رحاب الصائغ - العراق

موتى بلا عذاب


جلس الرجل على الكرسي الذي يكاد أن يفقد لمفاصله التراخي والانسحاق، وبجلوسه عليه غيّر الكرسي رأيه وحاول الصمود ريثما يقوم من فوقه. لكنّ الرجل وجد أن الجلوس مريح في هذا المكان. فعقد حاجبيه وصوبّ نظره على الزهرية المنفوخة البطن وحلقها الرفيع تعلوه بعض الزهور الذابلة رؤوسها. ظلّ يحدق تارة في بطن الزهرية، وتارة في زهورها إلى أن فقد الكرسي كلّ طاقته في التحمل وتهاوى فلم يكن أمام الرجل إلاّ محاولة الإمساك بشيء لكي يستند عليه فلم يجد غير الزهرية فهوى الاثنان معا وشهد التحطم.

الاثنان كانا قرب حافة الطريق المؤدي إلى إحدى المدن الكبيرة، ولكن تعطل السيارة كان السبب بوضعه في هذا المأزق، فكانت نهاية الكرسي المستهلك من قبله وتحطم الزهرية التي أخجلها التحديق. تضوع عطر الزهور تلك، انتصب عودها كأنها تعلن شكرها للرجل. يبدو أنّ الزهور وجدت طريقها إلى التربة وتنفست الصعداء واكتسبت رونقها في الوضع الجديد.

أما صاحب الكرسي فهو رجل له دكان بقالةٍ على الطريق الذي يربط مدينته الصغيرة بتلك المدينة الكبيرة التي لا يزورها إلاّ ليتزود منها لدكانه ببعض البضائع. ويعتاش من مشاكل المارة، عطل سيارة، أو سيارة تقف لإسكات عطش مسافر، أو طفل ير يد ببعض الحلوى. يلجأ صاحب الدكان إلى هذا الكرسي الذي لا يملك غيره عندما لا يصادفه أحد في حاجة إليه، يجلس عليه ويتابع تساقط الثلوج أو الأمطار أو السراب في قيظ صيف.

أخذه الأسف على الكرسي الذي رافقه إلى كل مكان عاش فيه وتحمل معه مصاعب عدّة. لملم حطامه وفكر هذه المرة سيجعل له قبرا ويدفنه لما أدّاه من خدمات كثيرة. واغتبط لمثل هذا الحدث الذي سيوثقه في دفتر مذكراته لما يكنّه لهذا الكرسي من جميل. وبحزن شديد انتظر حتى المساء بعد أن يقل مرور السيارات وينقطع هديرها ليقوم بدفن الكرسي بسلام وهدوء كي لا يزعجه دخول أي صوت إلى قبره الذي اختاره قرب دكانه،

وفيما هو يفكر ويحدد في خياله قياسات المكان الذي يجب حفره لهذا الكرسي وعمق الحفرة، هزّ سرواله طفل مشيرا له بيديه كأنّه يطلب منه شيئا فنظر إليه وجد وجها متسما بالنوم. عيون منكمشة، فم متراخ، وخدود لم يصف لونها من هزيع أحلام راودتها وأثقلت عليها الاحتكاك بعالم الواقع، وكان يحرك شفتيه وحاجبيه ويتفوه بألفاظ لا يفهم منها شيء فأدار وجهه إلى الجهة اليمنى فوجد رجلا يؤشر له بأنّ الطفل أخرس. ولكنّه يريد شراء قطعة حلوى من دكانه التي تثير مخيلة كل طفل يمر بهذا الطريق لما تحمل من هندسة غريبة كأنها مستوحاة من مدينة (والت ديزني). لكنه وجد الطفل ينظر إلى الكرسي المحطم فأمسك بيد الطفل مربتا على ظهره بحنان ورقة الأب.

تفحص الطفل كل محتويات الرفوف وكل شيء بيده وشمّ بعضها بأنفه وتردد في أخذ شيء منها، فيما هو يجول بنظره في المكان يوقف فجأة واتجه إلى الكرسي المهشم وأراد أخذه، فتعجب صاحب الدكان لهذا التصرف وأصابه بعض الغضب ولولا عطفه ورقة قلبه للطم الطفل على حمله ذلك الميت الذي لم يخلص حتى بعد أن قام بجميع ما مطلوب منه خلال حياته القاسية.

وفيما هو سارح بعذاب هذا الكرسي ورغبة الطفل فيه، همّ مسرعا كثر ونزع الكرسي المهشم من يد الطفل قائلا: "ليس لديّ أي رغبة في التخلي عن ذلك الكرسي وأنوي دفنه." فدارت معركة بين هذين المتناحرين على الكرسي.

وأثناء حدوث الشد والسحب في اللسان والإشارة، وقفت سيارة حمراء مكشوفة تقودها شابة جميلة أخذت تنظر بعينين كأنهما من القطب الشمال بما تحمل بما تحمل من ثلوج، تقوم بتصوير تصادم الرغبات في الإثارة من قبل هذا الرجل للطفل وتمسّك الطفل بالكرسي المهشم وصراخهما الذي يعلو.

تطلعت إلى معرفة النتيجة بتحمس مجرد من الشيء وحقيقته، نزلت من سيارتها وبهدوء سحبت الكرسي من يد الاثنين وبهدوء مفرط وضعتها في سيارتها وانطلقت وسط دهشة الجميع.

D 1 آذار (مارس) 2007     A رحاب الصائغ     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  يوم أرض بنكهة خاصة

2.  التجريب في رواية المتشائل

3.  البديعيات: فن بلاغي يحتاج إلى التأمل

4.  مرافىء السفـــــــر

5.  الكتابة لليافعين: ندوة