مرام أمان الله - فلسطين

الاستعمار وتخلُّق الهويات

مرام أمان اللهلأن الهوية تتشكل أساساً بتعريف "الأنا" في مرآة التضاد مع "الآخر"، فإنه لا يمكن فهم تطور صياغة الهوية من دون الانخراط في فهم علاقتها مع الآخر. يساهم الاستعمار في تشكل الهوية القومية من خلال المؤسستين العسكرية والقانونية، اللتين تشكلان الإطار الوطني العام، الذي تترعرع فيه الهوية الوليدة. إن إنتاج الثقافة والهوية الوطنية اللصيقة بالسياق الاستعماري، صارت وكأنها تمثل العمق التاريخي، والتراثي للبلد والشعب.

وهذا النمط في توليد هويات وطنية مستحدثة، كان ومازال سائداً في البلدان التي كانت مستعمرة في آسيا وإفريقيا. فالمؤسسات الاستعمارية الإدارية التي أنشئت لإدارة تلك الدول، ظلت على أشكالها الأساسية "بعد الاستعمار" ومغادرة الإدارة الكولونيالية، وإحلال إدارة "وطنية" مكانها[1]

تتفرد الحالة في فلسطين دائماً، إذ تعطيها تجربتها التاريخية من الخصوصية ما يجعلها دائمة الاختلاف، برزت مقولات درَّاج في أواخر ثمانينيات القرن العشرين لتؤسس لاتجاه ثقافي في التأصيل لوجود هوية وطنية فلسطينية عبر خطاب يطرح المنجز الثقافي الفلسطيني، كما تعرضه وثائق فكرية وأدبية، كقرينة تاريخية على وعي الفلسطينيين بأنفسهم كجماعة قومية حتى قبل تبلور المشروع الصهيوني عيانياً على أرض فلسطين[2].

وهذا يثبت أن الشرط الاستعماري يصنع الهوية ولا يخلقها. إن الحكاية الفلسطينية هي صنيعة الحركة الوطنية الفلسطينية، في ظل القانون الذي ينظم تشكُّل القوميات الحديثة. وقد تأثرت هذه الحكاية بالسياق العام لتخلُّق القوميات في أوروبا، وما رافقه من مواقف في القرن التاسع عشر تجاه غير الأوروبيين، وخاصة اليهود والعرب.

وبما أن الهوية الوطنية بحاجة إلى تحويل القصة الشفاهية لجماعة معينة إلى حكاية تاريخية مكتوبة ورأسمال طباعي تمتلكه الحركة الوطنية، فقد خضع تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية لهذا القانون عبر تشكيل عَلماني لمكوِّناتها الثلاثة الكبرى (الأرض، والناس، والحكاية التاريخية)، وقامت عليه المؤسسة السياسية المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وصارت هي مناط الحكاية في مسار تحوُّلها من حدِّ "الوجود" إلى حدِّ "الفعل[3].

يقول درّاج، أن ثقافة الضحية الفلسطينية تشتق من ثقافة الجلاد الصهيوني[4]، ذلك أن الحكاية الفلسطينية ارتبطت سياسياً، لا وجودياً، بتشكُّل هوية نقيضة، هي الهوية الإسرائيلية التي قامت على إنجازها الحركة الصهيونية، والتي وسمها إيلان بابيه بأنها "أنجح حركة قومية في التاريخ، لأنها وجدت لتخلق شعباً واحداً، فإذا بها تخلق شعبين!"[5]. الفلسطينيين، حيث كانت فتنة المنتصر ما يحمل المنهزم على المحاكاة والتقليد، ليتحول رد الفعل إلى فعل تقمصي لدى الفلسطينيين. حيث انتقد كثيرون الخطيئة التي وقع بها الفلسطينيون عندما مارسوا النزعة التقمصية التي تدفع المهزوم لتقليد المنتصر.

لكن درّاج يرى في ذلك أكبر من خطيئة، إذ يعبر عن تقمص المغلوب لدور الغالب بأنه خلق، إذ يحول المغلوب الغالب إلى خالق خارق. يقول درَّاج: "إن الصهيونيةَ، وقد فرضت الاقتلاع والقتالَ والموتَ والأملَ، تبدو إلهاً ثانياً للإنسان الفلسطيني. تحددُ حركتَه، وتعطيه أسماء كثيرة. فإذا كان الخلق هو التسمية، والخالق من يُعطِي المخلوقَ اسمَهُ، فإن الصهيونيَ خلق الفلسطيني أكثرَ من مرةٍ: خلقَهُ مرةً وهو يعطيه اسم اللاجئ و"عرب إسرائيل"، وخلَقَهُ وهو يسميه المخرب والإرهابي وعدو السلام".[6]

ولا شك أن القانون العام الذي انطبق على الحالة الفلسطينية ينطبق، كذلك، على الحالة الإسرائيلية، على الرغم من الفارق الجوهري بين تشكُّل الحركة الصهيونية كحركة قومية استيطانية مرتبطة بمشروع استعماري ممركز أوروبياً، وكون الحركة الوطنية الفلسطينية حركة تحرر وطني أصلانية مناوئة لها[7]. وقد تكون فكرة تحويل "الفكرة" إلى "وجود" هي حقيقة إثبات الهوية، أو حتى القدرة على خلقها.

يقول عبد الرحيم الشيخ أن الحركة الصهيونية نجحت في تحويل فكرتها إلى وجود فعلي من خلال إقامة الدولة وإنهاء المنفى، بينما فشلت الحركة الوطنية الفلسطينية في تحويل وجود الشعب الفلسطيني (وإنهاء شتاته) إلى فكرة، أي إلى حبكة تاريخية قادرة على دخول التسجيل التاريخي العالمي الذي صكته الحداثة الممركزة أوروبياً. واستطاعت الفكرة الصهيونية أن تتحول إلى وجود، ولم يستطع الوجود الفلسطيني أن يؤسس فكرته، فانتصرت "الفكرة الصهيونية" على "الوجود الفلسطيني".[8].

فهل للوجود أن يعود؟

= = =

الهوامش

[1] مسعد، جوزيف. القومية العربية. (كولومبيا: جامعة كولومبيا، 2001) ص18

[2] الشيخ، عبد الرحيم. "جذل السادة، وجدل العبيد: مقاربات نقدية في "بؤس الثقافة" و"ذاكرة المغلوبين. الأيام. (2005)

[3] الشيخ، عبد الرحيم. "الحكاية الجامعة وصهينة الخطاب". فلسطين. ع11. (2011)

[4] درّاج، فيصل. ذاكرة المغلوبين: الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني. (بيروت: دار الآداب، 2002). ص 36

[5] الشيخ، عبد الرحيم. "الحكاية الجامعة وصهينة الخطاب". فلسطين. (2011)

[6] الشيخ، عبد الرحيم. "جذل السادة، وجدل العبيد: مقاربات نقدية في "بؤس الثقافة" و"ذاكرة المغلوبين. الأيام. (2005)

[7] الشيخ، عبد الرحيم. "الحكاية الجامعة وصهينة الخطاب". فلسطين. ع11. (2011)

[8] المصدر السابق.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3205610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC