محمد التميمي - الأردن

عتم الليل وقصتان أخريان

عتم الليل

محمد التميميكل صباح يستيقظ ويتوجه إلى حاسوبه ليشغله، ثم يذهب فيغسل وجهه ويجهز كوبا من القهوة، ليعود بعدها بلهفة المشتاق إلى حاسوبه. يجلس أمام شاشته كأنما يجلس أمام أعر أصدقائه، ليبحر في غياهب الانترنت، فيتفقد بريده الالكتروني والمنتديات والمواقع التي يشارك بها.

وفي أحد المنتديات، وجد تعليقا على إحدى مشاركاته، كان يشيد بهذه المشاركة بشكل كبير، وكان هذا التعليق موقعا باسم "عتم الليل".

قفز قلبه من مكانه فرحا، وكتب ردا لها بالغ فيه من المديح كالثناء والايشاد بـ "عتم الليل".

وبين آخذ ورد أصبحت "عتم الليل" صديقته المفضلة، فبدأ يبادلها الأفكار والهموم والمشاعر. كل هذا وهو لم يسمع أو يرى منها سوى الرسائل الالكترونية.

وفي أحد الأيام، فتح بريده الالكتروني فوجد رسالة جديدة، طار قلبه فرحا ظانا أنها من "عتم الليل"، فتحها فإذا هي رسالة دعائية، تلبدت الغيوم في وجهه، وحذف الرسالة وهو يتمنى أن تكون ورقة ليمزقها ألف قطعة علها تنفس عن غضبه.

أصبح حاد الطباع، قلقا، مشوشا. لم تبعث "عتم الليل" له أي رسالة منذ يومين.

بعث لها برسائل كثيرة ولكن دون رد، وفي إحدى المرات وجد رسالة من "عتم الليل"، كاد قلبه أن يتوقف عن الخفقان فرحا بهذه الرسالة، امتدت يده وهي ترتجف. وفتح الرسالة بأقصى سرعة.

كانت رسالة بسيطة ومقتضبة، ولكنها معبرة، قرأها عشر مرات قبل أن يدرك عقله ما فيها، كانت تحتوي على كلمات أحد من نصل السيف وأقسى من الحجارة وتضع هما على قلبه أثقل من جبل أحد.

كانت تقول: "شفلك شغلة ثانية اتسلى فيها".

بعد أن قرأها عشر مرات، أراد البكاء، أراد الصراخ والعويل، أحس بنفسه كمن فقد عزيزا، كمن فقد صديقا كمن فقد حبيبا حقيقيا.

فجأة... انقطعت الكهرباء، فاختفت الرسالة من أمامه، أشاح بنظره مبتعدا عن الشاشة، اكتشف أنه يعيش في غرفة حقيقية، في بيت حقيقي، وله جيران وأصدقاء حقيقيون. اكتشف أنه لا يعيش في الانترنت، ولا في حاسوبه ولا في موقع أو منتدى.

عادت الكهرباء. وعاد حاسوبه يعمل. ذهب إلى بريده الاكتروني، إلى العناوين. إلى عنوان "عتم الليل" وأرسل لها رسالة قال فيها: "شكرا. لقد ايقظتني"، وبعد أن أرسل الرسالة حذف نفسه من الانترنت وعاد إلى الواقع.

* إهداء إلى كل مستخدمي الشبكات الاجتماعية الافتراضية

==

يا مسافر وحدك

بعد أن انتهى من ترتيب حقيبة السفر وتأكد من اكتمال جميع أوراقه اللازمة للسفر. غادر منزله ليس للمطار وإنما لمكان آخر، إلى شخص هناك ينتظره ليلقى عليه نظرة. قد تكون نظرة الوداع.

وصل إلى الحديقة، حيث كان اللقاء المعهود، جلس على المقعد الحديدي، أحسه باردا على غير المعتاد! أم أن نار شوقه هي من كانت تجعله دافئا؟!

وصلت هي، كانت تلبس ثيابا تخلو من الألوان إلا الأسود، ابتسم وقلبه يعتصر من الألم، لم تبادله الابتسام واكتفت بالنظر إليه، تقدمت نحوه بخطوات ثقيلة، وجلست على الكرسي الحديدي بجانبه.

ساد صمت ثقيل، كانت الغصة في حلقيهما أكبر مما تسمح لهما الكلام، كان كل واحد منها ينظر إلى نقطة أمامه وأفكاره متجمدة في عقله وقلبه يحترق بالحسرة والحزن.

استجمع قواه وتجرأ وأراد أن يقول شيئا. فخرجت الكلمات من فمه هزيلة مبعثرة مخنوقة، نظرت إليه فلم تعهد أن يكون صوته هكذا، نظرت إليه وإذا بدمع في عينيه يتغرغر ويريد أن يقفز ليكون أنهارا علها تطفئ من نيران قلبه، شاهدت الدمعة في عينيه، لم تستطع أن تتمالك نفسها وانفجرت بالبكاء ورمت برأسها على صدره وبكت وبكت... وبكت كثيرا كما لم تبك من قبل.

نزلت الدموع من عينيه وهو يربت على كتفها، ويتفوه بعبارات مثل "إن شاء الله ما بطول وبرجع، غمضي وفتحي وبتلاقيني رجعت"... وغيرها من العبارات التي لم يكن هو نفسه يصدقها.

رفعت رأسها عن صدره ونظرت إليه بعينين مليئتين بالحب والحنان والأمل والدموع وقالت: "لا تروح... خليك"

لم يستطع الكلام أو أن يتفوه بأي شيء فقد جلس الحزن الثقيل على لسانه ومنعه من الحراك. ضمها إلى صدره بقوة وطبع قبلة على جبينها وغادر. ولحقته وقالت له: "هذا الظرف لك... أرجوك لا تفتحه إلا عندما تصل إلى هناك.

وغادر الاثنان، وبقي الكرسي الحديدي الذي جمعهما جاثما هناك ينتظر أن يجمع عاشقين جديدين.

وصل إلى مكانه الجديد. وأول ما خطر بباله أن يفتح ذلك الظرف الذي أهدته إياه. فتح الظرف فإذا به صورة ورسمة، أما الرسمة فكانت لقلب كتب تحته بخط أنثوي جميل: "هذا قلبي ذهب معك" وأما الصورة فقد كانت صورتها وكتب على الصورة من الخلف:
"لست أنت من قيل عنه: "يا مسافر وحدك" لأني وقلبي معك".

قبل الصورة والرسمة وضمها بقوة إلى صدره ورمى بنفسه على الفراش وأجهش بالبكاء.

===

نفاق اجتماعي

استيقظ متيبس الأطراف، متفكك الأوصال، متشنج العضلات. أزاح اللحاف عن نفسه وأخذ نفسا عميقا، ثم قام وسار بخطا متثاقلة كمجرم يساق إلى حبل المشنقة.

غسل وجهه وفرك أسنانه ومشط شعره الكثيف، ومضى إلى المطبخ ليعمل كوبا من القهوة التي تعمل على ايقاظ بقايا خلايا دماغه النائمة.

أثناء طريقه إلى المطبخ، مر بالصالة فوجد أمه وأخاه يتناولان الشاي ويتناقشان في أمور عائلية. قال بصوت شبه مفهوم: "صباح الخير" ردت إليه تحيته بتحية مشابهة بالإضافة إلى سؤال: "رايح على الحفلة اليوم؟"

فرك عينه اليسرى، حك صدره وهز رأسه موافقا وقال: "إن شاء الله"، لم يكن يحب هذه المناسبات، كانت عبارة عن نفاق اجتماعي بالنسبة له، فقد يذهب إلى الحفلة ليجد نفس الأشخاص يتحدثون بنفس المواضيع ويخلصون إلى نفس النتائج.

كان هذا اليوم هو يوم عطلته الأسبوعية الوحيد، وكان يعتبر الحفلات في هذا اليوم مضيعة له. فلم يكن يهتم لا بالطقس أو الزيتون أو بأسعار اللحوم، حتى أنه لم يكن يحب اللحم أصلا!

بعد سويعات قليلة، حان وقت ذهابه إلى الحفلة التنكرية حيث كل شخص في الحفلة يلبس ثوبا يختلف عن شكله الحقيقي، فالجاهل يلبس ثوب المتعلم ويجلس لينظر، والإمعة يلبس ثوب كبير القوم ويجلس ليحل ويربط، والعاصي يلبس ثوب الفقيه ويجلس ليفتي وأما المتعلم وكبير القوم والفقيه فيجلسون عراة من علمهم وهيبتهم ووقارهم.

ذهب إلى خزانته، تناول بدلته التنكرية، رش قليلا من عطر بلا رائحة. توجه نحو الباب وقبل أن يخرج تذكر أنه نسي شيئا.

رجع إلى غرفته، فتح درج خزانته. تناول ابتسامة مجاملة كاذبة. ألصقها على وجهه ومضى ليحتفل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC