أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 57: 2011/03 » رواية الكشف والفكر المجرد

فراس حج محمد - فلسطين

رواية الكشف والفكر المجرد

صيادون في شارع ضيق لجبرا إبراهيم جبرا


كتب جبرا إبراهيم جبرا رواية صيادون في شارع ضيق، باللغة الإنجليزية عام 1955 [1]، ونُشرت أولا عام 1960 عن دار هاينمان في لندن تحت عنوان Hunters in the Narrow Street، وقد ترجمها إلى اللغة العربية محمد عصفور، ونشرت طبعتها العربية الأولى سنة 1974، وتتكون الرواية من سبعة وثلاثين فصلا، وتمتد قامتها إلى 263 صفحة من القطع الكبير، وذلك حسب الطبعة الثالثة الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 1988.

يتبدى في هذا النص السردي الكلاسيكي، طبيعة تشابك العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي إبان منتصف القرن العشرين، ذلك المجتمع الذي كانت تغلي في دماء أبنائه العديد من الأفكار من رجعية وتقدمية، وكان محلها رؤوس المثقفين ونقاشاتهم الداخلية دون أن تتطور إلى فعل مؤثر في الساحة، لتكون أوار التغيير والتبديل.

فراس حج محمدتعرض رواية صيادون في شارع ضيق حياة شاب فلسطيني يدعى جميل فران تعرض للتشرد كالكثيرين من أبناء فلسطين بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، فيضطر أول الأمر-وتحت تأثير الإرهاب الصهيوني- أن يترك منزله في القدس، ليعيش في منزل متواضع في بيت لحم، وبسبب الأحوال الاقتصادية للاجئين يحاول البحث عن عمل خارج الوطن، فيعين أستاذا للأدب الإنجليزي في إحدى كليات العراق، التي يصلها في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1948، ليجرب حياة المنفى، بعيدا عن وطنه.

وفي القدس، قبل رحيل جميل فران عنها، كانت تربطه علاقة حب مع فتاة تدعى ليلى شاهين، ثم أصبحت خطيبته بعد أن شاع حبهما، ولكن الأحداث المروعة التي قام بها اليهود في تلك الفترة منعتهما أن يكونا زوجين يضمهما بيت في ظلال الوطن، فقد أصبحت ليلى شاهين ضحية من ضحايا ذلك الإرهاب الوحشي المنظم، قتيلة تحت أنقاض بيتها، وأما هو فقد تشرد بعيدا، ولكنه لم ينسها، بل إن صورتها ترافقه فيراها ماثلة بينه وبين علاقاته مع النساء الأخريات، وخاصة سلافة.

وعلى الرغم من أن الرواية تحاول أن تكشف جانبا من وضع الفلسطينيين داخليا وخارجيا إبان النكبة، بوصفهم محتلين ولاجئين، إلا أنها ركزت على شريحة منهم وهم المثقفون، فلم تكن الرواية رواية ملحمية لعرض اللجوء وبيان مآسيه المدمرة لشعب كامل، وإنما كانت رواية تتمحور حول ذات الكاتب: جميل فران، ذلك المثقف الهارب من قمع الاحتلال، باحثا عن ملاذ شخصي آمن.

وفي العراق ملجأ جميل ومستقره يتعرف على شخصيات متعددة، فيوثق علاقاته مع تلك الشخصيات، ليشكل مادته الروائية من تلك الحوارات بينه وبينهم حول قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية، وشيئا فشيئا –وبشكل منطقي– يتعرف كذلك على نساء المجتمع الأرستقراطي ممثلا في شخصية سلمى، ومن ثَمّ يتعرف على سلافة، تلك الطالبة المهتمة بتعلم اللغة الإنجليزية وأدبها، فيعلمها كل ذلك جميل فران بوصفه مدرسا خصوصيا لها.

ومع مرور الأيام، يصبح جميل فران واحدا من ذلك المجتمع، فتتطور علاقاته مع المحيطين به، ومن ذلك ما حدث بينه وبين سلمى، بحيث يغدو المعشوق الذي ترنو إليه، ويكشف الكاتب من خلال تلك العلاقة غير الشرعية عن أمراض اجتماعية كثيرة كانت تعاني منها المجتمعات العربية، وما زالت، فهذه المرأة تريد الحسنيين المال والجنس، فالمال يرعاها به زوجها الغني العجوز أحمد الربيضي، الذي كان يمثل كذلك أحد أعيان العراق وأحد رجال دولتها، ومتعة الجنس التي تتدفق من خلال قنوات الاتصال مع ذلك الشاب الفلسطيني الممتلئ عنفوانا وحيوية، وأما زوجها فقد اكتفى من زوجته بأن يقدمها كشيء من ممتلكاته وبضاعته يفتخر فيه أمام أصحابه وخلانه، فلا تكتمل حياته الاجتماعية الزائفة إلا بامرأة كسلمى جميلة ومثقفة وشابة عارمة.

ولم يكتف جميل بتلك العلاقة، بل إنه يقيم علاقة أخرى مع طالبة الأدب الإنجليزي سلافة، التي كانت ضحية عقلية أبيها المتخلفة؛ فقد رفض ذهابها للكلية، فيوكل أمر تدريسها –بعد المشورة مع سلمى- إلى جميل فران، لاعتقاده أن تعلمها الأدب الإنجليزي يغنيها عن تعلم بقية المواد، وهو بذلك يتطلع إلى جعل ابنته سلافة واحدة من النساء الأرستقراطيات، لتعيش حياتها حسب خطة معدة لها سلفا، وهذا كشف آخر يحاوله جبرا، مقدما صورة أخرى للمرأة في مجتمع العراق، حيث ما زالت الأفكار رجعية، من وجهة نظر الكاتب وضميره الفكري، وكأن سلافة تريد الخروج عن ذلك الإطار وتلك الأفكار بتلك العلاقة مع معلمها جميل فران.

ولم تستمر العلاقة، التي لم تكن علاقة جنسية، سرية بينهما لأمد طويل، فقد بدأ المحيطون بهما يلاحظون هذه العلاقة، ليصل الخبر إلى سلمى وزوجها، وعدنان طالب، وتوفيق الخلف الذي طلبها للزواج من قبل فرفضته، لأن هذا الزواج من وجهة نظرها زواج مصالح؛ فلم تكن ترى نفسها سوى سلعة سيجني أبوها من ورائها ربحا ماديا وفيرا، ولذلك هددت بقتله ليلة الزفاف إن تم هذا الأمر.

ويحتل هذا الموضوع مساحة إبداعية روائية ذات دلالة في الحدث الروائي، وتجده فنيا ذا بداية ووسط، ونهاية غامضة مفتوحة، فلم يتحقق الزواج بين جميل وسلافة لعدة اعتبارات فنية ومنطقية، وتنتهي الرواية بقبلة حارة، ومشهد عناق بين الحبيبين، متذكرا جميل فران في تلك اللحظة ليلى شاهين، محبوبته الأولى في فلسطين، بيدها المقطوعة، وقد يكون في هذا إشارة إلى عدم تحقق زواجه من سلافة، كما أنه لم يتحقق من ليلى.

جبرا ابراهيم جبرايوظف جبرا في هذه الرواية أساليب سردية متنوعة، فقد بدأ روايته بضمير المتكلم، يقول: "عندما وصلتُ إلى بغداد كان لديّ ستة عشر دينارا فقط."[2]، واستخدم كذلك ضمير أنت/المخاطب في موضعين لا غير في الرواية[3]، ويظهر في هذين الموضعين أنه يخاطب نفسه، وأما الضمير الثالث، ضمير الغائب (هو، هي، ...) فقد كان له نصيب وافر في السرد الروائي[4]، ويستخدم جبرا أسلوب وجهات النظر؛ فقد ترك شخصياته تتحدث عن نفسها، وتعبر عن رأيها في القضايا المنوي مناقشتها، ويندرج تحت هذا الأسلوب أسلوبا الرسالة واليوميات، ففي الرواية رسالتان، ومقطوعتان من يوميات عدنان طالب، فصاحبا الرسالتين يعقوب وسلافة يسردان جزءا من المتن الحكائي بضمير "أنا"، الذي يعود على كليهما كل في موضعه[5]، وكذلك عدنان طالب فإنه يسرد فصلا كاملا بضمير "أنا"، مراعيا الكاتب ما جاء في يومياته[6].

وهذا الأسلوب هو الأكثر ملاءمة لموضوع الرواية حيث أكسبها حيوية وديناميكية أبعدها عن الجمود والملل اللذين يحدثان عادة نتيجة حماس الكاتب أحيانا لأفكاره، فتبدو واضحة في السرد. ويتحكم جميل فران بهذه المستويات السردية، فكل الخيوط مشدودة بيده، فهو مشارك في الأحداث، يلتزم الحياد، وإن كان له مواقف خـاصة بـه، إلا أنه لم يحاول فرضها على جو الرواية.

وتناقش الرواية، بتوظيف كل تقنيات السرد المشار إليها سابقا، وعلى لسان شخصياتها، العديد من الأفكار، ويشاركهم في الحوار جميل فران الذي أبدى موقفه من تلك الأفكار التي دار رحى النقاش فيها بين شخصيات الرواية. ومن زاوية أخرى "تؤرخ الرواية درامياً للتحولات العميقة التي تشهدها المدينة العربية ـ بغداد، تحديداًـ إثر نكبة فلسطين"[7]، وتسير الرواية في متنها الحكائي حسب النهج التقليدي، سيرا تصاعديا واضحا، تتسلسل فيه الأحداث منطقيا، وإن كان اعتماد الرواية على الفكرة أساسا، على اعتبار أن "الحبكة الروائية فيها ضعيفة"[8].

والآن، ماذا قصد الكاتب بالعنوان وما هي دلالته النصية؟

يشكل العنوان في أي نص أدبي البؤرة التي تدور حولها الأحداث، سعيا لتحقيق مضمونه، فيأتي النص شارحا وموضحا لدلالته، إضافة إلى أن العنوان بشكل عام يكوِّن الواجهة الإعلامية الأولى بالنسبة للمتلقي، فهو بمثابة العقد بينهما؛ فالعنوان يحمل العديد من الدلالات التي تجد لها تفسيرا حاسما، غالبا، داخل النص، وقبل مناقشة دلالة العنوان في رواية جبرا هذه، لا بد من الوقوف عند البنية اللغوية وتحليل مكوناتها اللفظية كشفا أوليا عن الدلالة المستكنة فيه.

يتكون العنوان "صيادون في شارع ضيق" من جملة اسمية، قوامها المبتدأ، والخبر المحذوف المتعلق به الجار والمجرور الذي جاء موصوفا على النحو التالي:

صيادون + موجودون/متحركون + فــي شـــارع + ضيِّق.

مـبـتـدأ + خــبـــر (مــحــذوف) + جار ومجرور + صفة.

وبتعبير آخر فإن العنوان يتكون من فاعل –ليس بالتعبير النحوي- يتحرك بفضاء مكاني موصوف؛ فكلمة "صيادون" تدل على جماعة من الشخوص الفاعلة في الرواية، وهم الشخصيات الرئيسية: عدنان طالب، وحسين عبد الأمير، وبريان فلنت، وتوفيق الخلف، وعبد القادر ياسين وسلافة، ومعهم جميل فران. فأولئك هم الصيادون الذي يتحركون في شارع الرشيد ذلك الشارع الضيق[9]، ففي هذا الشارع كان يسكن جميل فران، ويلتقي فيه بأصحابه، فيتجولون فيه ليلا أو نهاراً، ويناقشون ما يعنّ لهم من أفكار بين جنباته.

والعنوان منغلق على ذاته، لا يتكشف إلا من خلال القراءة المتأنية للرواية، وقد ذكر في غير موضع فيها، وكان ذا دلالات مختلفة أو بالأحرى يدل على أمكنة متعددة، منها بطبيعة الحال شارع الرشيد.

غلاف صيادون في شارع ضيقوالعنوان -كما يظهر- هو عنوان استعاريّ بلاغي في جزئه الأول فـ"صيادون" استخدمت على سبيل المجاز؛ فالشخوص لا يعملون في مهنة الصيد، ولكنهم يقومون بعمل، هو بحد ذاته، يشبه الصيد؛ فهم يتحينون الفرص للقاء واقتناص الأفكار ومناقشتها، مع بقائها أفكارا مجردة لم تصنع تغييرا ولم تشر إليه لا من قريب ولا من بعيد.

أما الجزء الثاني من العنوان "في شارع ضيق" فيحتمل التعبير المباشر؛ فيأتي بمعنى الضيق المادي الحقيقي للفضاء المكاني في الشارع، وإما التعبير المجازي بمعنى أنه ضيق بسبب تقلص الحريات، فلا تستطيع الشخصيات السير فيه دون أن تكون تحت مجهر السلطة التي تتتبع الناس، وربما تعتقلهم، كما حدث مع عدنان طالب.

وتبقى مسألة مهمة في مناقشة الرواية، وهي مدى التطابق بين الكاتب وإحدى شخصياته، وهل كان جبرا يختفي وراء أحدهم؟ [10]

لعله كان يختفي وراء جميل فران؛ فهناك تشابه بين السارد جميل فران والكاتب جبرا إلى حد التطابق؛ فكلاهما مسيحي فلسطيني، قضيا الطفولة في القدس ثم انتقل كل منهما إلى بيت لحم إثر النكبة عام 1948، ثم هاجر كلاهما إلى العراق للعمل مدرسا للغة الإنجليزية وآدابها، وكلاهما يحمل شهادة في الأدب الإنجليزي من جامعة كمبردج، ولهما اهتمامات في الرسم والشعر، وكلاهما ترك أسرة فقيرة في بيت لحم، ويقع على عاتق كليهما إعالة هذه الأسرة.

