أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 3: 25-36 » العدد 28: 2008/09 » الطعنة القاتلة. وأبقى أحبك

أميمة أحمد - الجزائر

الطعنة القاتلة. وأبقى أحبك

من دفاتر المنفى


أميمة أحمدلم أعد أعرف من طعن الآخر طعنة قاتلة. هو قال:

حبي للآخر وحرصي عليه كان نبراسي

الطعنة قاتلة

سأظل وحيدا أصرخ في القفر

أين الحرية؟

أين الإنسان؟

فلماذا قتلتنا أنا ورفيقتي

وداعا …

صفعت الكلمات وجه أمل، وتحجرت دمعة في المآقي، لا هي نزلت وأزالت معها كربتها ولا هي عادت لتنهي هذا الألم المفاجئ. لماذا فعلت هذا يا نبيل؟ من منا أصابته الطعنة القاتلة؟ ألم تتساءل يوما عن ثلاثين عاما أكلها المنفى دون جدوى؟ ثلاثون عاما من الآلام والعذاب المضني. ثلاثون عاما أتمنى كل صباح قهوة أمي. ثلاثون عاما حرمت أمي من ابنتها الوحيدة. ثلاثون عاما في معارك دونكشوتية. ثلاثون عاما وسط أمواج عاتية تتقاذفني ريشة في المنفى. أصرخ وأصرخ. ويعود الصدى ولا أرى غير السراب.

"سنرجع يوما إلى حيينا." ما عدنا ولا عاد أمل رؤية الحي. لماذا يا نبيل كنت قاسيا؟

عندما علمت أمل أنهم أخذوك من الطريق، عذرتك. لم يستطع التخلص مما لديه، ولم يكن أمامه غير الاعتراف باسمها. وبعد سنوات تذكرت أن اسمها لم يكن مكتوبا على الأوراق. كان بإمكانك اختراع أي قصة تقصي اسمها فيها عن الاتهام. لكنك وببساطة قلت اسمها. ولم يفدك هذا فسجنوك. وصارت أمل تكتب مدافعة عنك لإطلاق سراحك مع آخرين من سجناء الرأي.

كتابات أمل حملتها أوزارا جديدة تضاف إلى اعترافك. لم تبالي. المهم قضية حرية الإنسان، ولا يجوز اعتقال إنسان لرأيه. لم تكن كتابات أمل مهادنة، بل في بعض الأحيان خارجة عن اللياقة الأدبية، ربما لإفراغ شحنة الألم الذي كانت تعانيه في المنفى وقلقها الشديد عليك في سجنك الرطب.

بعد سنوات أخرى تسمع أمل رواية جديدة: "أن نبيل أخطأ في الاعتراف عليك. كان بإمكانه ذكر أي اسم آخر من الشباب، فلماذا باح باسمك؟ قلنا له ونحن في السجن: أخطأت بالاعتراف على أمل."

ردت أمل على ذلك: "لم يعد مجديا اللوم. لقد مضى عشرون عاما ونيف على تلك الواقعة."

وبقيت تلك العلاقة الرائعة بين نبيل وأمل. لا يشوبها شائبة. نبيل المعلم والصديق والأب لا يمكن أن يفعل ما فعل لو لم يكن تحت ضغط كبير.

تمضي عقود ثلاثة، وقبيل نهايتها تسمع أمل رواية جديدة ومن نبيل شخصيا. جاءت بمحض الصدفة، بعدما مازحته أمل برسالة هاتف جوال قصيرة:

"أرجو عدم إزعاجي، فيكفي ما أزعجتني."

رد برسالة شعرتها استفزازية: "لم يكن لي تصور أنني أزعجتك الآن ولا في الماضي. أعتذر إن أزعجتك، وسأحميك من إزعاجاتي."

فورا قفزت إلى الذاكرة السنوات الثلاثون في غربة قاسية، وكتبت له:

"كنت أتمنى أن تحميني قبل نحو ثلاثين عاما."

فهم قصدها، وتألم لاتهامها له أنه سبب منفاها. وتحدث لصديق مشترك عما جرى قبل نحو ثلاثين عاما:

"لم أكن أعلم أنها غير مطلوبة. ولكن من أين لي أن أعرف هذا؟ اعترفت عليها وأوصيت لها أن تغادر البلد كي لا تتعرض للسجن، وكنت حريصا عليها. لو تم اعتقال نساء بسببي لتألمت نفسيا."

لم تصدق أمل نفسها وهي تسمع الرواية الجديدة للحكاية التي تسببت باغترابها، وممن؟ من لسانه شخصيا.

"لم تكن مطلوبة؟" تساءلت أمل: أيعقل ممن يتنطع للعمل السري وفي موقع قيادي ألا يكون لديه قنوات معلومات؟ أيعقل أن يكون العمل على الحظ؟ ليس هذا فقط، بل لم يتساءل، ولا الآخرون تساءلوا، عن سبب بقاء أمل طليقة ستة أشهر بعد اعتقال نبيل. ظنوا أن الأمن تركها طعما لكشف اتصالاتها. كم كانوا سذجا! أمل الغضة في العمل السري أخذت قرارها بقطع علاقاتها مع كل من كانت تعرفه، خشية أن تكون تحت مراقبة المخابرات لتحركاتها.

كانت صدمة أمل قوية. تسمع دويها يهدم أشياء جميلة حملتها لنبيل. نبيل اليوم هو قاتلي. بسببه ضاع العمر، وذهب الشباب، وتبخر الحلم بعائلة وأولاد. نبيل بغياب حس المسؤولية تجاه الآخر تسبب في منفاها.

"يا خالق الخلق، وباسط الرزق أعطني صبر أيوب لأتحمل ما سمعت." كتبت له: "صديق العمر نبيل، أكاد أُجن، لا أصدق أن أعز من أحببت وصديق عمري هو نفسه وراء محنة اغترابي نحو ثلاثة عقود، هي حياتي وشبابي، دهسها سوء التقدير وغياب حس المسؤولية إزاء الآخر. لا ينفع اللوم بعد هذا الزمن، لكن دوي الصدمة حطم أشياء جميلة كنت أكمها لك."

بكت أمل غيظا وقهرا. يا إلهي! بدلا من توجيه اللوم للخصم الحقيقي الذي تعد ضحاياه بالآلاف نتوجه لمواجهة بعضنا بعضا. من بين الدموع قالت أمل بصوت مسموع:

"لولا هذه الأخطاء لما بقي الطاغية أكثر من أربعة عقود. العيب فينا أساسا. ألم يكن السبب في سجن خيرة الشباب والشابات مؤخرا بسبب سقوط آخرين بالانتخابات، فاتهموا الفائزين بالعمالة لأمريكا وتسببوا في سجنهم؟"

نبيل لم ولن يفعل ذلك، لكنه أخطأ في التقدير وذهبت أمل ضحية ذلك، كما هو ذهب ضحية عدم انتباهه، فلو انتبه إلى إشارة الخطر فوق الباب لنجا ونجا كثيرون معه من السجن أو المنفى.

هل يجدي التنظير بعد ثلاثين عاما يا نبيل؟ ترى من منا أصابته الطعنة القاتلة؟ ما قلته لك ليس طعنة قاتلة بل من حلاوة الروح بعدما خسرت عمري. أما أن تعتبره طعنة قاتلة فهو الأمر غير المقبول البتة. معرفتي للحقيقة كانت طعنة أدمت القلب الذي أحبك باحترام، وسيبقى يحبك، فأنت من علمته معنى الحب، ومعنى الإنسان. ستبقى حراب القلم موجه للخصم الحقيقي الذي جعلنا نتعاتب بقسوة على سنوات حرمنا من اللقاء فيها.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2008     A أميمة أحمد     C 0 تعليقات