إبراهيم يوسف - لبنان

أم الفضل والخفاش

قَتَلْتُمْ إبْنَ بنتِ نَبِيِّكُمْ، فلا آمَنُكُمْ على نفسي (البومة)

كانَ المَلِكَ المطلق، عاشَ مَجْداً خَضَعَتْ له الدُّنيا، أقامَ فيها العدلَ وحكمَ بالقِسطاس، سخَّرَ اللهُ لهُ الأرضَ ومن عليها من الإنسِ والجان، يُحَدِّثُ الطّيرَ فتُصْغي إليه، والريحُ ينفخُ فيها متى يشاء.

توَّجَ للهُدْهُدِ رأسَهُ ولوَّنَ ريشَه. زوَّدهُ بما يُدْهِشُ قلبَ المرأة ويسبي عقلها. وأطلقَهُ يتجَسَّسُ على ملكةِ اليَمَن. ثمَّ أعدَّ لعرشِها بساطَ الرِّيح، وأقامَ لها مساكبَ الوردِ وحدائقَ النُّور. استقدمَ لها الذَّهَبَ من "تَرْشيش"، وبنى من أجلِها قصراً مِنَ الفِضّةِ والياقوت. أبوابُهُ الألف من خَشَبِ الأرْزِ، وجدرانُهُ من البلّورِ والفيروز. وأوعزَ إلى خدَمِهِ من الإنسِ والجن، فأحضروها إليهِ قبلَ أن يرتدَّ طرفُهُ إلى عينيهِ.

جفاها النومُ بعيداً عن "سَبَأْ". أرِقِتْ في الليلةِ الأولى، ولم تُجْدِها المُسَكِّناتُ من مستحضراتِ البَيْلَسَانِ وِالزيزفون، فتقلَّبتْ على فراشٍ كأنَّهُ صُنِعَ من شوكٍ أو حَديد. وحينَ أدركَها الصباح، دَفَعَتْ عن نفسها ما لاقَتْهُ في ليلِها مِنْ وَهَن، وأصدرتْ أمرَها للمَلِك، كي يجمعَ لها رعاياهُ مِنَ الطيْر. فامْتَثَلَ الملِكُ للأمر. وراحَ المنادي يدعو الطيرَ لاجتماعٍ طارىء، كي يُعِدُّوا للملكةِ فراشاً ووسادةً من الرِّيش.

كانَ الخفّاشُ أوَّلَ الواصلين، فهو في عجلةٍ من أمرِه، وعليهِ أن يعودَ بسرعةٍ كما جاء. والمَلِكُ لَمْ يُخْلِ سبيلَهُ قبلَ أن يكتملَ النِّصاب. طالَ الانتظار، وراحَ الخفّاشُ يتململُ مُسْتَنْفَرَ الحال، حانِقاً على الآخرين لبلادتِهم، وتأخّرِهم في الحضور. استبدَّ به الغضبُ وَرَكِبَهُ الغباء، فقالَ للمَلِك بلا وَعْي ولا تقدير: هاكَ رِيشي وَدَعْني في سبيلي. هكذا في ومضةِ عَيْن تنازلَ الخفّاشُ عمَّا يكسو جناحَيهِ مِنَ الرِّيش. ليكونَ فراشاً لبلقيس.

بدأتْ تتوافدُ الطيور، حينما رحلَ الخفّاش؛ طارَ بجناحينِ عاريين، وجسدٍ مترهِّلٍ مَنْتوف؛ خالٍ تماماً من الرِّيش. اخْتَلَّ توازنُهُ وخانتْهُ قدرتُهُ على التحليق، فلم يكدْ يتجاوزُ فناءَ القصر حتى صَدَمَ رأسُهُ سورَ الحديقة، فأصابَ العَمَى عينيه. ومِنْ يومِها والخفّاشُ يَبْذلُ جهداً في التحليق بلا رؤيةٍ ولا ريشٍ. لكنّهُ تعلَّمَ وهو الضرير، كيف يطيرُ بأمانٍ في الظلام، يتجاوزُ الحواجزَ والأسوار.

كانتِ الطيرُ توافدتْ واكتملَ النصاب. وحدهُ الهدهدُ صاحب الحظوة؛ صفيُّ الملكةِ وسميرُها؛ غابَ عنِ الاجتماع. لم تكدْ تُعْقدُ الجلسةُ، حتى انتحتِ البومةُ بالمَلِك، تطلبُ لِقَوْلِها منهُ الأمان. ثمَّ أسَرِّتْ إليهِ تساوِمُهُ ليحفظَ ريشَها. قالتْ له: دَعْكَ مِن ريشي، فنُصحي سيُجديكَ أكثر.

وحينَ استجابَ الملكُ لرغبتِها؛ سألتْهُ تقول: أيُّهما الأطول؛ النهارُ أمِ الّليل؟ حارَ المَلِكُ بماذا يُجيب، لكنّهُ قالَ لها: لعلهُما متساويان. قالتْ لهُ: بلِ النّهارُ هو الأطول. قالَ لها وما الدَّليل؟ فتبسَّمتْ وسألتْهُ: أليسَ النُّورُ ما يُمَيِّزُ النهارَ مِنَ الّليل؟ قالَ نعم، فقالتْ: على هذا فالليالي المُقمرة تـنـتسبُ إلى النهار، ويكونُ النهارُ هو الأطول. وما الحكمةُ أن يتطاولَ الّليلُ على النهار؟ سأَلها المَلِك. وَرَدَّتْ عليهِ تقول: إنَّها يا سيِّدي فرصةُ البوم، لكي لا يلتقي بالبشر، فوُجوهُ بعضِهم تقطعُ الأرزاق، تُبشرُ بالشؤم أو تُنْذِرُ بالحرب. لا أحبُّ هؤلاءِ المغرورين الحاقدين، فالبُوم لم يجنِ ذنباً يُحاسب عليه.

رَقَّ المَلِكُ لحالِها، ولم يقتنعِ من جدوى الحكمةِ الأولى. لكنَّهُ مَوْلاها؛ ولا يُخْلفُ ما وَعَد. فَسَألها وما الحِكمةُ الثانية؟ قالتْ لهُ: أيُّهُما الأكثر الرجالُ أمِ النساء؟ احتارَ مرَّةً أُخرى بماذا يُجيب. لكنّهُ قالَ لها: يتراءى لي إنّهما متساويان؟ قالتْ لهُ: لا بلِ النساءُ الأكثر. فَسَألها وما البرهان؟ قالتْ: أليسَ مِنَ الرِّجالِ مَنْ يَنْصاعُ لما تأمرُهُ النساء؟ تفكَّرَ الملكُ قليلاً، أحَسَّ بالحَرَج وفَطِنَ إلى دِقَّةِ السؤال، لكنَّهُ قالَ بلى. قالها مغلوباً على أمرِه، كمن سقطتْ حجَّتُه وأفْلَتَ الأمرُ مِن يدِهِ. فقالتْ: وهؤلاء الرجال محسوبون في خانةِ النّساء؛ وعليه صارتِ النساءُ أكثر.

حَكَّ الملكُ رأسَه وأمعَنَ فكرَه، فأدركَ معنى الخطاب، وما ترمي إليهِ البومةُ مِنَ التلميحْ. أعجبتْهُ حنكتُها في التخلصِ من المأزق، وتجاوَزَ ما قالتْهُ في الإشارةِ إلى خشيَتِهِ أمامَ بلقيس، فعفا عنها؛ وأطلقَ سراحَ المجتمعين، كُرْمى لعينيها الجميلتين. ومِنْ يومِها استعادَ الملكُ هيْبَتَهُ، وعاشَ أبو المَكارِمِ مَنْتوفاً من الريش، وصارتِ البومةُ "المشؤومة" صاحبةُ الحكمةِ؛ وأمُّ الفضل، فلولاها لأضْحَتِ الطيرُ عارية كما الخفَّاش.

والبّشّر ما زالوا على جهالتِهم، وسوءِ طوِيَّتِهم، فلم يُنْصِفوا بَعْدَ دَهْرٍ من التشهير، والكرامةِ المهدورة، خاطرَ البُومةِ المظلومة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154452

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC