مرام أمان الله - فلسطين

الثقافة الشفاهية والثقافة الكتابية

مرام أمان اللهالثقافة هي نتاج فكر، وأما وجود "ثقافة شفاهية" و"ثقافة كتابية" مؤشر أكيد على تحول الفكر البكر لدى العقل البشري إلى صور متباينة في الشكل والمضمون، اختلفت باختلاف كيفية التعبير عنه، والحاجة إلى تراكمه لاستحضاره من موضع تخزينه وقت ما يلزم. وبالتالي يدوّر شفاهياً أو مكتوباً.

لكنه يبعدك عن الصواب أن تتوقع أنّ الناتج الفكري لمسألة فكرية معينة أنتج ليدوّر شفاهياً هو مساوٍ ومكافئ للناتج الفكري للمسألة ذاتها أنتج مكتوباً -هذا إن افترضنا جدلاً كون الشفاهية تحتمل تناول أي مسألة فكرية مهما زادت ثقلاًَ أو تعقيداً.

ولما كان الأصل في التراكم المعرفي هو التذكر للفكر المنتج كتابةً أو مشافهةً، فإن مسألة وجود أو غياب النص تصبح المتحكم الأول الذي يحتّم على الفكر المنتِج التكيف مع كيفية التعبير عما يريد الافصاح عنه. ففي حالة الشفاهية يتجه الفكر إلى إنتاج "منتَج سهل التذكر"، في حين لا تجد الكتابية ما يقيّدها فكرياً وذلك لعدم مبالاتها بهمّ التذكر الذي فقد أهميته بحضور النص. هذا يخلق المبرر المنطقي للشفاهية بالتنحي عن التعقيد والثقل فيما تفرزه من فكر. حيث تركز على التكرار والوضوح والمبالغة اللافتة والمثيرة للدهشة، تنأى عن كل ما هو غير مألوف ويحتاج لمجهود عقلي لإعادة تعريفه عقلياً ومن ثم التفاعل معه، إذ لا وقت للتفكر.

التفاعل المباشر والسريع هو الهدف. فالمطلوب من مصدر المعرفة أو الراوي أن ينجح في تثبيت المنتَج الفكري في ذاكرة المتلقي، والمطلوب من المتلقي-بأسلوب الطرح وليس بقرار الأخير- استنفاذ طاقاته الذهنية في التركيز والحفظ لضمان مواصلة تدفق المادة الفكرية -التي تميل لأن تكون حُلة صياغية- دون انقطاع. في الثقافة الشفاهية يموت المؤلف وإن كان حياً، ويحرّم الفكر الجديد أيضاً برأيي، ويكون شكل النص وإيقاعه، في قالب المألوف، في البداية والوسط وحتى النهايات التي يجب أن تكون متوقعة أو على الأقل غير خارجة عن المألوف، فالفكر المنتج هو بالضرورة حامل للإجابات المسلم بها حيث لا مكان للسؤال.

المصدر/الراوي هنا ينتهج الوجدانية كوسيلة لكسب تعاطف المتلقي "الحافظ" لخدمة فكرة التذكر. وبالتالي تكون الشفاهية متناقلة بالتلمذة لا بالتحليل للمادة التي بالأساس معتمدة على التجميع لا على التوغل في التحليل المعمّق. وأما الكتابية التي يُلقى على عاتقها بالمقابل إقناع المتلقي-القارئ- بالمحتوى، فإنها أطلقت العنان لعقل المفكر بالتطرق للمسائل الفكرية دون الالتفات لقدرة القراء على اختلاف مستوياتهم الثقافية وقدراتهم العقلية على استيعاب ما جاء فيه. ذلك يعني أن المنتَج الفكري أو النص في الثقافة الكتابية يختار قُرّاءه، كما يختار المتلقي نصه بالمقابل، وقد يعيد كتابته من جديد. يكون بالتالي الإبداع والتجديد والبعد عن التجميع لما أنتج مسبقاً والتكرار لما قيل هو الهدف المرجو من النص المنتج. لأن إنتاج نص مكتوب مغلق يحط من مستوى المنتَج والمنتِج لكونه مكتوباً.

ذلك يخلق مساحة التفرد التي غابت عن الشفاهية، ويؤكد على ذاتية المؤلف الذي مات في الشفاهية. ذلك يفسر الحكم بالفشل على النصوص المكتوبة والغارقة في الشفاهية المغلقة لدى متلقين من أبناء الثقافة المكتوبة، كما ويجعل النصوص المكتوبة ذات الكتابية النقية المفتوحة الفكر نوع من طلاسم غير قريبة من الذاكرة ومحفوظة في ثنايا الورق لأبناء الثقافة الشفاهية. ما يجري تماماً عندما يصبح الخطاب خطابا شعبياً رائجاً في المجتمع الشفاهي، في حين لا يلقى خطاب اخر من إفراز ثقافة كتابية رواجاً أو تناقلاً في ظل الثقافة ذاتها. وبذلك تكون الشفاهية قد حصرت طبيعتها في دائرة التلمذة، في حين سمحت الكتابية للفكر بالتحرر ومن ثم تناقلت بالدرس.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC