وهيبة قويّة - تونس

للانتظار ذاكرة وحياة

(الجزء الثاني من "للانتظار ألوان وربيع وأحلام")

اضعط هنا لقراءة الجزء الأول

إذا قال أحدهم إنّ الانتظار مملّ فإنّه من الأكيد لم يجرّبه كما جَرَّبَتْه. فكم مرّة رَسَمَتْهُ ربيعا بألوان الحياة البديعة، وكم مرّة سرّحَت في فضاء الزّمان فراشات تحوم حول الورود والرّياحين، وكم سابقت قطر النّدى على وجه الورد تشكّله باقة لآخر الانتظار، وكم علّمت أغانيها لعصافير الفجر، وكم أطلقت أصوات الغناء، صمتا صارخا ينزاح له اختناق النّفس من مرارة البكاء والوحدة، وكم مرّة أوقدت له الشّموع ينقشع بها ثقل الظّلمة الّتي تكاد تأتي على مجامع القلب، وكم شكت للقمر وكم قبضة قبضتها من النّجوم تنثرها على سواد لياليها، وكم من الوقت طوت تحت جناح اللّيل وتحت لهيب شمس انتظارها، وكم بكت فرحا بمرور الوقت الّذي يرزح بوطأته على روحها الوحيدة، وكم من قهوة استدعتها تؤنس انتظارها وحاولت أن تقرأ في خطوطها بشارة اللّقاء، وكم رسمت أناملها ملامحَ وجهٍ غائبٍ ولوّنتها بألوان الانتظار، وكم مَرَّ من الوقت لا تعُـدّه لانشغالها بانتظار لقاء يكون قريبا يجمع شتات عالمها ويعيد إليه روحه المعلّقة في فضاء الانتظار؟

صار الانتظار رياضة روحيّة لا بدّ من ممارستها كلّما ابتعد عنها طوعا أو قسرا. وكم صارت فرص غيابه كثيرة. هي أكثر من قربه وأكثر من الوقت الّذي يمضيانه معا في اللّقاء حتّى أنّها صارت ترى في الغياب روحا خفيّة تحتضن كلّ ضعفها وتمسح دمعها وتمطر عليها خصبا يورق له اصفرار الخريف فعشقت الانتظار وربما عشِقها.
فكّرت لو أنّ للانتظار آلهة فلن تكون غيرها. لِمَ لا تكون آلهة الانتظار؟! أغرتها الفكرة. وجالت معها في عالم الآلهة القديم. ثمّ ارتدّت إلى لحظة الانتظار الّتي تعيشها. لا ذاكرةَ مع الانتظار غير ذاكرتها معه وذكراه، لا مجال إلى عالم الآلهة لأنّها ستفقد نشوتها بما يصلها من عذوبة الانتظار في عالم البشر.
في الانتظار وحده يمكن أن تستعيد كلّ ما تمنّته وما تتمنّاه، وفي تجدّد حياة الانتظار يمكن أن تعود بالزّمن إلى لحظة اللّقاء. لحظات قليلة استطاعت بخيالها الواسع وهي تنتظره أن تجعلها أوسع وأرحب فتـتّسع لكلّ ما في قلبها من زقزقة العصافير ومن عطور الزّهر ومن حبٍّ للحياة، وكلّ ما فيه من أوجاع وبؤس وشقاء.

تُـسنِد على جدار الانتظار روحَها المتعبة وتلتقط كلّ لحظة كما بذرةٍ من قمح وتبذرها في قلب الفضاء الأصمّ أمامها، فيُـنبِت حقولا من السّنابل المكتنزة بالحَبّ، تراها تكبر وترى امتداد الحقول في عالمها، ترى الزرع ينمو في اخضرار سندسيّ جميل وتستنشق رائحة الأرض المعطاء، ويبلّلها المطر وهو يسقي السنابل فتنمو وتمتلئ الحبّات خيرا وتمتلئ هي نشوة. ويمرّ الوقت. وترى نفسها بين سنابل القمح تداعب اصفرارها وتلمس حبّاتٍ تكاثرت من حبّة قمح انتظارها. ويحين موعد الحصاد، وتنفتح أمامها ظلمةٌ مُـقِيـتة، تُعيدهـا إلى عالم الواقع وتفتح عينيها الدّامعتين واسعتين فتـغـترفان السّواد. وتفرك عينيها بكفّين حارّتين ويبتلع الفضاء بيـادر الحصاد الّتي كانت فيها، ويتسمّر نظرها على فضاء الانتظار وقد اشتدّ ثلجه وتخضّد غرسه واحتـلّته عناكبُ الزّمن الذي يمرّ بطيئا على قلبها.

يتراءى لها فضاء الانتظار لأوّل وهلة في كتل سواد كثيف سرعان ما تنقـشع عندما تنتشر خيالاتها في وحشة الفضاء. فـيتلوّن فضاء الانتظار من جديد وتضيء شموس وأقمار في ذاكرتها وتنبسط أمامها حبّة انتظار جديدة تبذرها في حقولها الواسعة.

مـاذا لو انتهى الغياب وحطّ رحاله في موانئ الحضور، ورحل الانتظار في سفن تبعده عن شواطئها في عباب موج لا ينتهي ولا يعرف موانئ حنين يرسو فيها؟

تروق لها فكرة الحضور إذْ لمعت في ذهنها، ولكنّها سرعان ما تزيلها من أمامها بحركة من يديها، كمن يمسح غبارا عن مساحة مرآة. فـتزيل بها الفكرة كما تزيل عن مرايا قلبها غبارَ الغياب. فتعود صور الخيال، وتتوزّع في تناسق على مساحة الانتظار.
ما بينها وبين الانتظار حبّ جميل هادئ، يدفعها إلى بناء مدينتها فاضلة، حيث لا غيابَ فيها ولا انتظار، وليس فيها غيرُ لقاءٍ موصولٍ بلقاء، وأرضها معابر تلتقي عند حقول قمح متماوجة السّنابل، وعند غيمات ممطرة، وعند ذاكرة تعبق بعطور الياسمين، وعند نسمات حبّ يملأ قلبها ويملأ ذاكرتها بوميض لا يتوانى يُـوسع الفضاء أمامها ويسحّ عليها من لحظات السّعادة ما تستكين إليها نفسها فلا تعيش إلاّ بها وفيها.

وكم من العوالم تهدّها وتعيد بناءها من جديد. وفي كلّ مرّة تختار عالمها وترتّب محتوياته كما تريد، بمقاييس لا يفقهها غيرها. فـتنتقي من ذاكرتها ما شاءت من جميل اللّحظات بحرص شديد خوف أن تشوب دنيا فضائها بقعةٌ من يأس أو يثقبها سواد يعكّر صفاءها. وكم تمنّت لو أنّـها استطاعت أن تجمع هذه العطور المنسكبة من ذاكرتها في قوارير لينتشي غائبها برائحة ذاكرتهما معا عند كل ّغياب.

في عالمها كلّ شيء يتّخذ الأشكال والأحجام الّتي تتمنّاها، غير أنّها كانت تعي أنّ عليها أن لا تكثر من الخيال وأن تكتفي في عالمها ذاك ببيت جميل يجمع كلّ لحظاتهما الجميلة، لم تكن تفهم في هندسة البيوت. وكانت ترى أنّ أيّ بيت بسيط يسعدها غير أنّها لن تستغني عن فكرة أن يكون في بيتها غرفة كبيرة جدّا، أكبر من كلّ الغرف الّتي يعرفها كلّ النّاس تسمّيها "غرفة الانتظار"... تشيدها. ثمّ تبتسم لجدرانها وتهمس إليها بفرح شديد: " أنت الأجمل لأنّي أثّـثـتك بالذّكرى ويكفيك ما همى فيك من ذاكرة يعطّرها الياسمين."

كانت مؤمنة أنّ هذه الغرفة وحدها كفيلة بإسعادها، فقد قرأت لأحد الكتّاب الفرنسيين أنّه "إذا أردنا أن نبني بيتا تدوم السّعادة فيه فعلينا أن نجعل أكبر غرفة فيه للانتظار." وها هي قد جعلت في بيت عالمها الجميل غرفة الانتظار أكبر الغرف، لن ينقصها شيء لتكون سعيدة. لن ينقصها غير حضوره ليلاقيها.

كم بقي لها من الوقت قبل حضوره؟ ليتها ما سألت، فكلّ المواعيد مواعيده، ومجرّد تحديد موعد لحضوره يلغي متعة الانتظار. مع ذلك نظرت إلى الوقت، مضى يومان، مضت ثلاث ليالٍ. مضى زمن طويل بعيد، مرّ زمن طويل جدّا.

خفق قلبها من شدّة وطأة الزّمن يمرّ عليها وحيدة، تشيد من الوقت المهزوم أهزوجة لقاء تحت ظلّ قمر، أو ظلّ شجرة، أو ظلّ لحظة سعيد كما صوّرتها ذاكرتها النّابضة بالحياة.

عادت تحتضن فضاء الانتظار وأملها أن تصحو فتجد نفسها في عالمها السّعيد وأن تجد صور الذّاكرة الّتي انتقتها واقعة أمامها كما رتّبتها. دخلت غرفة الانتظار في بيتها السّعيد. وأغمضت جفنيها على آخر ما كان في خيالها ونبض حياتها يسارع إلى ذاكرة أخرى وتلوّن بما فيها من حياة فضاءَ ما بقي للانتظار.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC