فراس حج محمد - فلسطين

تصنيفات العلماء للذكاء

يناقش هذا المقال تصنيفين للذكاء تحدث عنهما علماء التربية الحديثة، وقد اعتمدت في بحث هذين النوعين على كتب تربوية وأبحاث متعددة، استقيت منها المسميات والمادة الأصلية، محاولا تطبيق تلك الأصناف على عمليات التعلم المتعددة، وخاصة في مبحث اللغة العربية، ولعل أهم كتاب يجدر بي ذكره هنا كتاب "الذكاء الإنساني: اتجاهات معاصرة وقضايا نقدية" لمؤلفه د. محمد طه، وهو الكتاب رقم (330) من سلسلة كتب عالم المعرفة، الصادر في الكويت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، في شهر أغسطس 2006.

فراس حج محمدتنوع حديث العلماء عن الذكاء، فبدؤوا بتجزيء العمليات العقلية من ملاحظة وتركيب وتحليل واسترجاع أفكار وانفعال في المواقف المختلفة، ليتوصلوا في نهاية البحث إلى أن الذكاء الإنساني ليس شيئا واحدا، وإنما هو متعدد، فأخذوا بتصنيف هذه الذكاءات وتعددت هذه التقسيمات، وبالرجوع إلى تلك الكتب التي تحدثت عن ذلك وجدنا أن بحث العلماء أوصلهم إلى هذه الأنواع من الذكاء:

• الذكاء التحليلي، وهو القدرة على تحليل وتقييم الأفكار وحل المشكلات.

• الذكاء الإبداعي، ويتضمن القدرة على إنتاج أفكار جديدة، أو الاستخدام غير التقليدي للأفكار القديمة.

• الذكاء العملي، وهو قدرة الفرد على المواءمة بين قدراته وحاجاته من ناحية، وبين متطلبات البيئة من ناحية أخرى.

• الذكاء الثقافي، وهو قدرة الفرد على إقامة علاقات شخصية تتسم بالكفاءة في مواقف تتسم بالتعدد الثقافي، وقدرته على فهم الإشارات والرموز اللفظية وغير اللفظية في ثقافة مغايرة لثقافته الأصلية والاستجابة لهذه الإشارات بشكل توافقي.

• الذكاء الروحي، ويتضمن الاهتمام بالقضايا الكونية والخبرات فوق الحسية وتقديرها.

• الذكاء الوجودي، يشير إلى الاهتمام بالقضايا الأساسية للوجود الإنساني والعدم وبمصير الإنسان.

• الذكاء الانفعالي:

يمثل مفهوم الذكاء الانفعالي مظلة تغطي مدى واسعا من المهارات والاستعدادات التي تقع خارج نطاق قدرات الذكاء التقليدية، والتي تتضمن بشكل أساسي الوعي بالمشاعر وبتأثيرها في الجوانب المعرفية، فالذكاء الانفعالي إذن "القدرة على إدراك وتقدير التعبير عن إنتاج المشاعر التي تسهل الأنشطة المعرفية، وهو يتضمن كذلك القدرة على تنظيم هذه الانفعالات لدى الفرد والآخرين".

فالذكاء الانفعالي يتضمن القدرة على التفرقة بين مصادر الإحباط والتعامل مع كل منها على حدة، وبالتالي يساعد على الحفاظ على واقعية الفرد وتفاؤله، فالعديد من المشاكل النفسية بل وحالات الاكتئاب تنشأ من عدم القدرة على تحديد مصادر الإحباط، ومن الخلط بينها خلطا يؤدي إلى عجز الفرد عن التعامل مع هذه الإحباطات بكفاءة، كذلك يتضمن الذكاء الانفعالي على المستوى الفردي القدرة على ضبط المشاعر والتحكم فيها، وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الذكاء الانفعالي يتضمن قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين وتوقع ردود أفعالهم، وهو أيضا يتضمن المهارات الاجتماعية اللازمة لبناء علاقات جديدة بالآخرين، والتعامل مع النواحي الانفعالية في العلاقات على المستويين الشخصي والمهني، كما يتضمن كذلك القدرة على إقناع وقيادة الآخرين.

ومن المهم أن نلاحظ أن هذا التأكيد على الجوانب الانفعالية لا يعني بالضرورة تضادا مع الجوانب العقلية المعرفية أو انفصالا بين الجوانب الانفعالية والمعرفية، بل لقد أكد العلماء أن هناك تداخلا بين الذكاء الانفعالي والجوانب المعرفية.

ويبدو الذكاء الانفعالي واضحا جليا من خلال قدرة الإنسان على فهم مشاعره والوعي بها، وقدرته على عرض مشاعره والتعبير عنها بطريقة مقبولة اجتماعيا، وعلى التحكم في هذه المشاعر، وتوظيفها لتحقيق أهداف التعلم بشكل يساهم في صقل القدرات الشخصية وتنمية الوجدان وتقبل مشاعر الآخرين وفهمها وتقديرها، من باب أنه إنسان مثلك ذو مشاعر وأحاسيس يجب أن تحترم، لنستطيع جميعا التعايش إيجابيا في المواقف الاجتماعية المختلفة بشكل يدعم التواصل الإيجابي.

لقد أظهر الذكاء الانفعالي علاقة قوية بالتحصيل الدراسي وبتحسين سلوك الطلبة، وذلك عندما يتاح للطلبة التعرف على مشاعرهم واحتياجاتهم والحديث عنها، وإلى تدريبهم على وضع أولويات لأهدافهم، وعلى التعلم من الخبرات السابقة، وصولا إلى تطوير شخصيات الطلبة بوجه عام.

ويظهر من تلك التصنيفات أن للذكاء جوانب متعددة، وليس كما كان سائدا من قبل، ويمكن ملاحظة هذا الأمر في اختلاف ميول الطلبة وتوجهاتهم نحو المواد التي يدرسونها، أو تلك المهارات التي يتقنونها، أو المواهب التي يحاولون تنميتها، وفي هذا السياق ولدت نظرية الذكاء المتعدد التي لها بالغة الأثر في التعرف على أنواع متعددة من الذكاء يمتلكها الطالب، فلم تعد القدرات العقلية وحدها هي الحكم الفصل على الذكاء بل هناك جوانب أخرى.

وقد أخذت نظرية الذكاء المتعدد بعدا تربويا مهما في السنوات الأخيرة، على اعتبار أنها تُعنى بملاحظة كل النشاط العقلي الإدراكي التي يقوم به الطالب في المدرسة، وهذه النظرية بلورها العالم (هاورد جاردنر)، وقد يختلف أو يتفق في نظريته مع غيره من العلماء ممن بحثوا هذا الموضوع، والتي أشرنا إلى شيء من تصنيفاتهم في القسم الأول من هذه المقالة، وتقوم نظرية الذكاء المتعدد عند (هاورد جاردنر) على أنواع ثمانية من الذكاء، وهي:

1. الذكاء اللغوي:

ويتضمن التمكن من مهارات فهم اللغة من خلال القراءة، أو الاستماع، ومهارات إنتاج اللغة من خلال الكتابة والكلام، ويتجلى هذا النوع في الموهبة الإبداعية للطلبة في مجال نسج الكلام وتوليفه من شعر أو قصة أو حديث شفوي، وترابط الأفكار وتفرعها.

2. الذكاء المنطقي/الرياضي:

ويشمل القدرة على إدراك الأنماط والاستدلال وعلى التفكير المنطقي، ولا يعني ذلك أن هذا النوع من الذكاء محصور في مادة الرياضيات أو الفيزياء، بل إن له حضورا كذلك في المواد الأدبية واللغوية والاجتماعية، وقد يتجلى ذلك في القدرة على كشف العلاقات اللغوية في النصوص الأدبية المدروسة وقوانين المجتمع والعلاقات الاجتماعية والاستفادة من الظروف المحيطة، وقراءة التاريخ واستنباط العلاقات المنطقية التي تحكم الأحداث وصياغة الحقائق التاريخية القائمة على التفكير العلمي والموضوعي.

3. الذكاء المكاني:

وهو القدرة على التعامل مع المكان والانتقال من مكان إلى آخر، ويطلق عليه الذكاء البصري، ويمكن توظيف هذا النوع أو الكشف عن قدرات الطلبة فيه عند توظيف الخرائط والمجسمات، أو بعض الألعاب التربوية التي تقتضي ترتيبا وتنظيما متناسقا، ولعل معلم التربية الفنية والمهنية والتربية التكنولوجيا أكثر ملاحظة لهذا الجانب من الذكاء لدى الطلبة، ويمكنه الاستفادة منه في ترتيب الغرفة الصفية وتزينها، بحيث تبدو جاذبة ومتناسقة العناصر، وتوظيف الإمكانيات المتاحة البسيطة لخلق بيئة تعليمية محفزة للطلبة، تشعرهم بالارتياح النفسي والهدوء.

4. الذكاء الموسيقي:

ويتضمن التمكن من المهارات الموسيقية مثل الغناء والعزف والتأليف الموسيقي، بالإضافة إلى القدرة على تقدير هذه المهارات مع الاستمتاع بها، وإلقاء القصائد الشعرية والأناشيد الخفيفة وتأليفها بحيث تكون موزونة، ولن أكون متجاوزا الحقيقة إذا ما قلت إن الذكاء الموسيقي يلبي عند الطالب حاجة مستكنة في نفسه؛ نظرا لاحتياجه كإنسان للموسيقى والاستمتاع بها، كونها ملكة خاصة ببني الإنسان، لها تجليات طبيعية متعددة في حياته، ويكون التغاضي عن تلبية هذه الحاجة ضرب من التقصير في فهم عمق النفس البشرية.

