سهير شكري - مصر

قصتان: الشبيه + البعث

الشــــــــــــبيه

أبرق لها عينيه: انتفض شاربه إلى أعلى. وضع مسدسه فوق المنضدة. صرخ في وجهها.

"أنا هنا السيد. أنت الخلعة التي خلعها الله علي."

ثم أعطى لها ظهره. علا شخيره.

خرجت منه رائحة كريهة مقززة. تنظر إليه باشمئزاز. تشعر بالغثيان.
ترفع عينيها إلى الجعران المقدس. يحمله قرص الشمس.

"هل من مغيث؟"

يرد عليها الشيخ الملتحي:

"لا يحق لك أن ترفضي له طلبا. هذا قدرك. عليك الطاعة العمياء. لا تجادلي. والا غضب منك الإله."

انتفض جسدها. علا تنفسها. إختنقت من نبرة التهديد التي تغلف حديثه. تسرب اليأس والقنوط إلى روحها. تعود وتنظر إليه (تحدث نفسها) بالرغم من أنه بلغ من العمر أرذله، والموت يدور من حواليه، يحصد من أيامه الخوالي، ما زالت عيناه براقتين قاسيتين تشتهي أن تلعق مزيدا من الدماء.

فلتحرسنى منه عين حورس كما تحفظ المومياوات حتى ابعث من جديد إلى الحياة.
أي لعنة أكنها له مخبأة بين ضلوعي. الحمى تشتعل داخل رأسي. الغضب مثل قطار مندفع كالبركان فأنتفض مثل ربة الثأر الإغريقية أحطم حواجز الخوف. أرغمته على الرحيل. تهاوت أمامى جدران الظلام والصمت فإذا كان جسدى من طين الأرض فروحى مضيئة تستمد نورها من القبس الإلهي الذى أودعه قلبي.

دخلت حجرتى لأول مره منذ ثلاثين عام من الضياع والخوف استباح فيها جسدي وحاول تحطيم روحي.

منيت نفسى بنوم هادئ وسرير طاهر وجو معبأ برائحة الورد. لكن استيقظت فجأة فزعة على نفس الرائحة المقززة. تملكني الرعب. أتشمم يدىّ. ملابسي. أغطيتي. يا الهي! نفس الرائحة تزكم أنفي وتشعرني بالغثيان.

جمعت كل ملابسي القديمة وأغطيتي. فتحت نافذتي لألقي بها لعلي أتخلص من هذه الرائحة المميتة. راعني وجود شبيهه تحت نافذتي. أغلقت النافذة أصابنى الخوف والقلق من أن أفتح بابي فأجد شبيهه خلف الباب تنبعث منه نفس الرائحة. أيقنت أن عشقه وولهه باستعبادي لن ينتهي بالرحيل.


البعث

ركب المسافرون الحافلة. كان السائق يبدو هادئا طيبا، ومعه الكمساري يتفحص بعينية الواسعتين المسافرين، وتباع ملابسه كلها شحم وزيوت. مهمته مسح الحافلة بعد اكتمال العدد.

سارت الحافلة بهم وهم يتطلعون للوصول تراودهم أحلام تتولد من خيالات المسافرين.
ما هي إلا لحظات حتى راح الجميع في نوم عميق.

أفاقوا وإذ بهم يفترشون رمل الصحراء القاحلة: لا زرع. لا ماء، وتحت جبروت الظهيرة ينظرون بعضهم لبعض فى ذهول، يتسائلون أين الحافلة والسائق والكمساري والتباع؟ هل ضللنا الطريق. عبثا حاولوا العثور عليهم.

اكتشفوا أنهم كانوا ضحية لعملية سطو من مجرمين عتاة خدروهم وسرقوا أموالهم ومتاعهم حتى طعامهم وطعام أطفالهم. ماذا يفعلون؟ أيقنوا أنهم هالكون لا محالة، وأجسادهم كادت تشتعل تحت الشمس المستعرة. لم يجدوا إلا كهفا في الجبل لجأوا إليه يحتمون به من وهج الصحراء.

وعندما آلت الشمس للمغيب حاولوا الخروج لعل الله يرسل لهم من ينقذهم. أصابهم الفزع وقد وجدوا الفتحة سدت بصخرة ضخمة يستحيل زحزحتها.

هل سيمكثون داخل الكهف حتى يدركهم الموت؟ ماذا يأكل أطفالهم إذا طلبوا الطعام؟ لن يجدوا إلا الحشرات. وماذا لو عطشوا؟ لن يجدوا إلا بولهم. إنكفأوا على أنفسهم وكأن الأرض تربض فوق كاهلهم. علت نداءات الاستغاثة والنحيب كأنهم خلعوا أردية الأمل على فتحة الكهف، بعضهم مذهول ينظر إلى حيطان الكهف الحجرية الصلدة والبعض راح فى غيبوبة وهناك من يتضرعون إلى الله بالصلاة.

الشباب يتناقشون يحتدون يختلفون منهم من يدين السائق والكمساري والتباع، وآخرون يدينون أنفسهم لأنهم ركبوا كالقطيع ولم يتحققوا من السائق، وثالث يلتمس لهم الأعذار فالسائق كان ذئبا يرتدي قناع الحمل الوديع.

وأخيرا خيم الظلام عليهم ليعلن أنه هو الحقيقة الوحيدة وليس الضوء إلا خدعة لتضليلهم، وأن السائق والكمساري والتباع الآن ينعمون بما سلبوا ونهبوا موقنين بموتهم آمنين فمن سيحاسبهم على جريمتهم؟

بينما اليأس والقنوط يسيطران عليهم إذ بأحد الشبان يصيح بأنه عثر على صندوق لعل بداخله بعض لقيمات وزجاجة ماء للأطفال الذين أصبحوا يواجهون الموت.

تجمع الكل حوله فى لهفة لكنهم للأسف لم يجدوا إلا بعض الأوراق والخرائط فانصرفوا ليأسهم. لكن بعد برهة صاح الشاب كالمجنون لن نموت غرباء يجهلنا العالم أحياء وأمواتا عرفت الطريق. تحت الصندوق سرداب لو تتبعناه سنخرج جميعا إلى الميدان.
صرخوا فرحين واندفعوا وراءه فى السرداب يحدوهم الأمل فى عودة الحياة حتى وجدوا أنفسهم وسط الميدان مرددين إنشودة النصر الهيستيرية يطالبون بمحاكمة السائق والكمساري والتباع. قبضوا بالفعل على السائق والكمساري وذويهم وسط ذهولهم لا يصدقون أن ضحاياهم مازالت على قيد الحياة يرددون كالمجانين من أنتم؟ من أنتم؟ ومن أين جئتم؟ هل الأرض انشقت وأخرجتكم؟

أما التباع فلم يعثروا عليه، فقد لاذ بالفرار مندسا وسطهم بعد أن غير من هيئته وأخفى سكينه تحت عباءته.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC