي كتب على إحدى جوانبه "أكبر محل تجاري في العالم".

كورونا فرغ شوارع المدينة وشل حركتها. تنحني أمام الفيروس وتسلم مفاتيحها وتختبئ في جحورها ولا تسمع في شوارعها إلا صفارات سيارات الإسعاف المخيفة وهي تنقل المصابين إلى غرف الطوارئ بالمستشفيات لتنقلهم بعد حين إلى المقابر. مستشفيات المدينة البالغ عددها اثنين وثلاثين لم تعد تستوعب الحالات، فنصبت خياما في ساحاتها لاستقبال المرضى في انتظار أسرّة فارغة. ومهما كانت طاقتها، هي غير مؤهلة للتعامل مع أعداد كبيرة جدا من المرضى، ما أدى إلى بلوغ الوفيات حاجز الألفي ضحية في يوم واحد والمدينة سائرة نحو الذروة.

الخيام في ساحات المستشفيات تستقبل المصابين وتوزع الموتى على الشاحنات التي تحملهم إلى المقابر دون مراسم أو صلاة أو عزاء. يعطون أرقاما ويدفنون في جزيرة هارت (Hart) المخصصة لموتى الأرقام. أقيمت المستشفيات الميدانية في "الحديقة المركزية" وأضيفت إلى موانئ نيويورك سفينتان بسعة ألف سرير لكل واحدة. لكن الأمور تفاقمت أكثر وظل المؤشر يتجه إلى أعلى إلى أن احتلت الولايات المتحدة المركز الأول في العالم في عدد المصابين بوباء الكورونا وعدد الوفيات، واحتلت مدينة نيويورك الرقم الأعلى في البلاد، واحتل حيّ كوينز في المدينة الرقم الأعلى بين أحياء المدينة الخمسة.

* * *

بدأ الوباء يخطف أحبابنا وأصدقاءنا. يطيح برفاقنا ويرمي بهم بالمستشفيات التي لم تعد تتسع إلا لأنصاف الموتى. نتصل يوميا بعشرات الأصدقاء والأقارب والزملاء للاطمئنان عنهم والتأكد من خلوهم من الوباء أو تماثلهم للشفاء. بعضهم ما زالوا في غرف العناية المركزة لا يستطيعون الكلام وبعضهم في غرف مغلقة معزولة في بيوتهم لا يتعاملون مع أحد، ولا أحد يتعامل معهم إلا من وراء الأبواب الموصدة.
ترحمنا على صديقنا العزيز الدكتور سيف تيتي صاحب الباع الطويل في العمل الوطني والخيري في الجالية العربية في نيوجرسي، وأحزننا رحيل حسن مسعود، مصور الفيديو لكافة أعراس الجالية صاحب الابتسامة الهادئة والخلق الرفيع. وكم أوجعتنا وفاة السيدة فاتن أم أحمد التي رحلت وأطفالها الثمانية لم يتمكنوا من البكاء على رمسها. وترحمنا على صديقنا الصحافي الصديق منصور تدرس الذي ظلت صحيفته "المستقبل" منبرا لكل ما يخدم القضية الفلسطينية وشؤون الجالية العربية في شيكاغو. وكم أصابني الحزن على رحيل صديقي ومديري السابق بالمنظمة الدولية راندي كلاين-توماس من غامبيا حيث استمرت صداقتنا بعد أن ودعنا المنظمة الدولية. على أرواحهم جميعا وأرواح ضحايا الكورونا السلام الأبدي والرحمة الربانية.

* * *

تكاد الجريمة تختفي من المدينة. الشرطة في كل مكان لإلزام الناس بالحظر. الناس في بيوتهم والمحلات التجارية مغلقة تماما وكاميرات الحراسة المرتبطة بمراكز البوليس تردع كل من تساوره نفسه باختراق الأبواب. لكن الحظر أدى إلى مجموعة ظواهر:

الظاهرة الأولى هي ارتفاع موت كبار السن في بيوتهم على هامش الموت. لقد بلغ عدد الأموات الذين يُبلّغ عن وفاتهم في بيوتهم بسبب العزل والخوف من المرض بين سبعة وتسعة أشخاص في كل نوبة عمل تمتد لثماني ساعات. لقد أصبحت ظاهرة الموت في الشقق مقلقة لقيادة الشرطة لكن ليس لديهم القدرة في ظل ظروف الطوارئ الحالية للتعامل معها إلا من خلال إنشاء وحدة تقوم على المتطوعين.

والظاهرة الثانية هو ارتفاع نسبة الوفيات بالسكتة القلبية. أحد الأطباء شرح لي هذه الظاهرة قائلا إن الناس متخوفون من المستشفيات، فكم ذهب إليها صحيحا وخرج مصابا. فمن يصاب بسكتة قلبية خفيفة أو متوسطة يتردد في الذهاب إلى المستشفيات خوفا من العدوى فتتفاقم المشكلات القلبية وتقضي على أصحابها. المستشفيات وكل احتياطاتها لم تحم كثيرا من الأطباء والعاملين في المجال الصحي.

صديقي الطبيب الفلسطيني محمود أكد لي أن معظم الأطباء والعاملين في المجال الصحي يحملون الفيروس وربما لا يعلمون فبعضهم يتعافى دون أن يعلم أو تكون عوارض المرض خفيفة يمكن التخلص منها بالحجر فقط. لكن الممرضين والممرضات في وضع أكثر خطورة. فمقابل ثلاثة أطباء أصيبوا في مستشفى ستاتن آيلند هناك 122 أصيبوا من مجموعات المساعدات الطبية والصحية في المستشفى.

والظاهرة الثالثة انتشار الموت في دور رعاية كبار السن. تقطعت بهم السبل عن أقاربهم وأهملتهم الولاية والدولة بحجة أن رعايتهم مسؤولية الدار نفسها. وقد انتشر الوباء بين دور المسنين وأدى إلى موت 2000 منهم في المدينة لوحدها، بينما مات في كل الولاية 3500 مسن. وكم تعرض حاكم الولاية أندرو كومو واتهم بالنفاق عندما قال: "لن أضع والدتي الآن في بيت المسنين".

* * *

فرضت الكمامات على الناس بعد أن أغلقت كافة المحلات التجارية إلا المستثناة من قرار الإغلاق. الشوارع خالية إلا من بعض الأفراد الذين يخرجون للتسوق. كل شيء يخضع لقوانين الطوارئ الذي أعلنه العمدة بيل دي بلاسيو. الصيدليات مفتوحة وستبدأ قريبا بإجراء الفحص محليا. عندما يكون الطقس مناسبا، وهو الاستثناء، ترى الرجال والنساء يمارسون رياضة المشي أو الركض في الحدائق العامة.

الناس ملت من الجلوس في البيت. لكن هذه الممارسة حملت معها فوائد كثيرة إضافة إلى لم شمل العائلة حول مائدة واحدة. علمتنا أن هناك كثيرا من الممارسات التي أصبحت جزءا من الروتين للمرأة والرجل يمكن الاستغناء عنها. ليس بالضرورة أن نخرج للمطاعم كل يوم. ولا أن نبقى وراء عجلة القيادة معظم ساعات انهار. وقد نعود لنقص شعورنا بمساعدة من في البيت.

وليس مهما أن نذهب إلى الحلاق ومحلات قص الأظافر والتدليك والنوادي الرياضية. كل هذه الأمور ممكن عملها بدون تكاليف. ونستطيع أن نزور أحبتنا ونراهم بعيوننا لكن عن طريق سكايب أو زوم أو فيستايم، بل ويمكن عقد مؤتمرات ومحاضرات ودروس وتمارين رياضية من البيت وبواسطة التكنولوجيا وبدون تكاليف. ويمكن شراء قمصاننا من الشبكة أيضا، وليس من الضروري أن نذهب إلى نوردستوم أو لورد آند تايلور.

أكيد ستغير الجائحة أشياء كثيرة فينا ونتمنى للأحسن، فبعد مرورها على كل منا أن يستخلص دروسا إيجابية تعلمها أثناء الحظر ويكتب مجموعة أوراق تحت عنوان: "الحياة أيام كورونا".

= = =

محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

اضغط/ي على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر
مقر الأمم المتحدة في نيويورك
مقر الأمم المتحدة - نيو يورك
أحد شوارع نيويورك
نيو يورك
أحد شوارع نيويورك
نيو يوك

JPEG - 24.9 كيلوبايت
لافتة: عود الند عدد خاص كورونا
D 27 نيسان (أبريل) 2020     A عبد الحميد صيام     C 1 تعليقات

1 مشاركة منتدى

  • لمحة من لمحات مدينة نيويورك التي طالما حلم الناس بها .لا أرى غرابة في الطوابير ما دامت قائمة بانتظام . هي أفضل بكثير من فوضى بعض مجتمعاتنا المتخلفة أمام المحلات. الغريب هو ذلك الكم الهائل من البشر الذين يموتون بالسكتة القلبية في سرية تامة مخافة المستشفيات ، وهذه سمة من سمات الدول الكبرى المصنعة.وباء كورونا كشف المستور. كشف ضعف العم سام العملاق أمام جبروت هذا الداء. شكرا دكتور عبد الحميد صيام على هذه الجولة الخاطفة في بعض شوارع نيويورك رغم خلوها من ساكنيها خشية كورونا.


في العدد نفسه

كلمة العدد الخاص 2: توثيق أولي للحياة تحت حصار كورونا

تأمّلات في زمن الكورونا

أيّام الكرنتينة

الحجر الاجتماعي: جانب إيجابي

كورونا وإعادة بناء لغة العالم وتفكيره

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  الخطاب الرسائلي عند عبد الحميد الكاتب

2.  مجلة الآداب: عدد جديد

3.  على الشرفة الأخرى

4.  رسالة شكر

5.  كمال ديب: إمبراطورية إنترا


القائمة البريدية