5. الذكاء الجسمي/الحركي:

ويتضمن القدرة على استخدام الجسم ككل أو أجزاء منه لحل المشكلات أو للإنتاج الإبداعي، كما في الأداء الفني أو الرياضي، وتوظيفه في تصميم الرقصات المناسبة للحن ما، وتوظيف الجسم لأداء حركات معينة عند تنفيذ الفعاليات التعليمية المتعددة، فحركة اليد ولرأس بطريقة فنية أو توظيف حركة العيون والشفاه، يساعد على أن يشارك الجسم بكل إمكانياته الخارجية في عمليات تعلم ديناميكية محركة ومتعاضدة ما بين العقل والنفس والجسم.

6. ذكاء العلاقات مع الآخرين:

ويتضمن القدرة على التعرف على نوايا ومشاعر ودوافع الآخرين، وهو مهم للسياسيين، والمدرسين، والمرشدين النفسيين.

7. ذكاء فهم الذات:

ويتجلى في قدرة الشخص على فهم ذاته وعلى استخدام هذا الفهم في تنظيم حياته وتحديد أهدافه وعلاقته بالآخرين. (إن ما ورد في النوعين السادس والسابع من أنواع الذكاء، يندرج تحت مسمى الذكاء الانفعالي الذي سبق الحديث عنه في التصنيف الأول).

8. الذكاء الطبيعي:

ويتضمن القدرة على إدراك وتصنيف أنماط الموجودات وأنواعها في الطبيعة، وحسن توظيفها في عملية تشاركية جماعية تهدف أهداف التعليم، وتساهم بشكل فاعل في تحقيق مخرجات ذات قيمة بتوظيف إمكانيات متاحة وغير مكلفة، وبذلك يكون التعليم عملية خلق مستمرة وإعادة إنتاج واعية، تبني وتنشئ علاقاتها المميزة من خلال ما هو متاح ومتيسر.

ومن الجدير ذكره أن الذكاء اللغوي والذكاء الرياضي/المنطقي متضمنان بقوة في الأداء في اختبارات التحصيل المدرسي، وعليه مدار التعليم، ويتمحور أداء المعلمين في الغالب حول هذين النوعين، مما يعني أن من يحصل على التفوق ويحوز أعلى الدرجات هو من كان من فئة الذكي لغويا أو رياضيا منطقيا، مع حرمان الطلبة الآخرين المتمتعين بأنواع أخرى من الذكاء من فرصة إظهار إبداعاتهم وتفوقهم.

ومن ناحية أخرى فإن تقسيم الذكاء وتصنيفه بالكيفية السابقة، لا يعنى بالضرورة أنْ يتمتع الطالب بنوع واحد فقط من أنواع الذكاء، بل إن الطالب يتمتع بها كلها ولكن مع وجود التفاوت في نسبة كل نوع من الأنواع مع غلبة نوع من هذه الأنواع على الطالب وشخصيته، ومن هنا كان لا بد من أن يلتفت المعلمون إلى جوانب متعددة من الذكاء وهم يمارسون أداء مهمتهم التعليمية، فتُصَمّم النشاطات التعليمية للكشف عن هذه الذكاءات، وأن تؤخذ بعين الاعتبار عند قياس مستوى التحصيل وتقييم أداء المتعلمين، بعيدا عن النظرة التقليدية للتعليم وقياس الخبرات، وليكن معلوما أنه بالإمكان تنمية كل أنواع الذكاء عبر آليات تعلم مدروسة ومنظمة، ولكن المهم أن نضع في وعينا ونحن نعلم أننا نتعامل مع طالب هو إنسان قبل أي اعتبار، ساعتئذ سننجح بإذن الله في إيجاد مدرسة فاعلة مساهمة في رفد المجتمع بالشخصيات العلمية والمهنية القادرة على التطوير ومتابعة المهمة، فالمدرسة ليست وحدة منفصلة، بل هي مؤسسة تعليمية اجتماعية يقع على عاتقها مهمة صعبة، وليس فقط رفد المتعلمين بالمعارف والمعلومات.

وبعد، فقد بدت لي هذه النظرية فتحا مهما في مجال التعليم، وفتحت أمامي آفاقا معرفية وفنية متعددة، وإن تأخرت في التعرف إليها، فقد عرفت هذه النظرية في أواسط الستينيات من القرن العشرين، وقد يكون قبل ذلك، ولكن وعلى الرغم من ذلك كله إلا أنها كشفت عن مدى احتياجنا لمعرفة كيف يفكر الآخرون على نحو مختلف، وكشفت عن حاجتنا لنفهم أنفسنا حق فهمهما، لعلنا نصل يوما إلى أن نحدد أهدافنا، ونقول: فعلا إننا أناس ناجحون، فهل سنواصل درب المعرفة لنكون أفضل؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154452

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC