سالم ياسين - لبنان

مرة واحدة فقط


بعد مفاوضات سريعة مع السائق، أسفرت عن رضا الطرفين، أعانها والدها على الصعود إلى السيارة بساعد ضعيف مرتجف، ثم ألقى بكرسيها المدولب في الصندوق قائلا "مع السلامة يا بابا."

كنت أقرأ بعض الأوراق التي تناولتها في يدي بانتظار اكتمال عدد ركاب سيارة الأجرة المتوجهة إلى بيروت. وما أن هم شابان في مقتبل العمر بالصعود إلى السيارة حتى طلبت الفتاة من السائق أن تبقى في الوسط بين الشابين كي تتمكن من الجلوس باستقرار وراحة، لا أن تجلس في أحد الطرفين.

أخذني التفكير لوهلة: لماذا لم تجلس في المقدمة؟ كنت سأترك لها مكاني بكل رضا. لن تستطيع ذلك لأنها فتاة، إذ غالبا ما تجلس الفتاة في الخلف من باب "اللباقة" المفروضة بحكم جنسها، ولكن أن تجلس في الوسط بين شابين فإنها مسألة تضعها تجاه أمر أكثر تعارضا وأحكام "اللباقة" الاجتماعية المتبعة.

فاجأت كلمات السائق المعتذرة الشابين طالبا منهما أن يجلسا على الأطراف ويبقيانها في الوسط. وباستغراب باد على وجهيهما، توجها إلى الأبواب الجانبية وصعدا إلى مكانيهما.

"أنا عندي إعاقة وأفضل الجلوس في الوسط،" قالتها بكل ثقة وجرأة قاطعة خجل وتلعثم كلمات السائق لشرح الموقف.

جلس الشابان بصمت بعد أن ألقيا سلاما مقتضبا وبضع كلمات غير مفهومة ولكن تدل على تفهمهما للموقف.

توجهت بنا السيارة إلى بيروت عبر الطريق السريع، وما هي إلا لحظات حتى بدأت أسمع في الخلف كلمات مبعثرة بسبب ضجيج السيارة وصوت الهواء بفعل السرعة، تدل على أن أحد الشابين قد بادر إلى التعرف إلى الفتاة.

"لا أجلس في المقدمة. أخاف منذ ذلك الوقت. كان حادثا قويا."

كلمات حادة وصوت يعلو على ضجيج الهدير، قالتها شارحة سبب إعاقتها ومبدية اعتذارها عن الإحراج الذي تسببه للناس لدى التعامل معها بما تفرضه خصوصية إعاقتها.

نظرت بفضول إلى الخلف إثر طلبي من السائق أن يوصلني إلى أبعد من نقطة "الكولا" بسبب كلمات من الفتاة طالبة منه أن يقدم "توصيلتي" قبلها فهي ليست على "عجلة من أمرها أبدا."

فاجأتني ابتسامتها ملقية علي التحية وسائلة عن أحوالي.

فرحت بوجهها المألوف، ولمعت في ذاكرتي صورتها قبل أربعة عشرة عاما في أحد نشاطات الدمج الصيفية.

"هل تذكرني؟ أنا علا. كنت تلميذتك في مركز حديقة السلام."

قالتها بسرور لتأكيدي أني أذكرها جيدا بإيماءة من رأسي وأضافت:

"غالبا ما أصادفك في الطريق، ولا أجد فرصة لطرح السلام عليك إذ لا يبدو عليك أنك تعرفني."

شعرت بالضيق إذ إنني أتمتع بذاكرة قوية جدا، ولكن كنت أتجنب طرح السلام عليها فعلا. ربما خجلا من إعاقتها أو خجلا من "إعاقتي" إذ أتجنب الحوار بعد طرح السلام بما يرتبط بأين أصبحت وماذا أعمل.

لا شيء مهما. ما زلت اعمل في الجمعيات الأهلية. تزوجت ولي طفلان ولكن لا تزال الأحوال صعبة.

"كيف أحوالك يا علا؟ماذا تفعلين أين أصبحت؟"

قطعت أفكاري لأسألها بطيبة المهتم وابتسامتي تخفي لؤم من يستبق السؤال بسؤال لتجنب الإجابة.

"لا شيء. تعلمت في "أرض البشر" حتى الصف الخامس ابتدائي..وأنا في البيت منذ إغلاق "مركز اتحاد المقعدين" في صيدا. كنت في مخيم صيفي في الشهر الماضي ولكن لم أشعر بالسعادة فيه. هل لا زلت تعمل في إطار النشاطات؟ إذا كنت كذلك أخبرني للمشاركة في مخيم صيفي ولكن للكبار."

"نعم لازلت أعمل في إطار النشاطات بشكل عام. ولكن لماذا تقولين مخيما للكبار، فأنت لست طفلة للمشاركة بمخيمات الصغار."

"أعرف ذلك. عمري أربعة وعشرون عاما، ولكن بعض الأحيان أضطر للمشاركة في أي نشاط حتى ولو للأطفال فقط كي أفعل شيئا."

إذا، هو القيام بما أمكن على علاته فقط للشعور أننا نعمل شيئا ونجود من الموجود.

"هل تعلمت مهنة؟ هل تعملين؟" أسئلتي المباشرة كانت قوية كي أهرب من ضعفي في الحوار إلى أجوبة أقوى كالصاعقة.

"لا عمل، مع أن حالتي الجسدية تسمح لي بممارسة أي عمل في مصنع للحلويات مثلاً. ولكن لا أستطيع التحرك لمغادرة المنزل كل يوم بسبب السلم على مدخل المنزل، وأبي رجل كبير في السن ولا يتمكن من مساعدتي يومياً للخروج والعودة."

ذهلت أمام كلماتها وسألتها عن أي فرصة ممكنة أو حل لهذه المشكلة، فقالت بوضوح:

" أجريت دراسة عن التكلفة، وهي ألف دولار أميركي، لتركيب مصعد خارجي ولكن لا أعرف جهة معينة قد تغطي هذه الكلفة، فأحوالنا صعبة. هل تعرف حضرتك أي جهة ممكن أن تساعد؟"

تضاربت الأفكار في رأسي إذ لا أعرف أبداً أي جهة في الجمعيات التي قد تعنى بحالة فردية كهذه، وخرجت الكلمات من فمي متسارعة:

"لا أعرف جهة محددة ولكن إذا سمعت سأخبرك فوراً، هل لا زلت تسكنين في نفس البيت في منطقة الهلالية؟"

"نعم، أين سنذهب؟ لا يمكن أن نبيع البيت ونشتري بيتاً آخر فقط بسبب حالة فرد واحد من أفراد الأسرة، علماً أن أخي أيضا قد أصيب بإعاقة نتيجة حادث سيارة ولكنها إعاقة خفيفة ويستطيع التحرك والعمل حتى أنه تزوج."

أضافت قائلة: "كنت أود الالتحاق بدورة لتعلم لغة أجنبية، فغالبا ما ألتقي ببعض الأجانب ولا أستطيع التواصل معهم والشرح لهم عن الأحوال."

ساد الصمت على أثر ذلك الحوار باقترابي من نقطة الوصول، وقطعت علي الصمت قائلة:

"أود لو سمعت عن مخيم صيفي للكبار أن تخبرني كي أشارك فيه، فلست مضطرة للمساعدة من والدي عندها سوى مرة واحدة للخروج ومرة للعودة طوال فترة المخيم."

ابتسمت لها مؤكدا، ولذت بصمت ثقيل ناظراً باتجاه نظرها عبر شباك السيارة إلى الفضاء البعيد.

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2006     A سالم ياسين     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دعوة لتقديم أوراق بحث

2.  أرشفة أعداد عود الند الفصلية

3.  قراءة في "الحياة أغنية"

4.  كلمات متأنقة

5.  أنهى المهمة بنجاح


القائمة البريدية