إذن، لا يمكن الفصل بين جبرا وجميل فران، وإن حاول جبرا إبعادنا عن هذه الموازنة عندما قال: "وليس هناك أيما تشابه بين الروائي جميل فران والمؤلف إلا في أن الاثنين قد غادرا بيت لحم إلى بغداد عام 1948 لشغل منصب تعليمي في إحدى الكليات"[11]، وأظن أن جبرا أراد لفت نظر القارئ إلى التشابه بين الشخصيتين ليعقد مثل هذه الموازنة، فقد دلّ المتلقي على بعض مواطن التشابه وترك له البقية.

مما سبق يخلص المرء إلى أن جبرا إبراهيم جبرا، ذلك الروائي الفلسطيني صاحب الرصيد الإبداعي الكبير في فن الرواية، جعل روايته رواية للكشف الاجتماعي والسياسي والفكري، ذلك الكشف الذي بقي متحوصلا في الأذهان، ولم يقم على بنية فكرية متصلة، تهدى الشعوب إلى التغيير، بل كانت أشبه بمناقشات فكرية بين مجموعة من الشخصيات المأزومة، وانتهى السامر وانفضّ، على الأقل في هذه الرواية، التي لم تكن إلا للكشف والأفكار المجردة، فهل تعد من معمار أدب المقاومة الروائي، تلك المقاومة بمفهومها الشامل، ليس مقاومة الاحتلال وحده بطبيعة الحال؟

أترك لكم الإجابة.

= = =

الهوامش

[1] موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، تحرير: سلمى الخضراء الجيوسي، مجلد1 (الشعر)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ،1997، ط1، ص 161.

[2] الرواية، ص (9).

[3] الأول ص (15)، والثاني ص (31).

[4] ينظر الرواية، على سبيل المثال: ص (29)، ص (62)، ص (70).

[5] رسالة يعقوب، الفصل 16، الرواية ص (138-141)، ورسالة سلافة، الفصل 30، الرواية ص (214-222).

[6] يُنظر الفصل 34 من الرواية ص (234-254).

[7] أحمد دحبور في مقاله "جبرا إبراهيم جبرا: جولة معه في ذكراه السابعة"، مجلة رؤية، شهرية فلسطينية، السنة الثانية، عدد 29، شباط 2006.

[8] عبد الواحد لؤلؤة. البحث عن معنى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1983، ط2، ص 11. وينقل المؤلف عن جونسن ديفز.

[9] محمد عصفور. الصحوة (الكتاب الأول)، صيف، 1978، ص 155.

[10]. أشار كثير من الدارسين إلى التشابه بين جبرا وبين بعض شخصياته في أعماله الأدبية، ينظر على سبيل المثال: "جبرا إبراهيم جبرا والقصة القصيرة، عادل الأسطة، ورقة بحثية، مؤتمر جبرا، بيت لحم، فلسطين، آب/2004، حيث يستعرض الباحث أقوال الدارسين في هذه المسألة، وتأكيد جبرا نفسه هذا الأمر.

[11] الرواية، ص (5).

= = =

مصادر المقالة ومراجعها

1. عبد الواحد لؤلؤة. البحث عن معنى. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1983، ط2.

2. أحمد دحبور. "جبرا إبراهيم جبرا: جولة معه في ذكراه السابعة". مجلة رؤية. عدد 29، شباط (فبراير) 2006.

3. عادل الأسطة. جبرا إبراهيم جبرا والقصة القصيرة. ورقة بحثية، مؤتمر جبرا، بيت لحم، فلسطين، آب (أغسطس)، 2004.

4. محمد عصفور. الصحوة، (الكتاب الأول). 1978.

5. جبرا إبراهيم جبرا. صيادون في شارع ضيق، ترجمة: محمد عصفور، منشورات دار الآداب، بيروت، ط3، 1988.

6. موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر. تحرير: سلمى الخضراء الجيوسي، مجلد1 (الشعر)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997، ط1.

D 1 آذار (مارس) 2011     A فراس حج محمد     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دعوة لتقديم أوراق بحث

2.  أرشفة أعداد عود الند الفصلية

3.  قراءة في "الحياة أغنية"

4.  كلمات متأنقة

5.  أنهى المهمة بنجاح


القائمة البريدية