محمد التميمي - الأردن

ثلاث قصص قصيرة

محمد التميميسمراء

تمددت أمامه بشعر أصفر ذهبي كسنابل قمح حان حصادها، وعيون زرق كسماء صافية في يوم مشمس، أبرزت له مفاتنها وسألته بلغة أجنبية وبلهجة متكبرة: "أتحبني؟"

تبسم مشفقا عليها وقال بلغة عربية فصيحة:

عيون المها بين (الرصيفة) والجسر --- جلبن لي الهوى من حيث أدري ولا أدري (*)

ثم قال لها بلغتها: "لن تفهمي ما أقصد، ولكن قلبي أسير سمراء الوجه، ذات العيون السود، لقد أحببتها ولن أنساها".

سألته مستنكرة: "أهي أجمل مني؟"

لم يستطع أن يكتم ضحكته، فخرجت عالية مدوية وقال لها: "نعم أنت جميلة، ولكنها أجمل منك".

احمرّ وجهها الأبيض، وقالت: "هنيئا لها على وفائك وإخلاصك وعشقك الجميل"، وهمت بالخروج ثم التفتت إليه وفي عينها دمعة تكاد تنزل وقالت: "هل لي أن أسألك سؤلا أخيرا؟"

"تفضلي بكل سرور."

"ما اسمها؟"

"عمّان."

==

إهداء إلى كل عاشق لعمان وأنا أولهم.


رفيقة

أغلقت حاسوبها الشخصي وبدأت بجمع أوراقها المبعثرة عن طاولة أمامها.
"لا تذهبي. أرجوك".

صرخة كادت أن تخرج من فمه، لكنه تراجع عنها في آخر لحظة، لتخرج على شكل أنفاس حرى.

لم يجلسا معا أو حتى يعرفا بعضهما البعض. ولكن جمعتهما الصدفة في قاعة كبيرة مع صديقة واحدة: الوحدة.

كان ينظر إلى عينيها، يتخيل نفسه يتكلم ويمزح ويحب ويكره معها، ولكن ما يلبث إلا أن يعود جسده ليجده متكوما على كرسي وقد هده التعب والإحباط.

أنهت جمع الأشياء وهمت بمغادرة الغرفة، وقف فجأة ونظر إليها، أراد أن يقول لها: "أرجوك أن تبقي هنا، فأنا أخاف من الوحدة، أرجوك ابقي إلى جانبي وأعدك ألا أكلمك حتى في أحلامي".

نظرت إليه نظرة حادة كأنها تقول له: "ابتعد عن طريقي أيها المجنون الحالم فأنا لست حلما، أنا حقيقة وحقيقة مرة".

غادرت القاعة على عجل لتترك خلفها خيطا من رائحة عطر فرنسي، وصدىً لحذاء مخملي.

أغمض عينيه، تنشق الرائحة بكل أنفاسه وحواسه. فتح عينيه ليجدها قد اختفت تماما.

تبسم والتفت من حوله ليتأكد أن أحدا لم يشاهده. لم يجد أحدا، ضحك بصوت عال. جمع أوراقه ووضعها في حقيبته ومضى يبحث عن رفيقة أخرى في مكان آخر.


ذكريات

جسد مرهق على سرير غريب، رائحة أجنبية تملأ المكان، لم يكن ولن يكون منزله، فقط كان ينشد بعض الراحة الجسدية، أغمض عينيه لتعود به الذاكرة إلى منزله حيث تربى ونشأ؛ وبكى وضحك؛ ولعب وحلم. تذكر الجلسات العائلية حول المدفأة. تذكر جلساته وحيداً. وسماعه المذياع أو مشاهدته للتلفاز.

فتح عينيه، وجد نفسه لا زال يقبع على السرير الأجنبي. أغمض عينيه مرة أخرى ليتهرب من واقعه المؤلم، نزلت دمعة من عينه، لترسم خطا جديدا في وجنته، التي توالى كل من الزمن والحزن والدمع على رسم الخطوط فيها.

نزلت هذه الدمعة لتصل إلى الوسادة لتموت هناك وتدفن إلى جانب المئات من أمثالها، دمعة حزن على فراق محبوب، ودمعة يأس في لحظة ضعف، ودمعة ودمعة ودمعة.

أحس بضيق في النفس، توجه نحو النافذة، فتحها ليشتم بعض الهواء، نظر إلى الحي فوجده هادئا هدوء المقابر، تذكر جارتهم السمينة وكيف كان صوتها يصدح وهي تنادي على ابنتها، تذكر أصوات الباعة المتجولين وأصوات زوامير بائعي الغاز المزعجين.

لم يكن يحب هذه الأصوات. حتى أنه لا زال يكرهها. ولكنه يعلم الآن أن تلك الأصوات كانت تشعره بالحياة.

أغلق النافذة، عاد إلى سريره، ألقى جسده المتهالك عليه، أغمض عينيه وأراد النوم لعله يلتقي بالأحبة في أحلامه.

وإني لأهوى النوم في غير حينه ... لعل لقاء في المنام يكون (**)

(*) جرى تحوير بيت الشعر الأصلي للشاعر علي بن الجهم لملائمة القصة. والرصيفة هي مدينة بجانب عمان وقصدت بالجسر هنا جسر الشيخ حسين الحدودي مع فلسطين فك الله أسرها.

(**) الشاعر قيس بن ذريح.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3205610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC