هدى الدهان - العراق

لحظة نصر (*)


هذا؟ لا.

هذا؟ لا.

هذا؟ نعم. هذا ولا غيره.

قلّبت يديها بين عدّة أثواب لترتديها في سهرة العرس الليلة. كل عين تراها يجب ألا ترى بعدها أنثى، وتنسى كل النساء قبلها. نعم، سترتدي هذا الفستان. أغرتها البائعة بشرائه بأنه يمتاز عن غيره أن معظم الفساتين تُصمَم على أن يٌبْدِع المصمم من الأمام. أما هذا الفستان فكان تصميمه يجعلها إذا أقبلت أكلتها عيون الرجال نشوة والسنة النساء غيرة بصدره المفتوح من الأمام ما يُثير ويُغري إن هي أقدمت، ومن الجانب ما يُعزي النفس بالأمل إن التفتت وتحرر (سهوا) من عقدته أحد الشرائط الحريرية ليكشف سر تدويرة الكتف الخجلى. وإن غادرت هي فلن تغادر العيون تخريمة الورد المنقوشة على ظهر الفستان، والقلب يتمنى لو لم تكن ورودا متفتحة وكانت براعم رضيعة، حتى يبين أكثر ما يبين من هذا الجسد الثلجي.

ستترك شعرها منسدلا لتستمتع وهي ترى العيون تسترق النظر إليها من خلال خصلاته كما يسترق السجين متعة النظر للسماء من خلف قضبان سجنه السوداء ويٌمني النفس بالحرية.

جاءت متأخرة كعادتها. لا يهمها من حفلات العرس إلا أن تكون آخر المدعوين، فحين يَملُّ الكل من تصفح الوجوه والأرداف وتبادل عبارات كوكتيلية ينشغلون بالطعام وبالحديث فيما بينهم ويعتري الجو شيء من اللامبالاة حتى بالموسيقى وبالعروسين. حينها فقط تدخل هي و(هي) وحدها. أما هُّنَّ فلم يَعُد أحد ينظر إليهن.

كم مرة قبل هذا اليوم صعدت على درجات سلّم غرفتها لتتدرب كيف تخطو بغنج ودلال. وها هي تصعد السلّم المليء بالورود لتُبارك للعروسين. تمايلت قليلا لتزيح خصلة افتعلت طريقها إلى خدّها فـنـفتها بعيدا حتى عن رقبتها، فتدلى قرط ماسي ليحرس الطريق حتى لا تُعيد خصلتها الكرة.

بحاسة الأنثى أحسّت بعين تراقبها، ولكن هذه المرة ليست ككل عيون الرجال التي تشتهيها وعيون النساء التي تحسدها. هذه العين كبيرة جدا، وصامتة كجبل جليدي. حتى هذه العين زلزلها جمالها، وانهارت صخورها الصامتة واستدارت نحوها.

من يقف خلف هذه العين الكبيرة؟ وعلى أي زر تضغط سبابته الآن؟ هل يظن أنه حين يضغط زرّ التقريب ستتقرب المسافة حقا بينهما، ويستطيع أن يضمها إليه كما يضم كاميرته؟

هنأت العروس. تبعتها العين. نسيت العرس، وأحست أنها ملكة الحفل والعرس والصولجان.

التفتت إليه. التقط لها صورة.

كشمس بزغت على شلال ماء في أول أيام الربيع، وكما تحتضن القطرة أشعتها، وتصوغ منها قلائد بقوس قزح، احتضنته بعينيها ليخلق منها صورة تجسد لحظتها التي تعيش: لحظة النصر. إنها الأجمل والأحلى بين كل نساء الحفل.

= = =

(*) من وحي قصة "لحظة حب" لعدلي الهواري، المنشورة في العدد 30.

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2008     A هدى الدهان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  انزياح "الغريب" من خلال الممارسة النحتية لمارك بولياي

2.  عطر الفردوس من الشّام

3.  الــغائــب

4.  مكتبتان للأطفال في غزة: نداء

5.  ثـرثـرة