أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 11: 2007/04 » شعـــاع وألــوان

هدى الدهان - العراق

شعـــاع وألــوان


أحست ببرودة تتسرب إلى جسدها وهي تقبض على أكرة الباب كأنها تستنجد بها. ترى من التي تمسك بالأخرى وتستجديها الدفء؟ ربما هي برودة كانون أو خوفها من إقدامها على مغامرة كهذه، لكنه رجل هز كيانها كله وأسقط من عينيها دموعاً ما تخيلت يوماً أنها ستذرفها لفرحتها بلقائه. هذا الباب بينها وبين رجل كانون. لم تعهد الخشب يوما باردا هكذا كمشاعر الرجال حين يطمئنون لعشق امرأة لهم. هل قبضتها ضعيفة إلى هذا الحد فلا تقوى على فتح الباب بينهما؟ أم أن الخوف يصيب أطرافها بالخدر؟ أم أن أكرة الباب هي العصية عليها لتذكرها بأن تظل صلبة في حضرته؟

لفحة من الدفء، ووجه يشع حناناً أمامها، وابتسامة ظفر من حدثته وساوسه بأنها لن تجد طريقة للوصول إليه. ابتسامة تغمر وجهه وهو يدعوها للدخول. بعد بضع خطوات خجلة متباطئة وجدت نفسها في غرفة مريحة هادئة تطل على نهر ما يزال يجري وحيداً منذ آلاف السنين. ألم يكن يجري خلفها للتو؟ لو استدارت لشهدت تلألأ صدره وهو يحتضن بغداد بين ذراعيه. لماذا لا تجرؤ على النظر في مياهه إلا من خلف ستائر تلك الغرفة التي لا تبرز من دجلة إلا ما تريد أن تراه كطفل يخشى وجه معلمه وهو يؤنبه، فلا ينظر إلا إلى حافة النظارات ويتشاغل عن النظر إلى العينين؟

غرقا في حوار صامت. كان صوتها فيه هو رائحة عطرها، وصوته هو أصابعه التي تعبث بشعرها. كم هو رائع احتواء من نحب! أبعدت ذراعيه عنها لكي تراه عن كثب. تريد أن تتأمل هذه الملامح وهي تتراءى أمامها بانعكاس شعاع يأتي خجلاً من الغرفة الأخرى. لماذا لا تشبع من النظر إليه؟ ربما تعلّم هو فن إبقاء الصنارة في الماء.

يتعالى صوت أغنية أحبتها وهي تسمعها لأول مرة معه في أول لقاء لهما ليحتسيا القهوة. أخبرته أنها أعجبتها حينها. طلب اسمها من النادل فبحث لهما عنه. وكلما لم تسمح لهما لحظات اللقاء إلا بجولة في سيارته اسمعها إياها. أحبتها لان مغنيها يردد جملة طالما وصف بها حبيبها عينيها. دائما يخبرها أنها امرأة قلبها عربي وعيناها وحشية كالعيون الإسبانية. وكلما نظرت في عينيه سمعتها تردد توسلا:

Say you and your Spanish eyes will wait for me

(قولي إنك وعينيك الإسبانيتين سوف تنتظراني)

أحست أنه بهذه الكلمات يستبقيها معه حيث يكون.

وكانت تحس بالمثل. كم مرةً أخبرته أن أشق اللحظات عليها هي لحظة أن تترجل من سيارته وتعود إلى منزلها، وأنها تود لو تبقى معه أبداً ولا يفترقان. وكانت تحتال على الأمر بأن تأخذ في كل مرة شيئا منه يحمل عطره أو قلما، بحجة أنها تتفاءل به، أو لعبة صغيرة وضعها ليزين بها السيارة. أي شيء لمسه أو أحبه. ربما لتستجدي اللحظات الحلوة من هذه اللعبة حين تأخذها معها للمنزل. لكن في كل مرة كانت تعرف أن هناك أخرى بانتظاره، أخرى سبقتها إليه وظفرت به زوجاً، لا لأنها تباطأت في سعيها الملهوف إليه، والى إرضاءه، وإنما لأن الزمن شاء أن يؤخر لقاءهما سنوات طويلة من العمر، كان كل منهما يدور خلالها في حلقة مفرغة بحثاً عن توأم روحه، كراقصي باليه يرقص كل منهما في زاوية المنصة، ولم يقدر لها أن تظفر به إلا بعد إسدال الستائر، وخروج المتفرجين، والاختباء في نقطة اللا ضوء، وتبادل أعذب الكلمات، ولكن بهمس أو بصمت تتقنه عيونها الإسبانية.

حين يلتقيان كانا يعزيان نفسيهما دائماً بالقول إن الزمن أخذ منهما في ـ إصرار يدعو للدهشة ـ أزهى سنوات الحب، وإنه آن الأوان لينعما معاً بما تبقى لهما من العمر: يرشفان كأسه حتى تجف قطراته. وربما لن يتركاها تجف، فقطرات الندى تزين كل فجر، وحبه لها هو خيط النور في برودة ليل الوحدة التي عاشتها. أصرا على ألا يبددا من أيامهما لحظة واحدة لن تعوضها أي لحظات أو عواطف أخرى.

ها هي تنظر إليه بملء عينيها وحواسها لتأخذه معها ـ بعد أن تخرج ـ روحاً يعيش معها حتى اللقاء القادم. استأذنها ليجلب لها شيئاً من الماء. كيف أحس بأنها عطشى؟ وأي عطش في برد كانون؟ لطالما كان قادراً على قراءة جسدها أكثر منها. أحست برغبة في الراحة والاسترخاء. أحب مكان إليها الآن لتتمدد فيه هو شرفة منزله المطلة على هذا النهر الخالد بصمته، وبالأسرار التي يعرفها عنهما. أسرار عدها كنوزه واحتواها كلؤلؤة سوداء في صدفة.

كان قد قال لها من تحب إنه ليس بمقدور أحد أن يعيد عجلة الزمن إلى الوراء، وإذا عادت فلن تكون الأمور كما كانت أبداً، فالبرعم لا يكون برعماً إلا مرة واحدة في عمر زهرة. لكن الحاضر والمستقبل ملك خالص لهما. لم لا يسلمان أنفسهما روحاً وجسداً لحلم لا يفيقان منه أبداً حتى آخر العمر؟ لكلماته نبضات تحيي قلبها وتؤجج جمرا تحاول إخفاء زهو بريقه ولذة دفئه، فتشعر بالخدر يسري في أوصالها، خدر لذيذ مسكر لا صحو منه أبداً.

رأت وجه دجلة يترقرق، وأضواء السيارات القريبة تنعكس عليه. هل سيكفي ماؤه ليروي عطشها إلى الرجل الذي تحب؟

ها هو قد عاد وعلى وجهه ابتسامة وفي يديه حلوى وماء. نسيت كل إتيكيت وهي تشرب الماء من الكأس وتسكب المزيد وترى ابتسامته وهو يستمع إلى الأصوات التي تصدرها وهي تشرب الماء ويتساقط الباقي على ثوبها. ترى هل هي عطشى إلى هذه الدرجة؟ والحلوى: كان دائما يشتري لها الحلوى. وتتساءل لماذا كان يعاملها كلعبة جميلة ويدللها كطفلة؟ متى يعشقها كامرأة؟ لا يهم. المهم أن يحبها.

أزال غلاف إصبع الحلوى، وضعه في فمها، قربها إليه. بدت أمارات الدهشة على وجهها متسائلةً ماذا يفعل؟ أطبقت فمها على القطعة اللذيذة لأنها تحمل شيئاً منه، ملمس أصابعه. وأطبق بفمه على الجزء الباقي من إصبع الحلوى: هل ليصبح قريبا منها أم ليشاركها مذاقه الحلو؟ لا يهم، على الأقل تشاركا بشيء.

ترك فمها يتلذذ بكنزه، وأطلق لنفسه العنان. راح يستكشف كنوزها هي. ذابت قطعة الحلوى بسرعة، وانتبهت إليه، داعب بأطراف أصابعه خصلات شعرها البنية. سحبها نحوه بلطف. أصبحت ملامحه هذه المرة أكثر وضوحا وقوة. ثم لم تعد ترى سوى عينين محبتين، وقبلة تخترق طريقها بحب إلى شفتيها. أي حلاوة هذه؟ أي عذوبة وشفافية تسبح فيهما روحاً وجسداً، في نعومة نحو شاطئ يتلألأ في مخيلتها، وتتمنى ألا تتقطع أنفاسها قبل أن تبلغه، وتتمدد بقربه وتعبث برماله؟

في غمرة الاستمتاع أتاها صوته هامساً كأنه منبعث من أعماقها هي: ""أود أن نرقص معاً."
أفاقت قليلاً من سكرة الحلم، همست له بصوت مبهور:

"لو صبرت قليلاً لبلغنا معاً فيروز الشاطئ."

قال مبتسماً: "سأعوضك عنه بشاطئ أروع."

قالت وفرحة قلبها تسبق كلماتها:

"ما أكثر شطآنك! لكن لا تضع ثانيةً أخرى حين نكون معاً."

قال وهو ينهض: "تأمرين وتتدللين."

تنفست بعمق وهي تتطلع إلى ماء النهر. أي ذكريات ستحملها معها إليه، تحدثه بها حين تخرج؟ هل ستبوح إليه بكل أسرارها؟ ولم لا؟ ألا يحمل في أعماقه تواريخ أمم وحضارات؟

سمعت صوت موسيقى هادئة تنساب خافتةً كالحلم، وهو مقبل عليها بابتسامته الصافية وعينيه الناطقتين بحبه، وكأسين ممتلئتين بشراب منعش. أخذا يرشفان شرابهما ببطء وهما يختلسان إلى بعضهما البعض نظرات ملؤها الشوق.

"لنرقص."

"لا، اتركني ارقص لك وحدك أولا."

رقصت له وحده. صفق لها وفرقع بأصابعه مبتهجا. نظرت إليه نظرة تذكره أن يخفف من حماسه لئلا يسمعهما احد.

كرر طلبه لها: "لنرقص معا."

قالها بصوت برح به الشوق، ونفد صبره وهو يلامس بأصابعه أطراف شعرها وينهض بها.

وقفا كراقصين وحيدين وسط حلبة رقص لا يزاحمهما فيها أحد، وجمهور غير مرئي يرقب حركاتهما وسكناتهما بانبهار. تقدم إليها مطوقا إياها ومحيطاً خصرها الصغير بذراعه، وتناول براحة يده الأخرى كفها معانقاً أصابعها الصغيرة. تناغمت خطواتهما مع إيقاع الموسيقى القادم إليهما كتيار نهر هادئ يحملهما معاً إلى جزر بعيدة غير مأهولة. لا شيء سوى موجات تتخللها موجات وظلال لأوراق شجر تتكاتف معاً لتحميهما من أشعة الشمس التي لا تخجل من التلصص عليهما، ونسمات هواء تنتظر أن يتما قبلتهما قبل أن تقاطعهما بنسمة هواء تجعل خصلات شعرها تتطاير على انفها وشفتيها لتكون سدا بينها وبينه.

ذابا في عناق وامتزجا روحاً وجسداً، ورأت نفسها تسبح وسط ندف من ثلج له حرارة اللهب يلامس جسدها العاري، تستشعر نعومته ونداوته، يتمشى في أعضائها بخدر طاغ وعذوبة مسكرة، كأنها مدينة استسلمت لتوها لفاتح لا يقهر، فراحت قلاعها وحصونها تتساقط في قبضته الواحدة إثر الأخرى والواحد تلو الآخر. كان قد قال لها:

"لم يسبقك أحد إلي، ولم يأخذني أحد منك، وإلا ما كنا التقينا."

أحست أنها تعبر ذلك الجسر الفاصل ـ والموصل في آن واحد ـ بين اليقظة والحلم.

كان قد قال لها مرةً وهو يقبلها بين عينيها: "ما يخصك فيّ لا يشاركك فيه أحد."

لماذا إذن ترضى أن تشاركها فيه أخرى؟ أم أنها هي التي تشاركها فيه؟

ظلت مذ اشتبك قدرها بقدره ترسم في مخيلتها صورة للأخرى، بل آلاف الصور. اتصلت بالهاتف مرةً وحيدة وهي تعلم أنه خارج البيت، فقط لتسمع صوتها، بعد أن عجزت عن أن تظفر بصورة واحدة لها في مخيلتها. لكنها تراها الآن، وسط جمهورهما غير المنظور، واقفةً وحدها، ترقبهما في شغف، لا أثر لحقد أو كراهية على ملامح وجهها، كأنها كانت تعرف سرهما منذ البدء، واثقة من أنها مجرد رقصة وتنتهي، ويفترقان، لتتقدم هي وتتأبط ذراعه، عائدة به إلى عشهما المعهود.

أتاها صوته أخيراً وهو يستشعر تململ رأسها على كتفه: "صحوت؟"

"نعم، كم طالت غفوتي؟"

قال ضاحكاً: "لا أدري، كنت أنا الآخر في نوم عميق."

قالت وهما يفلتان بعضهما البعض: "آن لي أن أذهب."

"تذهبين؟"

أتاها صوته ملتاعاً، لكن إصرارها بدا له غريباً ولا سبيل لمقاومته. راح يحدق فيها بنظرات حائرة بين الرغبة في استبقائها والامتثال لرغبتها في الذهاب.

قالت له وهي تصلح شعرها أمام المرآة: "رأيتها."

قال بدهشة حقيقية: "من؟"

قالت وابتسامتها المعهودة تتراءى له في المرآة: "هي."

لاذ بالصمت وأخذ يتهيأ للخروج معها.

قالت وهي تستدير له وتواجهه بعينين لا أثر فيهما لضعف أو وهن: "كانت واقفة ترقبنا طيلة الوقت، ونحن نرقص." ثم أردفت وهي تمد له يدها بالسلام: "أراك بخير."

قال برجاء أقرب إلى التوسل: "سأوصلك."

أجابت بنفس النبرة الواثقة التي لا سبيل لمقاومتها: "لا، عندي رغبة في التمشي قليلاً على شاطئ النهر. وأردفت وهي ترد الباب خلفها وتتسرب كطفل عثر على قطعة نقدية في باحة مدرسة فقيرة: "أراك بخير."

وقفت لحظةً تتأمل صفحة الماء في النهر الساكن، وبرودة الجو تقبل وجهها بشفاه حارة. لماذا كانون حار بارد ومتقلب هكذا؟ لم تشعر بدفئه يوما كما تحسه الآن في صدرها ونفسها التي أحست أنها التقت بها للتو حين سألتها: "لماذا لا يكون لها من ليست له امرأة أخرى؟ لماذا لا تستمتع بالسباحة في نهر بلا ضفتين؟ في بحر تكون هي شاطئه ويكون عذبا لها عصيا مالحا على غيرها؟"

استأنفت سيرها بمحاذاة النهر. كانت صورة المرأة الأخرى كما تبدت لها بابتسامتها المحايدة التي لا أثر فيها لضغينة أوكره، تتصدر واجهة المشهد في مخيلتها وبجانبها هو: صورة قديمة بالأبيض والأسود، لا مكان فيها للمصور، وإلا فسدت الصورة.

عادت مسرعة لبيتها. أخرجت أوراقا وأقلاما ملونة، ورسمت صورا بالألوان لها هي وحدها، ولشعاع شمس يأتي من بعيد.

D 1 نيسان (أبريل) 2007     A هدى الدهان     C 0 تعليقات