هدى الدهان - العراق

حبات الماء


إلى متى يظل العمر يتسرب من بين أيدينا كحبات الماء ولا نشعر به؟ تترك قطراته آثارها على أناملنا، ولكنها حين تضم بعضها بعضا في راحة اليد، لا تجد نفسها تحتضن سوى فراغ.

ليت شفاهها بقيت ظامئة إلى تلك القطرات. تحلم بها. ترويها. وتُنبت الحياة فيها على أن تتذوق طعمها المالح كعرق المتعبين وكدموع الحزن. كلماته في ثورة غضبه ما تزال تذكرها. أصابـع يديه وهو يمسك بشعرها ويهزها لتنطق بكلمة ألم تأبى النطق بها لأنها لا تتألم، فالحرية لا تؤلم. ضرباته التي كان كأنه يضرب بها نفسه ليصحو من عشقه لها. كلماته. صراخه. ستظل تتذكرها وتتلوها يوميا كدعاء خاطئ ينتظر علامة توبة. تتذكرها حتى لا تعيد إلى رقبتها هذا النير من جديد.

لماذا غضب حين أخبرته أنها لا تريد أن يستمرا بالعيش معا أكثر. كان ارتباطها به مجرد رغبة اجتاحتها، وهي أن تتذوقه. وقد كان. فلماذا غضب حين أخبرته أنها قد اكتفت من طعامه، وأن مائدته التي أحبت تذوق طعامها البري لم تعُد تُشبعها أو حتى تفتح شهيتها للأكل؟ عجيب أمر الرجال! أليس قول الحقيقة أفضل من الجلوس أمامهم والتظاهر بالاستمتاع بالأكل، ونفسها في الحقيقة تتوق إلى ما على موائد الآخرين التي كانت يوما ضيفتها الرئيسية فتبتسم لهم بعينيها وتقوم من أمامه بلا استئذان، وربما تحمل حتى كرسيها معها لتجلس إلى مائدة أخرى تعشق ضوء شموعها الرومانسي الذي يضحكه، ومفرشها الناعم الذي يدللها قبل اليد التي تداعبها؟ مائدته خشبية ويده أكثر صلابة منها. إنها لا تنكر أنها عشقت السنديان يوما لأنه ينبت من الأرض التي منها أتينا، وأحبت خشونة يديه وقبلتها لأنها لم ترّبت على يديها بل اعتصرتها بكل رجولة وقرصتها لتقول لها بصمت لذيذ إنها تشتهيها ثم لم تعد تريدها. تريد شفاها تقبل يدها وتعشق من يستأذنها قبلها. لماذا غضب؟ لا تدري.

تتذكر حوارهما معا بعد أن هدأت نفسه، وربما خاف عليها أن تفقد وعيها بين يديه خوفا من غضبه، قبل أن يفهم منها لماذا تريد أن يتركها ترحل، فقرر أن يكلمها بمنطقها أن (يحاور).

"عشت معك أياما حلوة أو بالأحرى سنوات ملؤها الحب والاحترام. ثم أحسست أني أضيع فيك. في همومك ومن أجلك. كنت أما لك أكثر مما كنت زوجة. عشقت فيك عفويتك وطيبتك وجدارا من الأمان اتكئ عليه، ولكني أحس أني أصبحت أذوب فيه لأتحول إلى حصاة صغيرة تسد ثقبا فيه لا أكثر. وأنا لست هكذا. أنا أريد أن أكون السقف والبيت وما حوله من حدائق غنّاء. ومعك أفقد هويتي. أحتاجك دائما. لان ذراعيك تحيطانني حتى وأنت تغفو تحسسني بالحاجة إليك وبحاجتك إلي. أنت تخنقني، تشدني، كما يشد الطفل ثوب أمه. وأنا حتى وأنا طفلة أبت نفسي أن احتاج إلى أحد أو اشد ثوب أحد تعلقا به."

بصبر قاض على شاهد الزور أجابها:

"أخبرتني أنك تحبينني."

"أنا لا أعذب نفسي بأي حب. الحب خُلق أساسا للمتعة والراحة، وإذا تحول إلى عذاب فالاستغناء عنه يصبح ضرورة وفرض عين كما يقولون، فالحياة لا تحتمل المزيد من العذاب. ثم هل أخبرتك يوما أنني أحبك؟ بلساني؟"

"لم تنطقيها، ولكني أحسستها."

"الإنسان، والرجل بالذات، يصدق ما يريد. أحببت تجربة الارتباط بشخص مثلك، وحين تذوقت طعم العشب وارتشفت من نقاوة ينبوع جبلي، ببساطة، اكتفيت منك. كلنا نـحب الأرض التي منها خُلقنا ونحب الاستلقاء على الحشائش ونغوص في الماء متأملين أو سابحين، ولكننا لا نمنحها أكثر من عطلة ريفية في نهاية الأسبوع، ثم نعود إلى حياتنا في مدينتنا التي نضيع بين مكاتبها ورائحة أحبارها ودخانها. وحين ارتبطت بك زوجا، وصدقا أُخبرك، أنني لم أحدد زمنا لعودتي، وكنت أظن أني لن اشتاق في حدائقك إلى جدراني. أما وقد بتُّ احلم حتى برطوبتها، خفت عليك من أن أخنقك بتذمري، فقررت أن أعود إليها شاكرة لك حسن استضافتك لي. وان كنت تحبني فحبك لي هو حب من طرف واحد، وهو حب خطأ من الشخص الخطأ للشخص الخطأ في الوقت الخطأ، وهو حب يائس تعيس لن تجني من ورائه سوى العذاب والتعاسة، وإن كان مصدر متعة لي."

"نعم، والآن ما أنبلك! تُضحين بهذه المتعة من أجلى أنا؟ أنت متفرجة لا أكثر، وعذابي يثير شفقتك. هل تعرفين أكثر ما يصيب الرجل أي رجل في الصميم؟ إحساسه بأن حبه لمحبوبته الذي هو أغلى عنده من أي شيء في الوجود قد أصبح –وفي عيني محبوبته بالذات وليس في عيني أحد آخر – خطأ عليه أن يبادر بتصويبه ومدعاة لشفقتها عليه وإفطار قلبها من أجله مع أنه مصدر متعة لها، تستمتع به وحدها، وهذا يعني بمعنى آخر: كف عن هذه الحماقة أيها الأبله وأفق من جنونك، فأنا أخذت كفايتي من الاستمتاع بالعرض الذي قدمته، وبمشهد العشق الذي أضنيت نفسك بعذابه. هذا هو الجرح البليغ الذي استشعر به الآن. لكني لا أجيد العتاب ولا أحب أن أقف من اعز الناس موقف المحاسبة، لأنني الخاسر في كلا الحالين. أنا لا أحملك أي مسؤولية عمّا حدث، أتحملها وحدي واعتذر عن كل لحظة لم أكن أجيد فيها التعامل بمنطق أوراقك وأحبارك، بمنطق تقبيل الأنامل والورود الحمراء والهدايا المخملية. حين اُحبك احتضنك بعنف إعصار، وحين تعودين من عملك اندفع إليك كبركان فأراك متعبة فتغوص حممي وتتحول إلى أمواج هادئة لتحتويك وأخبرك أنني انتظرك على الغداء فقط لاستمتع بمنظرك وأنا أراك تأكلين كطفلة وتتحدثين لي عن يومك في العمل. حين أشتهيك يا أنثاي فليس شرطا لاستمتع بأنوثتك أن يكون شرشفنا معطرا، وأن نكون في غرفة نومنا، وأكثر ما يضحكني منك شمعتك التي تصرّين على إيقادها وقتها. ما الذي كنت لا تريدين أن تريه ألا حين تزينيه بضوء الشموع؟ أم خفت أن اكتشف في عينيك أي مصير ينتظرني؟"

خرجت من المنزل الذي لم تحس يوما أنه لها أو يحتويها. لم تحس أنها تفقد شيئا ما دامت حقيبة أوراقها وحاسوبها معها.

بدأ مساءه مستلقيا على سريره الذي اعتاده منذ زمن، في غرفة لا تدل على وجود حياة فيها سوى صوت أنفاسه وتلك الصورة التي كانت صاحبتها تملأ نصف سريره بجسدها وروحها.

أغمض عينيه ليبدأ حلمه:

أحد عشر رقما. ضغط بإصبعه على أزرار هاتفه المحمول ليستمع إلى صوتا أحس بأنه بدأ يسري في عروقه ليجعل مع أنفاسه أنفاسا أخرى تختلط بها داخله، صوتا طالما حلم بسماعه يحمل كل معاني الرقة والحنان، صوتا لملاك أرسله الله له من السماء.

قضى أجمل أيامه حيث يبدأ يومه بسماع نغمتها الناعمة تنطق بأعذب الكلمات من قلب صادق. أحتاجك. ضمني إلى صدرك. تلك الكلمات التي اعتاد سماعها حتى أدمنها مثل سكائره.

أدرك بأنه يحبها لدرجة أنه بدأ يشعر بدفء شفتيها ورائحة جسدها من خلال صوتها، وحنان صدرها الذي طالما تمنى أن يلقي بهمومه عليه.

بدأ يحلم معها بحياة يملأها الحب والحنان، ويغلقا عليهما باب غرفة يملأها شوق وعواطف لم يعيشاها من قبل. حلم قد بث فيه كل مخاوفه. وسمعها تحاوره لتزيل عنه كل مخاوفه، كأم تنفض الغبار عن ملابس طفلها وتشجعه على مواصلة اللعب.

رأى نفسه جالسا أمام شاشة الحاسوب يبحث ويتقصى من هي حبيبته التي طالما جلسا لساعات طويلة يتحدثان بالهاتف عن ليلة زفافهما وكيف ستكون حياتهما مستقبلا.

أتاه صوتها مرددا.

"أنا التي طالما انتظرتك سنين طوال حتى التقيتك أخيرا، وانتظر يوما ألقي فيه بنفسي على صدرك. لتكملني."

"آه. وجدتها، أنت بطلة قصة الدواة المكسورة."

"دواتي مكسورة بدونك."

"نعم، وجدتها." صرخ قائلا. إنها تلك الإنسانة التي تعود دوما لتسقي نبتتها في قصة (نبات الظل). لا، لا اعقد ذلك. وتساءل هل من الممكن أن تكون هي بطلة (البرقع)؟ أعياه التفكيرـ وبعد برهة أيقن بان من يحبها هي البطلة الوحيدة لتلك القصص جميعا.

"هذه القصص أنا اخلقها واخلق شخوصها، ولست بطلتها، ولو كنت بطلتها فعلا ما جئت إليك."

أمسك بفنجانه وأخذ رشفة من قهوته التي اعتادها، وأشعل سيكارته التي طالما تعود أن يسحب دخانها إلى صدره، معتقدا بأنها قد تزيل قلقه. ولكن من أنا؟ أخذ يفكر. ربما سأكون بطلا لقصة جديدة أو ربما سأكون نزوة عابرة في حياتها.

"هذا تجريح يؤلمني. فلست عابرة سرير لكل رجل ألتقيه لأكتب عنه فيما بعد. لست هكذا، ولست أنت من تفكر بهذه الطريقة."

همس قائلا مع نفسه. "أتحبني فعلا؟ فأنا رجل بسيط كانت آخر طموحاتي أن أكوّن أسرة ويكون لي زوجة وأولاد لأعود لهم إلى البيت محملا بالأكياس التي تحتوي على ما تطلبه مني زوجتي من احتياجاتهم."

"لماذا لا تصدق أني كنت ابحث عنك، وعن هذا الرجل؟ ولو شئت لتزوجت من أصحاب القلم والقاموس ما أشاء."

"أصبحت نصف إنسان. كيف سأكمل حياتي؟ لم يبق لي هدف لأعيش من أجله."

"ولماذا لا يكون بيتنا هدفك في الحياة؟"

همهم متسائلا: "ما الذي أحببته في، فأنا أعيش في عالم يبعد عن عالمها ملايين الأميال ولا أستطيع أن أجاريها بما تطمح إليه؟

"وإذا كنت أنت من اطمح أنا إليه؟"

أحس أن القدر قد كتب له أن يقضي سنين حياته الباقية نصف إنسان. أطفأ الشاشة وانطفأ معها حلمه ليعود بعينيه إلى غرفته الحزينة وإلى فنجانه المكسور وإلى علب السكائر المبعثرة في أنحاء غرفته.

سمع صوتها ضاحكة تقول له:

"عدت لأعتذر. بماذا تحلم؟"

"حلمت أني ارتشف القهوة وأدخن في غرفتي وحيدا لا أكثر."

"أيا كان ما تحلم به، حلمك سنحياه معا، وغرفتك سنشعل فيها ضحكاتنا على السرير، وفنجانك سأشتري لك غيره، وسكائرك ستزهد فيها حين يصبح فمي قريبا من فمك."

هل تمثُل أمامه حقيقة أم ما يزال يحلم؟ إنها هي حقا. عادت بهذه السرعة؟ كم مضى عليه نائما وحيدا؟ شبهته بالعشب والأرض والناس يُخلقون من التراب ولكنهم لا يعودون إليه بإرادتهم بل تخطفهم غفلة الموت، فهل تُعده بمثابة قبرها؟

سمع ذلك الصوت الناعم: "حبيبي أحتاجك."

"اعترفُ بأن الإحساس بحاجتك إلي أنعشني في البداية وأشعرني بأني ملكة إن منحت أحد رعاياها رضاها انتشى فرحا، وإن غضبت عليه مات رعبا. ثم بدأت أبحث عن الصولجان والتاج فأجدهما في يديك تزينني بهما وتحرمني منهما متى ما تشاء أنت. اعرف أن هناك طابورا طويلا من هواة الأصفاد. أما أنا فقد دفعت طوال عمري ثمنا غاليا للحرية، ولا اعتزم التضحية بها، فافتح باب قبول العطاءات وستجد ملايين الأيادي الممدودة ولكن يدي لن تكونا واحدة منها."

"الأصفاد كثيرة عزيزتي، إن لم تتمتعي بلبسها معي كأساور ذهبية، غيرك تقدم يديها الاثنتين قربانا لنا."

"فارس أحلامي رجل يحبني أكثر من نفسه. يتحمل عيوبي ويعشق حسناتي. ورجل حياتي إنسان يحتويني كزوجة ويصبر على كطفلة، ولقيت الاثنين معا فيك."

"كلامك يقطر شهدا ولكني قبلت التحدي ولن أخافك بعد اليوم، فإن كنت عطرا فأنا قارورتكـ وإن كنت إعصارا فأنا جبل تخشع على سفحه الأعاصير."

"آه كم جميل هذا الحلم!" قالها عندما فتح عينيه ليجد خيوط من أشعة الشمس تغلغلت إلى غرفته. تمنى في حينها لو بقي مغمضا عينيه ليكمل حلمه الجميل وحيدا.

D 1 آذار (مارس) 2007     A هدى الدهان     C 0 تعليقات