نوزاد جعدان - سورية

أسرار الغناء

نوزاد جعدانتبرعمتِ الأغصان وأولدتِ الأزهار في بشارة لطيف الربيع القادم، وسعيدٌ يصيد الأسماك على شاطئ البحر، يغني أغانيه الشجية التي تعلمها من عزف الطيور على الجبال كقوس كمان ومن البحر الذي ترتع الأسماك فيه فيبدو البحر كآلة القانون، ومن حفيف الأشجار حين يداعبها النسيم فترنو قيثارة خلّابة، يغني للأسماك ثمَّ يصيدها، سعيد متوسط طول القامة ووقور المحيّا كقدِّ شجر الصفصاف له وجه تبدو عليه ألحانُ السنين، وعينان تحملان زرقة السماء وعمق البحر، يبلغ من العمر الربع قرن، حلم أن يدرس الموسيقى في إحدى المدن إلا أنَّ وضعه المادي لم يسمح له بالسفر خارج القرية، فاقتات من مهنة الصيد معزيّاً نفسه بالغناء للأسماك والأغنام التي تجترُّ الأعشاب ولأصدقائه المقربين، كانوا ينصتون له بوقار ويصفقون بحرارة وبعضهم يمسح الأمطار عن وجهه التي يولدها جحيم الإنسان.

يستمع إلى الإذاعة لأصوات لا تستحق حتى استراق السمع إليها وينزوي مع نفسه تحت أضواء النجوم ويحدّق في القمر ناسياً كل نجمة في السماء، يتخيل نفسه يعزف الفلوت على سطح القمر وموسيقاه تتزحلق مع الضوء.

يتذكر أباه الذي كان يحمل صوتاً آثراً ولكنه لم يحقق أية شهرة وبقي في إطار القرية حتى إنه مات وأهل القرية يضحكون ويسخرون من أغانيه فقد جنَّ قبيل رحيله وأمسى يتكلم مع الخراف والجبال، في تلك الليلة غنّى سعيد أناشيداً لفضائه الواسع ولأسماكه، لم يعرف السّر الذي يدفعه إلى الغناء، فشدا للبحر:

آهٍ أيا بحرُ!
تخبئ اللآلئ وبعض وجهِ القمرْ
تروي الحكايا تلصقُ الصورْ
آهٍ يا أسماكْ
مسروقةٌ أقداري واللصُّ ملاكْ

أنشد البحر معه، والعباب مطربٌ صامتٌ غناؤه عميق، والخراف غنتْ معه بتوزيعها الموسيقي وبشكلها الطربي، رجع سعيدٌ إلى المنزل بعد أن اتخذ قراراً بالسفر إلى المدينة، فربّما يحقق ما يبتغيه قد سمع أن الكثير من مطربي المدن حققوا شهرة واسعة وكانوا أبناء ريف، وضّبَ الحقائب وبعضاً من دمع أمّه وكلامها التي تعاتبه وتذكره بوالده وتقول له:

كنْ راعيا للغنم ولا تكْ مغنياً، كنْ أي شيء ولا تسلك هذا الطريق، تذكّر أباك.

لم يسمعْ منها وانطلق إلى محطة الباصات، وقف في انتظار الباص وأهل القرية ينصحونه بعدم الذهاب، أحدهم يقول ستبقى أمك وحيدة مَنْ سيرعاها فيجيبهُ سعيد: سأرسل لها النقود وما تحتاجه في هذا الزمن المال.

والأخر يقول له: ستبيع أمك الأرض الصغيرة وسيموت القطيع دون رعاية لتغطي مصاريفك، يا لك من ولد عاق، ثم يبصقُ ((تفوووووو)) على علبة التبغ التي بيده ويبلل سيجارته كي تطول مدة تدخينها .

جاءت الحافلة كسيارة الإسعاف بالنسبة لسعيد، فلم يصدق أن يتخلص من الأشخاص الفضوليين، صعد الحافلة وهو يحلم ببنات المدينة، جلس بقربه عجوز تصدر منه رائحة الغنم، لم يتوقف عن الحلم فكّر بكيفية تحقيقه الشهرة ولمعان اسمه في سماء المدينة، وشرائه قصراً كبيراً من الحرس والخدم و زيارته لبيت علياء تلك الفتاة التي أحبها وأحبته ولكنها تعرّفت على أحد زبائن سعيد الأغنياء وعرضت نفسها عليه ثم تزوجها ورحلا إلى المدينة، تذكّر في تلك اللحظة ساعة الخيانة وما تولده من جحيم في سراب الأفكار، غنى في تلك الدقيقة دون أن يعرف السر الذي يدفع للغناء فما هو السر الذي جعله يغني:

علياءُ يا نجمةً في الأفقِ تلمعْ
تدلّهتْ بالشمس فانطفأتْ
اسمعي أنشودتي
سيّارةٌ مغلقةٌ والصوتُ خانقْ
أمّا أنا
فضائيَ واسعٌ والصوتُ رائعْ

استيقظ العجوز على صوت سعيد وعيناه جحظتا:

"من هذه علياء؟"

فكر سعيد والرعب يسري بجسده، ربما اسم بنت العجوز علياء.

"علياء يا عمي، في هذه الأغنية كتبها شاعر من بلاد القلوب الجريحة اسمه نوزاد ولا اعرف إن قصد بها علياء من قريتنا أم من قريته.

"آها! ترى قريبة من ضيعتنا أم بعيدة؟"

"هي بعيدة جدا، خلف الجبال البعيدة تقع، ربما قرب تركيا أو لا اعرف أين."

"ها، تفووووو" (يبصق على سيجارته).
"غني لنا أغنية من الفولكلور والتراث."

"سأنام يا عمي ربما حين استيقظ."

حدّق سعيد بالطريق وبالجبال التي يتركها وبالطبيعة التي يغادرها، تذكّر أصدقاءه حينما كان دليلهم وعرابهم، كان مرشداً كالجبل الذي في قريته يدل كل ضائع إلى هداه، فرض شخصيته بكلامه الموزون وشجاعته.

طالتِ المسافة فجهل الطريق يضني، حين نعرف الدرب لا تطول المسافة، وصلت الحافلة إلى مدخل المدينة وسعيد مستغرب من أغاني المدينة الصاخبة ومن استعجال الناس وتأهبهم للنزول.

نزل وهو ينظر حوله يحرك رقبته بحركة دائرية كالمدور، ازدحام وأصوات عالية، أحدهم يركض والآخرون يلعبون كرة قدم في الشارع، والبعض يطارد الفتيات، الأمور غريبة في المدينة، لا نجمة ترنو والمساء يستر جسد المدينة العاري، تساءل: ماذا ستفعل يا سعيد هنا؟

ركب سعيد حافلة نقل داخلي، وهو يضع يده على محفظته فقد سمع بلصوص المدن، نزل في منطقة الفنادق في المدينة وهو ينشد مع نفسه:

كبيرٌ رصيفُ المدينة
بناءٌ سحاباً يناطحْ
كبيرةٌ أيتها المدينة
زوابعٌ ترفعُ الغبارَ
ضياعٌ بين أبنية عالية
تورّمتْ الأقدام بينَ حذاءٍ يبحثُ عن مكانْ

سأل فنادق كثيرة إلا أن أجرها باهظ وسعيد يملك نقوداً قليلة، لحق أحد الشبان بسعيد وهو يقول له أتريد فندقاً مع فتاة بأجر معقول تعال معي لدينا فتيات أوربيات ستستمتع الليلة، أبعده سعيد وتخلص منه، ولجَ حديقة وغفا على الكرسي، دمعتْ عيناه حينَ تذكر الأمان في قريته وعند أمه وبين أغنامه، فمع كل هزّة ريح يستيقظ وعند صوت خطوات سكير يرتجف، خلد إلى النوم جراء تعبه، استيقظ صباحاً وهو يتأمل البحر الواسع المسمى بالمدينة ولكن دون أن يكون له هدير جميل، فلم يستيقظ على صوت العصافير ولا على سيمفونية أغنامه، دقّ مضجعَ صحوته صوت خطوات المارة وهم يتأملونه بغرابة، شعر أنه يفقد شيئاً بدأ يتحدث مع نفسه:

كغيمةٍ شاردةٍ توقفتِ المسافةْ
في تراكم سحابات الأماني
شردتُ أمام الشمس سؤالاً
جرّني امتحانا
تكاثرت حفناتُ الأغاني أرصدة سهاماً
أمام فضاءٍ أصم
جيوب خاوية وفتات الطعام تسلبني الهناء

بعد أن دمدم مع نفسه، اتجه سعيد إلى الإذاعة وبعد جدال طويل سمح له الحرس بالدخول إلى الإذاعة، وصل لمكتب السكرتيرة:

"مرحباً."

"أهلين."

"أنا مغني. أريد مقابلة مدير الإذاعة أو الحصول على رقم هاتفه."

"ما الموضوع؟"

"موضوع بيني وبينه."

"إن لم تقل ما الموضوع من المستحيل أن أعطيك أي معلومة."

"الموضوع إنتاج صاروخ نووي. هل ارتحتِ؟"

انصرف من مكتب السكرتيرة وهي تحسبه مجنوناً، وفي طريقه صادف مخرجاً مشهورا يعمل في الإذاعة. عرّف نفسه على المخرج و ما يبتغيه من وجوده في الإذاعة.

طلب منه المخرج أن يغني أغنية فأنشد سعيد أغنية عن المدينة، صمت المخرج لبرهة وعيناه لم تستطيعا إخفاء الإعجاب بما غنى سعيد ولكنه خائف على كرسيه، فسعيد صوته طبيعي وفيه طبقات عالية ومرونة عالية، فأجابه المخرج بصوت خفيف ومهزوز:

"لا تصلح لدينا حتى بعد عشر سنوات أخرى. أغانيك خشنة جدا. أعتذر لكنه الواقع. حظاً موفقاً."

خرج سعيد من الإذاعة وهو يعزف على مزماره ألحانا حزينة، لم تك آماله في المدينة بهذا الشكل. لقد وضعت آمالا عالية ولكن هل ستقفز عليها يا سعيد! إنها ناطحة سحاب وطولك لا يتجاوز 175 سم! ردد في نفسه.

استغرب سعيد من أغانيه التي أمست خشنة ومن شخصيته التي بدأت تقترب من نجوم المدن الخجولة، كان لا يهتم سابقاً لآراء احد. أما الآن لا يستطيع إخفاء رعبه وخجله وإخفاقه.

مشى والليل يخبئ بعضاً من وجهه القبيح. اعتلى قمة وجلس على كرسي يكشف سفور المدينة بالكامل. في تلك اللحظة لم يعرف ما هو السر الذي يدفعه للغناء:

آهٍ وآهٍ يا ويلاهْ
من هذه الحياة أكفنُ الولهْ
تكاثرَ الأسى دخاناً من رماد أغانيهْ
سقى الجروحَ ملح بحرِهْ

سمع صوته أحد المنتشين سكراً، اقترب منه وهو يترنح:

"ما أعذب صوتك وما أجمله! تعال وغني في مطعمنا."

"كم تعطون في المطعم؟"

"نقودا تكفي مصاريفك، لن تجد عملاً في المدينة، المدينة دب، عليك أن تكون وحشاً لتسرق عسله، إذا أردت أن تعمل عامل تنظيفات يجب أن يكون لديك احد المعارف إما عامل تنظيفات خبير أو قديم في العمل أو احد المهرجين."

"وأنت ماذا تعمل في المطعم؟"

"أنا طبّاخ وسأكون واسطتك لدى صاحب المطعم."

كانت الساعة تدق منتصف الليل حين وصول سعيد وصديقه الطبّاخ إلى صاحب المطعم البدين والقصير والذي يملك خلفية تكاد تكون هضبة.

"السلام عليكم."

"وعليكم الهاي ورحمة الله، تعال ولك."

تجهم وجه سعيد فمن هذا ليقول له ذلك.

"غنّي لي شيئاً."

"تكسّرتْ أقدامنا في البحث عن عمل
واختفتْ من سمائنا نجوم الأمل
تخيّلوا ما عادتِ الحسناءُ تلفتُ النظر ْ
لا رملٌ يدمي العينَ بالألمْ

"ما هذه الأغنية الهابطة؟ أتريد إغلاق المطعم؟ يا لك من فاشل غبي، غنّي لي شيئاً يفتح الشهية على الطعام."

كوّر سعيد لكمته، ولكنه تراجع فهو مضطر إلى العمل، فالعمل أفضل من النوم على الرصيف أو في إحدى محطات الحافلات، لننسى المبادئ يا سعيد الليلة وغنّي لهذا المسخ. ردّد مع نفسه ثم شدا:

" مضيفاتٌ جميلاتٌ
على متنِ الطيّارةْ
يجلنَّ بينَ ركابٍ
ملائكةٌ
توزعنَّ ألتباريك على الركابِ والمارّةْ
جلستُ على الكرسيِّ وقربي
البنتُ محتارةْ
سلامي طائرٌ حرٌّ إلى أهدابِها الحلوةْ
وتخفي النظرةَ الخجلةْ
إلى أسفلْ
واللهِ! ما كانتِ البنتُ
مختارةْ

وافق صاحب المطعم عليه ، وبدأ سعيد بالغناء للجماهير المشغولة بالطعام، الكل منهمك في صحنه ويتجاهلون مغنّيا يشدو، شعر سعيد بفقدان شيء عزيز على نفسه فأصدقاؤه وقطعان الأغنام والحمير في القرية كانوا يصغون له أفضل، تذكّر في تلك اللحظة قريته وأهل قريته وآداب حديثهم فالناس عندهم لا يقاطعون المتكلم، وإن غنى أحدهم يصفق له الجميع. أما هنا فالمجاملات على الوجوه والنوايا مختبئة في قفص كوحش يستعد للانقضاض، في تلك اللحظة أوقف سعيد أغنيته وغنى أخرى:

ما أنا بفاعلٍ بينَ حفنةِ أغنياءْ!
وجوههمْ
أقنعةٌ مزيفةْ
رغباتٌ كالوحشِ في القفصِ مختبئةْ
آمالهمْ
كنجمةٍ في سماءِ المدنِ تعرّقتْ
خجلاً من أضواءِ أعمدةِ الرصيفْ
وأنا نجمٌ
سماءُ القريةِ تحضنهُ
أقولُ حقّاً على عفويتي
ما أنا بفاعلٍ بينَ حفنةِ أغنياءْ!
اختفتْ في زيفٍ عقدتُهمْ
على الشفاهِ تراقصتْ
مجاملاتهمْ
كالثمارِ التي لأولِ سيّارٍ
تسقطُ
تلبّدتْ بالغبارِ سماؤهمْ
فلبسوا الدولارَ شمساً
قبعةٌ من الغباءِ فاعترتْ رؤوسهمْ
ما أنا بفاعلٍ بينَ حفنةِ أغنياءْ!

وعلى الفور رشقه الجمهور بالملاعق والأشواك وأمسك به حرس المطعم ورموه خارجا بعد أن أبرحوه ضربا.

استجمع سعيد قواه وحنّ إلى أيام قريته وقتما كان كنجمة القطب بين أصدقائه يلمعُ، كان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وأجملهم حديثا، تعجب من تبدّله فهو يشرد كثيرا وما من احد يسمعه حين يتكلم بدا كنجمة المدينة تخنقه أضواء الرصيف.

سعل سعلة شديدة وكأنه نثر عدساً على كفة الميزان، اتجه إلى بيت قريب له لينام عنده، وقريبه من الشخصيات الغبية التي تحب أن تتذاكى وسعيد ضيف مجبر على هز رأسه، وإن أخطأ بحقه فعليه بالإيجاب، صار يسمي سعيدا بتسميات ويضحك على شكله وأعماله وحين يتكلم سعيد يقاطعه ألف مرة ويسكته ، حين تكون ضيفا تفقد شخصيتك رويدا رويدا ، وأبسط كلمة تجرحك، وحين يحكي الضيف نكتة سخيفة عليك بالضحك مجبراً حتى لو لم يرد عليك، وإن عبس في وجهك فعليك بالضحك، ملّ سعيد من هذا الحال السيئ وقلة المال والحيلة، ومن قميصه الوحيد الذي يغسله في الليل بيديه وفي الصباح ينشف فيلبسه، تساءل يا كاتب الأقدار أيعاكسني القدر ، ماذا فعلتُ؟ أتراها ضاقت علي وحدي وكل من توظّف كان عجوزا يا ترى بماذا أذنبتُ وماذا فعلتُ حتى ضاق الطريق فيّ كالمشنقة.

لم يصدق أن يأتي الصباح ليغادر منزل هذا العجوز والمضيف الثقيل، وليبحث عن عمل، بحث عن عمل في الإذاعة وحفلات الأعراس والمطاعم ولم يجد، أدمى الحذاء كعب قدمه فكسره وجعل منه خفاً ، وأنزل البنطال للأسفل كي يخبئ الحذاء، في صباح حار من صباحات تموز، ركب سعيد القطار وغادر إلى مدينة ثانية ، أخرج صور العائلة وتأمل وجههم وتذكّر أمه وقريته وبدأت الدموع تعتلي مكانها على وجنتيه ، حدّق في هذا السفر الطويل والدرب الشائك وفي حقيبته الصغيرة التي بيده، صار يكرهها ويكره شكلها، بدأت ثقته بنفسه تضعف، تذكر أمه ووعده أن لا يعانقها أو يسمع صوتها إلا وهو شخصية كبيرة ذا مال وجاه، آه من الماضي والحاضر والمستقبل حين يولدان من رحم واحد ويكونون أصدقاء في رحلة واحدة يمشون سوية، لنَ تبقَ عارياً في الصباح سيلبسك الظلام يا سعيد، غنّى مع نفسه توقف القطار في المحطة ، وبدأت جموع الناس تتزاحم لتخرج بسرعة فهذا الذي يصدم وذاك الذي لا يصدق إخراج لفافة تبغ ليدخنها، استغرب من منظرهم علامَ يستعجلون؟ سيصلون يوماً.

في هذه المدينة الناس يقدرون الغرباء ويفضلون الغريب على القريب ، فللأجانب مكانة عالية جدا، لاحظ الناس التي تعتبر من يلبس طقماً رسمياً شخصية هامة، تفكيرهم محدود وعيون أناسها تبحث عن الكرسي، رانت باصات المدينة التي سمّاها سعيد بحافلات العبيد، فحين تنظر إلى تكدسهم وهم ينظرون إلى الأسياد ويمسكون بالقضيب الفولاذي كي لا يسقطوا، ينظرون من وراء الزجاج بعينين تحملان ألوان الأسى، كأن عيونهم ميزانٌ يحكي عدالة الكون، آه من باصات العبيد!

كان مرهقا من السفر نظر حوله وفكر أن يرتاح ولكنه أراد الوصول إلى الإذاعة بأسرع وقت، انتظر مقابلة المدير وبقي يترقب لساعتين ومن ثم سمحوا له بالمقابلة، شكر الله ودلف إلى المدير، سلم عليه وغنّى له، أعجب المدير بصوته وبطبقاته ولكنه لم يوافق على طلبه فما من شواغر، فعدد الموظفين كامل وأخبره إن كان مضطرا إلى العمل سيتكلم مع صديقه الذي يملك مصنع بوشار.

صُدم سعيد فقد جاء إلى المدينة ليصبح مطرب إذاعة لا بياع بوشار ولكنه مضطر والإنسان يتقدم درجة درجة. وافق على العمل وأرسله المدير إلى صاحب المعمل.

وافق مدير المعمل عليه كونه يملك شكلا جميلا وقواما جيداً، وسلمه آلة لصنع البوشار وعين له مكانا يكتظ بالعامة ليبيع فيه، كما عيّن له فتاة مساعدة له اسمها ليلى، حسناء تجذب الزبن في هذه المدينة الغبية التي ينجذب الرجال فيها كالمغناطيس إلى النساء.

عمل سعيد والزبائن يقتربون منه للتسلي بالكلام والضحك عليه، أما هو فمجبر على الابتسامة لمن يجرح قلبه، كان ينادي بصوت خجول وضعيف: "بوشار. بوشار."

كانت مساعدته بالكاد تسمعه قالت له صارخة:

"لماذا تخجل؟ أطلق صوتك عاليا."

في تلك اللحظة غنّى بملء حنجرته وكأنه طائر خرج من قفصه:

ما كان ينقصك سوى شعلة حتى تصير حريقَ الكمالِ
بوشارٌ بوشار
ويخفي ليلنا الأسرار
تعالوا أيها الصغار
واشتروا من عنديَ البوشار
ستذكرونني حين تملكون القرار
وتنشدوا قد ضاقت في وجهه الأقدارْ
بالونكم يسبح من غير جناح
ليتني بالون في هذا الفضاء .

استغربت ليلى من صوته الأثر: ياه! أنت تملك صوتا أخّاذا جميلا، ستعلمني الغناء فإن صوتي جميل يحتاج إلى تدريب، أرجوك علمني فأنا أبحث عن شخص مثلك منذ زمن.

لم يجبها سعيد بشيء، فما يعتريه من ألم لا يدفعه إلى التفكير بشيء، بدأت الفتاة تلبس لباسا تغري سعيداً به وتتغنج وتقترب منه، وتدعي حبها له. فلحَ كيدها في سقوط سعيد بهواها فما كان ينقصه إلا الحب ليصبح جرحاً كاملاً.

لقّنها سعيد الغناء، ومضى وقت وأصبح صوتها من أشد الأصوات مرونة وأعلى الطبقات قوة، صارت تغني وسعيد جالس في مكانه لم تعد تهتم به، وعندما يريد الغناء توقفه وتغني بدلا منه، ما عادت تمدح صوته ولا حتى تثني عليه، ومرّة صدفها رجل وأعطاها بطاقة عمله فسألها سعيد عنه أجابته يريد كمية من البوشار لنوصلها لمنزله.

بدأ حبها يسري في شرايين سعيد كالنيكوتين، تعلق بها كثيرا ومرّ يومان ولم تأتِ ليلى إلى العمل تساءل سعيد أين غابت؟ لم يعلم أحد عن سبب غيابها وإلى أين فرّت فقد تركت بيتها، وتركت العمل دون إبداء سبب ودون أن تقول لسعيد وداعاً. طارح سعيد الغرام مع حزنه فها هو أمل أخر تفترسه السماء فماذا ستفعل؟

بدأ عمله بالتدهور ومبيعاته أيضا، صار منظره بائساً كالمشردين، والحزن على عينيه ما عاد يمحى، فطرده مدير المعمل من العمل.

بقي سعيد بدون عمل، فمن أين يقتات؟ وأين سيسكن؟ فقد براءته القروية وأصبح لا يثق بأي شخص كان، تسكع في الزقاق وأسند رأسه على حائط مرحاض قديم وقرر أن يبيع ألحانه إلى ملحن مشهور بمقابل مادي وان تذهب الحقوق الفكرية له. باع أغانيه وسمعها في الراديو ولكن اسم الملحن مختلف ، أمسى كأب باع أولاده في البازار، مضت أشهر وسعيد يصرف نقوده على الحانات حتى أفلس. اقترب من فندق تذكر فيه أن شابا صار يلحقه ليأخذه لبيت الدعارة. وصل للشاب وأخذه إلى عاهرة، فربما حضن مومسا تنسيه آلامه. دفع النقود وجلس في الغرفة ينتظر قدومها. ها هي من بعيد ترنو. فتحت الباب وفتحت لسعيد أبواب الشجون، عيناها بدأتا تدمعا ولكنها شبه عارية، حدق في الفتاة تذكر أنه كان يتمنى أن يرى تفاصيل جسدها الأنثوي، ولكن ليس بهذه الطريقة، نظر إليها وهي تبكي وهي مجبرة على البقاء فلم تعد علياء الفتاة القروية التي تصدّ الشبان هي الآن مجبرة على الجلوس مع الزبائن الذين يفكرون بجسدها لا بوجهها الجميل. اقتربت منه لتغريه، ودموع سعيد تفرش بساطها على غيمة وجهه، ركض وخرج من الغرفة وعلياء تناديه بصوت عالٍ:

"الحياة يا سعيد كرة مدببة من الدبابيس تسكن قلبنا، لحاف أبيض تحته الأشواك تقبع، سامحني."

فرّ سعيد من عندها وهو لا يستطيع الغناء فكّر هل بينه وبين الليل كل هذه الأسرار والصور.
وقف عند شاطئ البحر تأمل مركبا يعوم في الليل بسراجه الخافت، نظر للبحر فانعكست صورته رمى حجرا إلى القاع فظهر القمر ففر منه، اتخذ قراره بالسرقة، وقف في حي منعزل وبدأ ينتظر أحد المارة ، دنا منه شخص تبدو عليه علامات الغنى أخرج سكينه ووضعه على رقبته مطالبا إياه بما بحوزته.
سقط الرجل على الأرض وبدأ يخرج النقود وصوت النقود يصدر لحنا قاسيا فقد كان معظمها قطعا معدنية. حاول الرجل إبعاد سعيد بالهرب منه فطعنه سعيد جرحا بليغا كردة فعل دون قصد، توقفت أنفاس الرجل وهو يلهث قال له:

"أيها الوغد منذ سنة وأنا أجمع المال لأشتري لزوجتي ثلاجة. لقد سرقت حلمنا وحلم أولادي لعنك الله، ثم غاب عن الوعي."

ركض سعيد وهو يبكي، لم يستطع حينها الغناء. هناك حرقة تمنعه، أصبح وجه الرجل صورة ثابتة في مخيلته، جلس على الرصيف وانتظر حافلة قريته، ركب الحافلة وهو محطم، كان ينظر إلى أسفل كي لا يرى أحدا من معارفه، صار ينظر من النافذة ويفكر بما سيقوله لأمه عن المدينة وهل سيحكي لها عن جريمته التي ارتكبها.

قطعت سلسة أفكاره صورة إعلان معلق في الطريق: "حفلة غنائية للفنانة ليلى في دار الأوبرا الليلة".

ابتسم ساخراً وضحك بصوت عال حتى دمعت عيناه، حسبه الركابُ مختلا عقلياً، وصل لقريته وصورها تبدلت أمام ناظريه. حسب نفسه غريباً، لم يعرفه أهل القرية، تبدلت ملامحه كثيرا واختفى من عينيه البريق، سأل أحد المارة عن أمه، أجابه إنها توفيت إبان رحيله بعد أن أكلت الذئاب قطيع أغنامهم وبعد استيلاء جيرانه على أرضهم، وقف أمام منزله وصورة أمه تغطي كل ركن منه، صرخ: "أمي." ردد الحائط الجواب.

وقف كعاشق يحج إلى مكان حبه الأول ومتهم يزور مكان جريمته، مشى في ذلك اليوم المتعب وهو يردد لو لم تكن القرية قمرا خجولا لما أحرقتنا شمس المدينة. متعب يا أمي هذا المساء.
وصل إلى قبر أمه. أراد أن يغني هناك الحياة حلوة. لم يستطع. وقف عند الضريح. تكلم مع نفسه، ثم صمت واعتلى قمة جبل وغنى هناك أغنيته الخالدة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC