أشواق مليباري - السعودية

ضاع المنديل المزركش

كانت تحمله بين ذراعيها كما تحضن طفلتها عندما أخرجته من باب الحظيرة، وانحدرت به نحو سور الحديقة، حمل أبيض عمره أيام معدودة لا تزيد. اتخذت لجلستها في الظلّ جذعا يابسا إلى جانب السّور. تحلّق حولها أطفالها. ألفرحة تغمر وجوهم، وتقفز من عيونهم مقرونة بالدهشة والإشفاق. أجلست الحمل في حجرها وهم يقتربون منه بحذر، ابنتها الكبرى تجرأت بعد تردد، واقتربت منه تحاول تقبيله كما تفعل مع دميتها، ما شجّع إخوتها بالاقتراب أكثر وهم يلاطفون صوفه، ويلامسون بخشية ملحوظة أذنيه الصغيرتين.

الجدة قادمة إلى المكان، تحمل بين يديها قنينة حليب أعدّتها للحمل المسكين، فالنعجة الأم تخلّت عنه منذ الولادة، أنكرته منذ اليوم الأول، كان يلاحقها لترضعه بلا طائل! من يدري؟ لعلها تنكّرت له وكرهته من شدّة آلام الولادة العسيرة التي واجهتها! وما أصابها من وهن بسببه.

حاولت بإصرار أن تطعمه من القنينة وهو لا يهدأ عن الحركة والامتناع، ساعدتها الجدة، وسط هتاف الأطفال وتشجيعهم للحمل العنيد، وبعد انتهاء المسرحية، استقرت ربع الكمية في معدته، والباقي كان من نصيب ثيابها.

أطلقته ليلحق بالقطيع وسط صخب الأطفال وصراخهم وهتافهم، فراح يعدو ويتعثر، تبعته بعين راضية ونفس تغرق في الذكريات، وتصميم بأنّها لن تسلم رقبته مرة أخرى إلى الجزّار.

في ربيعها الثاني عشر، كانت تربط شعرها بمنديل أحمر مزركش بحبيبات الكرز، تتوجّه كلّ يوم إلى الحظيرة في ركن الفناء، قريبا من شجرة كافور عتيقة عمرها أجيال. ينوء جسمها النحيل بدلو من الماء، فكفّها الصغيرة لا تكاد تتّسع لمسكة الدلو، وفي اليد الأخرى كيس مليء بأرغفة من الخبز الجاف، ومقشة تحت إبطها تشدّ عليها بساعدها كي لا تقع. تنظف الحظيرة، تسكب الماء للخراف، وتطعمها بقايا الخبز الجاف، فتتحلّق حولها تتسابق لتأكل من يديها.

حملان كانا الأحبّ إلى نفسها، أحدهما بلون الفحم، وصديقه كما الثلج بياضا. كانا رضيعين أيضا، اشتراهما والدها وحالهما لا تختلف عن أحوال حمل اليوم. اعتنت بهما فأطعمتهما من قنينة حليب واحدة، غسلت صوفيهما، لعبت معهما وسابقتهما في العدو والمرح. تربّت معهما في البيت القديم، جنبا إلى جنب.

هناك على العشب، تحت أشجار اللوز، في ظلال شجرة كافور أخرى، كانت تستلقي ومن حولها حملاها يملآن دنياها بالبهجة والحبور، تهبّ على وجهها وشعرها نسيمات منعشة، فتحملها أحلام المراهقة إلى البعيد البعيد، إلى سماوات وأراضين بلا حدود. قلب نقيّ من الكدر، وبال خليّ من الهمّ، وصحبة لا تعرف سوى اللهو واللعب، والقفز والركض.

في العادة يفرح الأطفال خلال أيام العيد، لكنّ ذلك العيد من تلك السنة أصابها حزن شديد؛ حينما أقدم أبوها على ذبح الحمل الأسود، رغم بكائها ودموعها وتوسّلها الحار لكي لا يفعل. لكنه ذبحه ليكون أضحية العيد، فينزوي الحمل الآخر في ركن قصيّ من أركان الحظيرة، بعدما ذبحوا صاحبه الأسود وتقاسموا لحمه في المساء. نأت بنفسها تلك الليلة عن طاولة الطعام، ونامت بلا أكل ليلة عيد، نامت نوما متقطعا مضطربا، بالرغم من العزاء والملاطفة الصادقة التي حظيت بها من الجميع.

ولكن من يصدق أن أمرا ما في الغيب وقع يومها! فعندما استيقظت الفتاة الحزينة في الصباح الباكر؛ من نوم لم تنعم به طويلا، كانت تسود أرجاء البيت جلبة وضوضاء، مات الحمل الأبيض! قالت أمّها؛ وجدوه نافقا في زاوية من زوايا الحظيرة. وقفت هناك تنظر بعين لم تصدق ما رأت! بكت في صمت، وتفطر القلب الصغير ألما، وحرقة.

في نفس العام نكبت الصبيّةّ في عواطفها، عندما هدموا الحظيرة وباعوا البيت، وبيعت باقي الخراف، وانتقلت الأسرة إلى بيت أكبر، له فناء يزهو بأحواض الزهور، وأشجار النخيل، والفاكهة، وهو مفروش بالعشب أيضا، لكن لا شيء يؤنسها سوى العصافير في أعالي الشجر، ضاع منديلها الأحمر المزركش بحبيبات الكرز، وضاعت معه ضحكاتها، وحكاياتها. مرت السنون، كبرت الفتاة وتزوجت؛ لترزق بأطفال كالملائكة هم أحلى وأعزّ ما تملك. جدّدوا في حياتها الأمل بمستقبل أفضل. مستقبل سعيد ومشرق؛ مليء بالخير والتفاؤل والتّضحية المتواصلة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3181547

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC