عيسى الرومي - فلسطين

مسقط الرأس

في السقيفة ولدت. في السقيفة اختلف الصحابة وفيها اتفقوا. السقيفة مسقط رأسي. انقلب الجنين الذي كنته. نزل رأسه إلى أسفل وعلت قدماه. بمساعدة الألم والصراخ والطلق تمكن من شق طريقه وسقط على أرض السقيفة. تبدأ الحياة بسقوط الرأس. كنت آخر من ولد في السقيفة. وبعدها ارتحلنا إلى البرية وبقينا فيها إلى حين كتابة هذه الكلمات.

ارتباطي بالسقيفة ارتباط أبيض. لا يربطني بها إلا النسيان. لا أذكر منها شيئاً. تغيرتْ كثيراً وتغيرتُ. في العيد الماضي مررت قربها. قلت لأولاد أخي وأشرت إلى السقيفة : هنا سقط رأسي. تهدمتْ جدرانها وبقيت الأقواس وقليلٌ من جدار الباب. مهجورة خالية يملأها ( سكن الطابون ) والروث والغبار والقمامة.

تغيرتِ السقيفة كما تغيرتُ. وأصيبتْ كما أُصبتُ. سقط الرأس في السقيفة. هل يعني سقوط الرأس، في أول استقبال للحياة، انحناءً لها أو استسلاماً أو خداعاً ؟ سقط الرأس. ومنذ لحظة السقوط الأولى تبدأ مرحلة رفع الرأس وعلوه. يسقط الرأس. يُمدد المولود. يسند إلى حضن الأم. يقعد. يمشي. يركض. ينظر إلى الأعلى. وتمضي الحياة. يسقط ليعلو.

بعد السقوط الأول ليست الحياة كلها إلا محاولةً طويلةً ومتكررةً لرفع الرأس. رفعت رأسي بعد السقوط. طولي ( 175 سم ). هذا أعلى ما يبلغه رأسي. في الرأس تتركز كل الحواس ؛ حاسة الشم والذوق والبصر والسمع واللمس والتفكير والنطق والتعبير والبكاء والابتسام. كل الحواس في الرأس وهو أول ما يسقط.

سقط رأسكَ : أبقه مرتفعاً رغم الألم والانكسار. سقط رأسكَ : أبقه مرتفعاً سواء كنت حراً أو سجيناً. سقط رأسكَ : أبقه مرتفعاً في صحوك ونومك، وفي ربحك وخسارتك. وأبقه مرتفعاً حين تشبح قدماك إلى الأعلى. أبقه مرتفعاً حين تخترقه الرصاصة. أبقه مرتفعاً حين يلتف حبل المشنقة حول العنق ويتدلى الجسد.

تذكرْ سقوطكَ الأول لا تنس أبداً. مسموح لك أن تسقطه مرةً واحدةً لا مرتين. تذكرْ... وابقِ رأسكَ مرتفعاً طيلة حياتكَ. أبقه مرتفعاً لا تسمحْ بسقوطه مرة أخرى حتى تقابل وجه ربكَ. رأسُكَ أغلى ما تملك. سقط مرةً دون اختيار منكَ. لا تخترْ إلا الارتفاع له. سقط رأسك في السقيفة أو في الجبّ. أينما سقط: بزواج شرعي أو غير شرعي. أينما وكيفما، سقط أبقه مرتفعاً. في النعش أبقه مرتفعاً. جميلاً كان أو مشوهاً أبقه مرتفعاً. إنه رأسكَ ولا يمكنك أن تستبدله أبداً.

سقوط رأسك الأولُ أبيضُ خافتٌ أما ارتفاعه فأبيض ناصع. أي انحناءٍ يغير لونَ ارتفاع رأسكَ ولن تعيد كل صبغات الدنيا لونه الأصلي. وقفتُ ورأيتُ عبر النافذة المارين في الشوارع وهالني ما رأيت. الناس يسيرون على رؤوسهم والدوابُّ. يا للعجب !. نزلت إلى السوق فرأيت أعداداً أكثر. تحسست رأسي وقدميّ وتساءلت : أين يكمن الخلل ؟ سمعت نشرةَ الأخبار. الصورةُ تمشي على رأسها والصوت على رأسه يمشي. كل شيء يمشي على رأسه؛ القانون الدولي. الأمم المتحدة. مجلس الأمن. البنك الدولي. السيارات. القطارات. الصور المتحركة. الكتابة. اللفافة.

وتساءلت: أين يكمن الخلل؟ أجابني الخفي: إنهم يحاولون التغلب على السقوط الأول.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153646

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC