وهيبة قوية - تونس

وعادها الشّوق إلى العالم السّحريّ

مازالت تُحسّ أحيانا أنّها طفلةٌ صغيرةٌ تحتاج إلى من يُهديها لعبةً فتعرف أنّها موجودة مثل الجميع وبإمكانها أن تَصنع أحلامَها وهي تلعب. وتظلّ تحلم بكلّ شيء جميل وتبني عوالم جميلة من حولها ثمّ تَهُدّها ثمّ تُعيد بناءَها بنفس الحماس وفي شكل وإن كان يُرضيها في البداية فإنّه يبقى قابلا لإعادة التّشكيل إلى ما لا نهاية.

وأحيانا تحسّ أنّها ما زالت مراهقةً تحتاج إلى من يُهديها وردةً تُخبّئُها بين صفحاتِ كتابٍ تعشق قراءتَه، ولكنّها لا تقرأ من حروفه بالقدر الّذي تقرأ به من حروف الوردة. وتفتح بعدها قاموس كلماتها وتعطّر بحديثها ورقةَ رسالةِ حبّ حتّى وإن كانت لحبيب موهوم.

وتصارع وهي تكتب رسالتها عواصفَ من عواطف الخيبة والرّجاء، وتخلِطها بحبر الألم والأمل، وتحفظ كلّ كلماتها وتغيّر ما فيها لتصبح أجمل، وتعانق بمعانيها النّجوم وتغنّي بألحانها للقمر وتناجي بها روحها الوحيدة. وتظلّ تحلم بالسّعادة... وما أحبّها سعادة!

كم عانقت النّجوم وحلمت أن يحمل إليها حبيبٌ قبضةً منها تزيّن ظلمة لياليها. وكم حلمت بأن تسرج السّحب وأن تشدو مع العصافير وأن تجلس تحت الشّجر وأن تجري مع الرّياح وأن تجمع خيوط الشّمس في راحتيها وأن تسير تحت المطر وتصرخ بكلّ الصّخب الّذي في داخلها وتشعر أنّها مجنونة.

شردت قليلا عندما استشعرت بجانبها الطّيف الصّديق الّذي تعوّدت الحديث إليه. وابتسمت له. وراحت تحدّثه:

" لستَ وحدك المجنون طيفي الغالي! فأنا أكثر جنونا من كلّ إنسان. ولكنّي أتقنت التخفّي وراء الهدوء حتّى رسَخ لديّ أنّني حقّا مثل الآخرين، وعشت معهم في عالمهم. ولكن عالم الباقين فظيع جدّا، ملأني خيبةً ولمْ يُعْطِنِي الرّجاء. آلمني ولم يقدّم لي وصفة للدّواء. اغتال فيّ كلّ الجنون البريء فأصبحت دون عقل. سِرْتُ في ركاب عالم عَرَفَ كيف يقسو عليّ ولم أعرف كيف أقسو عليه فكنت غريبة حتّى عن نفسي. أبكاني وأبكاني حتّى خِلت أنّ الدّمع قد جفّ من كلّ المآقي وأنّني بكيت بدموع كلّ النّاس.

ما أفظع أن نغترب عن أنفسنا! وما أفظع أن نستعيد أنفسنا ونعود من غربتنا فنجد غربةً أقسى! وما أقسى أن نجد أنّنا لم نعد أطفالا ولا أحد يهدينا لعبةً، وأنّا لسنا مراهقين ننتظر الهديّةَ الوردةَ ونكتب في قداسة حضورها رسائل العشق.

كان طيفها يُصغي إلى حديثها بهدوء ورصانة ولم يقاطعها. وكانت تريد أن تسترسل في حديثها لولا أنّها رأت دمعة تفرّ من عينه وتتلألأ وهي تسيل على خدّه. صمَتَتْ. لكنّ الطّيفَ حرّك رأسه يشجّعها أن تواصل كلامها. اختنقت. كانت تريد أن تحدّثه أكثر وأن تتكلّم عن عالمها وأن يسمعها كما العادة. حمَلها دمعه أن تغرق في دمعها وهي تحدّث نفسها: "لم أتصوّر مع ذلك أنّ الزّمن رديء. ربّما لم أُحْسِنْ تصوير عالمي في حرم عالم الآخرين أو على تخوم مدائنهم المليئة بالفوضى، عالم الجنون الذّي عرفته كان أكثر هدوءا بصخبه وأكثر عقلا وأكثر عبقريّة من عالم الآخرين الهادئ الظّاهر والّذي ينشر الصّخب حول الجميع".

سألها: "هل يمكن أن أبعث حولك العالم المجنون من جديد؟" أجابته بهدوء: "لا وجود لهذا العالم السّحريّ الآن، اختنقت أنفاسه، بل اختفت من الوجود كلّ لَبِناتِ بنائه. ليس موجودا إلاّ في ماضٍ بعيد أعيش على أمل لقائه، وأنا أعرف أنّه إن بانت مَلامحُه ذات يوم فإنّها ستكون شاحبة وباهتة"...

تقدّم إليها الطّيفُ الصّديقُ وأخذ رأسها بين يديه وهو يقول: "أنا أحبّ هذا الماضي الّذي تُحبّين. وأعيش بذكراه. هو العالم الجميل الّذي لا أريد الخروج منه. سأحملكِ إليه."

أطبقت جفنيها في راحة بين يدي طيفها وفتح أمامها أبوابا كانت مغلقة. وتبعت خُطاه إلى العالم السّحريّ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC