نعيمة عبد الباكور - الجزائر

العمدة في محاسن الشعر

مبادرة خطوات نحو التميز - جامعة سيدي بلعباس

تلخيص كتاب "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" لأبي الحسن بن رشيق المسيلي القيرواني. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.

يتألف الكتاب من جزءين مجموع صفحاتهما 630 صفحة. يقتصر هذا الملخص على الجزء الأول، وهو من طبعة خاصة من الكتاب صدرت ضمن فعاليات "الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007".

أفتُتِح الكتاب بمقدمة للمحقق محمد محي الدين عبد الحميد تجاوزت ست صفحات، قدّم في أسطرها الأولى تعريفا موجزا بالمؤلف والكتاب؛ وأخبر أنّه صنّفه لأبـي الحسن علي بن أبي الرجال الكاتب، ويظهر لنا فضل الكتاب وكاتبِه وطبعاته، ليعود بعد ذلك ويحدثنا عن سبب اختياره للكتب التّراثية، ألا وهو حبّه للسلف والتّفاني في الدفاع عن علومهم وأفكارهم.

ذكر المحقق الطبعات التي اعتمد عليها والموجودة في دار الكتب المصرية ومطبوعة تونس، وأنّه راجع الأمّهات والأصول التي نقل عنها المؤلف، وعديد الدّواوين والأشعار؛ حيث أنّه أصلح أربعمائة أغلوطة وقعت في الطبعتين السابقتين وهو يفخر بهذا الإنجاز. وقد لاحظنا جهده بوضوح من خلال إحالاته؛ فهو يكتب النسخ وما وُجد فيها من اختلاف عمّا ذكر، ويضع ما هو زائد بين معكوفتين ويوضّحه في الهامش، ويُعطي شرحا لبعض الألفاظ الواردة في الأبيات أو في كلام المؤّلف التي يرى أنّها تحتاج لشرح.

وأمّا تصحيحه للأخطاء في المطبوعتين المصريتين (1297هـ) والطبعة التونسية يدّل على تفانيه وإخلاصه في تحقيق هذا الكتاب الثّمين؛ وقد فرغ منه، كما ذكر، في شهر أوت (أغسطس) 1934.

وبعد المقدّمة نجد ترجمة للمؤلف في خمس صفحات قسّمها المحقق إلى أربعة أجزاء؛ ففي الجزء الأول ذكر ما قاله صاحب الحلل السندسية في الأخبار التونسية وهو أبو عبد الله محمد بن محمد الأندلسي المعروف بالوزير السراج عن ابن رشيق القيرواني وأخبرنا المحقق بأنّه يوجد كتاب لمؤلفنا لم يذكره المترجمون، أشار إليه ابن رشيق في الجزء الثاني من العمدة ص229. وفي آخر جزء من الترجمة سرد لنا المحقّق بعض المصادر التّي تحدّثت عن ابن رشيق مدقّقا بإضافة رقم الجزء والصفحة.

يبدأ متن الكتاب في الصفحة الخامسة عشرة بخطبة صاحبه في أربع صفحات، وقد قُسّم الجزء الأول من قُسِّم الكتاب إلى أربعة وأربعين بابًا أوّلها: فضل الشّعر وآخرها الترديد. وتجدر الإشارة إلى أنّ فهرس الجزء الأوّل طبع فـي بداية الجزء الثاني، على غير ما جرت عليه العادة، وكان فيما مجموعه عشر صفحات. ووضع المحقق بداية كلّ فقرة كعنوان في الهامش الطولي للصفحات ممّا ساعدنا في ترتيب الأفكار وتقسيم الفقرات.

الكتاب في صفحات

بدأ المؤلّف خطبته ببلاغة ما بعدها بلاغة وهو يقدّم مدحا منقطع النظير في أبي الحسن علي بن أبي الرحال الكاتب الذي عَلِمنا من المحقّق أنّه صنعه له، أثنى عليه مُبالغًا ودعا له في أكثر من صفحة، ثم بيّن، رغم درايته إلاّ بحاشية من حواشي العلم، أنّ الشعر أكبر علوم العرب وأوفر حظوظ الأدب؛ له مزيّة عظيمة.

يقول القيرواني إنّه جمع أحسن ما قيل من الشعر، ليكون العمدة كما أسماه، وعوّل فيه على قريحته وخواطره تجنبا لاختصار كلّ ما لم يسنده إلى صاحبه ولم يحله إلى كتاب معين، وردّ كلّ فرع إلى أصله، وأثبت المنتحل منه، وبيّن وجه الصواب، ليعاود كلماته الماتعة الشّيقة عن أبي الحسن الذي اعترف بإهدائه الكتاب له، وتعهّد بعدم إظهاره إلاّ بعد أمره وإذنه.

يتكوّن الجزء الأول من أربعة وأربعين بابا؛ أوّلها باب في فضل الشعر، تحدث فيه أنّ العرب أفضل الأمم، وكلامها نوعان منثور ومنظوم يتفاوت في الدرجة، و النثر أسبق ظهورا من الشعر. أمّا من ناحية التفاضل فتختلف الآراء في ذلك، ولم يفصل القيرواني في ذلك بحكم أنّ أبو الحسن الكاتب جمع النوعين(أي الشعر والنثر).

ثم يتطرق لفضل الشعر، ومن ذلك أنّ الملك يُخاطب باسمه ويُنسب إلى أمّه ويخاطب بالكاف كما يخاطب السّوقة. وأثني على الكذب الذي يأتي فيه، أمّا الباب الثاني: ردّ على من يكره الشعر: أقام القيرواني فيه عدة حجج من بينها أنّ الصحابة أحسنوا الشعر، والسيدة عائشة رضي الله عنها كثيرة الرواية للشعر؛ وهذا هو الزاهد سعيد بن المسيب يعيب من يكره الشعر، وجاء ردّ القيرواني على من يكرهون الشعر وهم يستندون إلى قوله تعالى: "والشُّعَراءُ يَتْبَعُهُم الغَاوون" [سورة الشعراء؛ الآية 224] بأنه سوء تأوّلِ لأنّ المقصود ههنا شعراء المشركين.

بعد ذلك أورد لنا القيرواني أشعارا تنسب للخلفاء الراشدين والقضاة والفقهاء، لا لشيء سوى التأكيد على فضله، وأنّ الشعر يرفع أقواما ويضع أقواما، كما سرد مؤلفنا بعض الحكايات للحارث ابن حلزّة وحسّان بن ثابت، وأخبر عمّن لقبوا بشيء من شعرهم كعائد الكلب وهو ّعبد الله بن مصعب.

ومن حطّهم الشعر: بنو نمير بما قاله فيهم جرير. لقد قضى الشعر لأناس وقضى على آخرين، يواصل ابن رشيق حديثه عن الشعر- فها هو حسان ينال الجنة بأبيات نصر بها رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، ويفتي الحسن البصري ببيت قاله الفرزدق، بالإضافة إلى أنّه يشفَع به ويُحرَّض، كما شفع المتنبي لبني كلاب عند سيف الدولة.

ومن مظاهر تمجيد العرب للشعراء احتفاؤها بنبوغ شـــــاعر فيها لأنّها تحتمي بهم. والشعر قد يكون للفأل والتّطير أيضا فقد تفاءل حسان بن ثابت بفتح مكة، وابن الرومي كان كثير الطيرة.

باب منافع الشعر ومضاره: يتمّ القيرواني حديثه أنّ الشعر كما قالت عنه السيدة عائشة أنّه كلام يحسن فيه ما يحسن في الكلام، ويقبح منه ما يقبح في الكلام، وبقدر الحسن والقبح يكون النفع والضرر. فهناك من قتله شعره كدعبل بن علي الخزاعي لهجائه ملوك بني العباس، وسديف كان نحبه على أيديهم أيضا، والمتنبي الذي قُتل بسبب بيت من الشعر. لهذا يُتجنّب التعرّض للشعراء ويجب الخوف من حدة ألسنتهم. كما أخبر بذلك الجاحظ حين قال:

للشعراء ألسنة حداد == على العوراتِ موفية دليلة

في القديم لم تكن العرب تتكسّب بالشعر، وإنّما كان يكافأ أحدهم ويجازى فقط، إلاّ أنّ النابغة الذبياني أوّل من تكسّب به، والأعشى جعل من الشعر متجرا. ذكر صاحب الطبقات "الجمحي" أنّ الشعر كان في الجاهلية في ربيعة ثم تحوّل في قيس (زهير بن أبي سلمى والنابغة) ليستقر في تميم، ويرى بعضهم بتقدمة الشعر في اليمن بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان وفي المولدين بالحسن بن هانئ.

باب القدماء والمحدثين: يقول القيرواني إنّ كل قديم كان في زمانه محدثا، فالشعر لم يقصر على زمن دون زمن، فمثل القدماء والمحدثين كمثل رجلين ابتدأ الأول بالبناء فأحكمه وأتقنه، فجاء الآخر فزيّنه ونقشه، لقد تقدّم القديم بحلاوة الكلام وطلاوته، وتقدّم المحدث بالرّقة وحسن الديباجة.

باب المشاهير من الشعراء: قدّم امرئ القيس عليهم مستدلا ببعض الأقوال فيه، فحين سُئل لبيد من أشعر الناس؟ قال الملك الضليل، وخلف الأحمر يقدّم الأعشى، والأصمعي يشيد بأربعة: زهير والنابغة وعنترة وجرير.

اعترف ابن رشيق بأنّ الشعراء المشاهير أكثر مِن أن يحصيهم، وذكر لنا بعض الشعراء المقلّين كطرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص، وعدي بن زيد، وأورد لنا بعض أشعارهم. ومن الشعراء من رغب عن ملاحاة غير الأكفاء، كما كان الأمر مع الفرزدق حين ردّ على هجاء الطرماح بقوله:

إنّ الطّرماح يهجوني لأرفعه == أيهات أيهات عيلت دونه القضب

يصنف ابن رشيق الشعراء في أربع طبقات: جاهلي قديم ومخضرم، و إسلامي، ومحدث، ويرى أنّ الشعر والتأليف سبب للشهرة.

ويعرّف الشاعر الحنذيذ بأنّه الذي يجمع مع جودة الشعر رواية الجيد من شعر غيره، وقد سمي الشّاعر شاعرا لأنّه يشعر بما لا يشعر به غيره وعمله من أصعب الأعمال، فما كان خيرا كله هو في باب الزهد والمواعظ، وشعر ظرف كلّه ما قيل للتشبيه والوصف. وشر الشعر الهجاء، هذه الأصناف التي قدّمها لنا القيرواني مشيرا إلى أنّ الشعر صناعة وثقافة.

يفصّل القيرواني مضيفا أنّ حدّ الشعر بعد النية هو اللفظ والوزن والمعنى والقافية؛ وأركانه: المدح والهجاء والنسيب والرثاء، وقواعده الرغبة والرهبة والطرب والغضب، وأغراضه: النسيب والمدح والهجاء والفخر والوصف، وقد شُبّه بيت الشعر بالبناء، فقراره الطبع وسمكه الرواية ودعائمه العلم وبابه الدّربة وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، كما يرى ابن رشيق. وقيل أصغر الشعر الرثاء لأنه لا يعطي رغبة أو رهبة.

اللفظ والمعنى: هو الباب التاسع عشر في كتابنا هذا، فاللفظ جسم وروحه المعنى هما مرتبطان ببعض يقويان ويسلمان معا ويختلان ويضعفان معا، بهذا بدأ القيرواني الحديث في هذه القضية التي أُختِلف فيها، فهناك من يؤثر اللفظ على المعنى فيذهب إلى فخامته وجزالته من دون تصنّع، وهناك من يؤثر سهولة اللفظ واغتفر لـه الركاكة واللين المفرط كعباس بن الأحنف، ومنهم من يؤثر المعنى فيطلب صحته دون أن يبالي بخشونة اللفظ وهجنة كابن الرومي وأبي الطيب.

توجد حجج عديدة لمن يؤثرون اللفظ على المعنى فنجد مثلا أنّ المعاني موجودة في طباع الناس، يستوي فيها الحاذق والجاهل، لكن العمل يكون على جودة اللفظ، وحسن السبك وصحة التأليف، فألفاظ الشعراء معروفة وأمثلتهم مألوفة، لا بنبغي للشاعر أن يستعمل غيرها.

ومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل، والمصنوع ليس بمتكلّف كما يظهر من اسمه، فأبو تمام والبحتري كانا مولعين بالصنعة وحسن الكلام، وأكثر منهما عبد الله بن المعتز، فهو ألطف منهم في الصنعة، بحسب رأي القيرواني. نحن نعلم أنّه لا يوجد شعر دون وزن فهو الركن المهم، فلا بدّ من باب للأوزان في كتاب العمدة؛ وهذا ما فعله القيرواني، حيث قال إنّ المطبوع يستغني عن معرفة الوزن وعلله، والضعيف محتاج إلى معرفة ذلك، وإنّه سيذكر نُتفا يُحتاج إليها فالكتب فيها مشهورة وكثيرة، فأوّل من ألّف فيها الخليل ثم الجوهري، فبحور الشعر لها علّة في التّسمية أجاب عنها الزجاج؛ فبحر الكامل مثلا سميّ كذلك لأنّ فيه ثلاثين حركة لم تجتمع في غيره، وغيرها من الأمور التي مرّ عليها صاحب العمدة ككيفية تقطيع الأجزاء وأجزاء التفاعيل والزحافات.

والباب الموالي هو لشريك الوزن في الاختصاص بالشعر وهي القوافي؛ والقافية اختلف في تحديدها أيضا فهناك من يراها من آخر البيت إلى أوّل ساكن يليه من قبله مع حركة الحرف الذي قبل الساكن، وهناك من يراها آخر حرفين في البيت، ولتسميتها كذلك آراء شتّى من بينها أنّها تقفوا أثر كلّ بيت، ولها عيوب في الشعر منها الإقواء والإكفاء والإصراف وغيرها ممّا شرحه المؤلّف ههنا.

التقفية والتصريع باب يشكل على كثير من الناس: فالتصريع ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه والتقفية أن يتساوى الجزءان من غير زيادة ولا نقص، فلا يتبع العروض الضرب إلاّ في السجع. والرّجز هو ما كان مشطورا منهوكا؛ ويسمى القصيد ما طالت أبياته. أمّا القريض فهو الشّعر الذي ليس برجز.

وبخصوص حجم القصيدة يضع لنا المؤلف بابا بعنوان: في القطع والطوال: فالعرب تُطيل ليُسمع منها وتوجز ليُحفظ عنها، فالشاعر يحتاج إلى القطع حاجته إلى الطوال بالأخص عند المنازعات والتّمثل، فالمطيل يكون أهيب في النفوس، وقد سئل الكميت لماذا تطيل فأجاب: بأنّه على الإقصار أقدر والمشهورون بالمقطعات كُثر منهم: بشار بن برد وأبو نواس..

يعتقد بعضهم أنّ البديهة من الفكرة والتأييد والارتجال ما انهمر به قائله فلا يتوقّف، كما يوضح ابن رشيق، وأعظم ما وقع من الارتجال قصيدة الحارث بن حلزّة بين يدي عمرو بن هند فأتى بها كالخطبة، يُقال أفضل بديهة بديهة أمن وردت في موضع خوف فكيف الحال مع الإرتجال، وكان أبو نواس الأقدر عليهما معا.

الباب الثامن والعشرون هوّ في آداب الشاعر: يلخص لنا فيه المؤلف بعض الصفات التي يجب على الشاعر أن يتحلّى بها كحسن الخلق وطلاقة الوجه وأمن الجانب ممّا يساهم في تحبيبه عند الناس. ويجب أن يكون ذا ثقافة واسعة وحافظا للرّوايات والأخبار والأنساب ليستعملها في ذكر الآثار، فقد سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء فقال هو الراوية، فكان لمعظم الشعراء رواة؛ فمثلا الفرزدق كان يروي للحطيئة وهذا الأخير كان راوية زهير، وزهير راوية أوس بن حجر.

يحتاج الشاعر أيضا إلى معرفة مقاصد الكلام، فلكل مقام مقال، وأن يتفقّد شعره ويعيد النّظر فيه، ولا يُعجب به ولا يُثني عليه كما فعل البحتري فهو القائل: ما لكم لا تُعجبون أما حسن ما تسمعون؟

والتواضع أيضا من بين الصفات التي يجب توفّرها في الشاعر، وقصة امرئ القيس مع التوأم اليشكري (الحرث بن قتادة) حين لقيه وطلب منه أن يتمّ أنصاف الأبيات التي يقولها، ففعل اليشكري، فدهش امرئ القيس، ولم يكن في ذلك العصر من يطاوله في الشعر، فقرّر ألا ينازع أحدا آخر الدّهر.

ويخبرنا ابن رشيق أنّه تمرّ على الشاعر فترات لا يقول فيها الشعر فتغيب قريحته، فيستدعي الشعر بضروب مختلفة، أتت فيها أقاويل عديدة، فبالمذاكرة، والخلوة بذكر الأحباب، ووضع الرّجل في الركاب والطواف في الرياض المعشبة، والنظر إلى الماء الجاري وغير ذلك ممّا أخبر به الشعراء.

وتحرّي الأوقات المناسبة لصناعة الشعر من أهمّ الشروط؛ فهناك من يكتب أوّل اللّيل لأنّ السحر ألطف هواء وأرقّ نسيما، ويذكر لنا صاحب العمدة أمثلة عن أحوال أبي تمام وجرير والفرزدق وعبد الله بن رواحة كيف كانوا يكتبون الشعر، ثم يذكر لنا صحيفة بشر بن المعتمر أنّها ممّا يعلّم الكلام و الفصاحة.

ينتقل بنا القيرواني إلى جزء آخر من كتابه وهو باب المقاطع والمطالع فالأولى أواخر الفصول (آخر جزء من القسم الاول)، والمطالع أوائل الوصول وهي أوّل جزء يليه من القسم الثاني، وقال آخرون: المقاطع هي القوافي والمطالع أوائل الأبيات وفيها روايات كثيرة قدّم المؤلف بعضها.

حسن الافتتاح و الابتداء ولطافة الخروج وحسن اختتام الكلام ينبغي على الشّاعر إجادتها، فقد كان الشعراء يؤاخذون بسببها، فمنها ما
كان للمتنبي حين خاطب كافور وقال:

كَفَى بكَ داء أنْ تَرى الموتَ شَافيا == وحسبُ المنايا أن يَكُنّ أمَانيا

وهذا الباب من أطول الأبواب تجاوز عشرين صفحة لأنّ مؤلفنا قدّم فيه شواهد عديدة.

قيل عن البلاغة إنّها قليل يُفهم وكثير لا يُسأم، وهي إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، وقال القيرواني إنه وشّح هذا الباب، باب البلاغة، بما قيل فيها ليعود واصفا لها بأقوال عددناها قرابة العشرين أسهلها أنّ البلاغة ضدّ العيّ والعيّ العجز عن البيان.

من أبواب البلاغة باب الإيجاز وهو مطابقة اللفظ للمعنى ويجيء على ضربين: مساواة واكتفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْأل القَرْيَة﴾ وهو حذف جزء من الكلام لدلالة ما بقي عليه (حذف أهل). بعد تقديم القيرواني لأمثلة عديدة عنه من الشعر، يعرّج إلى بديع الإيجاز في الآيات، ثمّ خصّص بابا آخر للبيان عرّف به، ثم جاء ببعض الأمثلة تصدّرها كلام الله ورسوله وخلفاؤه كقول أبي بكر: " ولّيتُ أموركم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم".

وغير بعيد عمّا سبق، نلج باب النّظم وهو كما قال فيه الجاحظ في البيان والتبيين "أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بأنه أفرغ إفراغا واحدا وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدّهان"، ويدخل ضمنه مزاوجة الألفاظ واقتران بعضها ببعض، والتقديم والتأخير الذي يصبح في كثير الأحيان عيبا عند الشعراء إن ساء استعماله، وتقارب الحروف وتكرارها ممّا يخلّ بفصاحة الكلام وبالنظم بعده.

هناك شعر لـم يسبق إليه أحد غير قائله وهو المخترع كبعض أشعار امرئ القيس، أمّا التّوليد فأن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدّمه أو يزيد فيه وهو ليس باختراع، وأوّل من ألّف في البديع ابن المعتز كتابا سمّاه البديع، أمّا المجاز فلم يغفل عنه صاحب العمدة لانّه من مفاخر الكلام ودليل الفصاحة ورأس البلاغة، والمجاز هو طريق القول ومأخذه، وابن قتيبة لا يعتبره كذبا، لأنّه لو كان كذلك لكان أكثر كلامنا باطلا.

ويكون المجاز أبلغ من الحقيقة في كثير الكلام وأحسن موقعا في القلوب والأسماع، منه قول الفرزدق:

والشّيبُ ينهضُ في الشّباب كأنّه == ليلٌ يصيحُ بجانبيه نهار

والإستعارة أفضل من المجاز وهي من الاتساع في الكلام اقتدارا ودلالة، فلبيد يستعير للريح الشمال يدا فيقول:

وغداة ريح قد وَزَعْتُ وقَرَّةٍ == إذا أصْبَحتْ بيدِ الشّمالِ زِمامُها.

سرد صاحب العمدة أمثلة عن الإستعارة منها شعر وقرآن وحديث. ومن ضروبها التّمثيل والمماثلة بأن تمثّل شيئا بشيء فيه إشارة وابتكره امرئ القيس:

وما ذرفتْ عيناكِ إلاّ لتقدحي == بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتّلِ

فنلاحظ أنّه مثّل عينيها بالسّهم.

الباب التّاسع والثلاثون هو باب المثل السائر وهو كثير عند العرب منظوما أو منثورا وأفضله ما كان موجزا وصادقا، إلاّ ما جاء به الفصحاء من الأمثال الطوال، فالشعر يجعل المثل أخف للنطق. قال ابن نواس:

إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفت == له عن عدوّ في ثياب صديق

يواصل القيرواني بباب التّشبيه، وهو وصف الشيء بما شاكله وقاربه من جهة واحدة أو عدة جهات، وهو كالاستعارة يخرجان من الغموض إلى الوضوح ويقرّبان ما بعد من المعنى وهو حسن، وإلاّ فهو قبيح. تطرّق القيرواني إلى أفضل التشبيه وسبيله وأصله من تشبيه شيئين بشيئين أوثلاثة بثلاثة، كقول مرقش: النّشْر مسك، والوجوه دنا == نير وأطراف الأكف عنَم؛ أو أربعا بأربع كقول المتنبي:

بدَتْ قمرا، ومالت خيوط بان == وفاحت عنبرا ورنت غزالا

من بين أدوات بلاغة الشعر الإشارة، وهو الباب الواحد والأربعون في العمدة. والإشارة تدلّ على بعد مرمى وفرط مقدرة ولا يأتي بها إلاّ الحاذق الماهر ويكون معناها بعيدا،كقول زهير: فإنّي لو لقيتك واتّجهنا == لكان لكلّ مُنكَرة كفاء,

وتكون الإشارة للتفخيم والإيماء، منه قوله تعالى: ﴿القَارِعَة مَا القَارِعَة﴾ هذا تفخيم، أمّا قوله تعالى: ﴿فَغَشِيهُم من اليمّ مَا غَشيهُم﴾ فهذا إيماء.

لا تسعنا هذه الصفحات المعدودات الإشارة إلى بقية العناصر التي ذُكرت في هذا الباب كالتلويح والكناية والرمز واللمحة واللغز واللحن والتعمية والتورية، والتتبيع.

التّتبيع نوع من أنواع الإشارة يسمونه التّجاوز وهو أن يتجاوز الشاعر ذكر شيء أراده فيذكر ما ينوب عنه بالصفة، (نؤوم الضحى) لامرئ القيس تتبيع لأنه وصف المرأة بالتّرف، والشواهد كثيرة ممّا جيء به في هذا الباب.

أمّا التجنيس فهو ضروب منها المماثلة بأن تكون لفظة واحدة باختلاف المعنى، أو تجنيس محقق وهو ما اتّفقت فيه الحروف دون الوزن كما الأنف والأنفة في هذا البيت لشاعر مِن بني عَبْس:

وذلِكُمْ أنّ ذُلَّ الجار حَالفَكُم == وأن أنْفَكُمُ لا يعرفُ الأنَفَا

ومن التجنيس ما ينقص فيه الحروف وتزيد ويسمى "المضارعة"، وهناك جناس أحدثه المولدون يظهر في الخط هو التجنيس المنفصل، والتجنيس المضاف.

باب الترديد: وهو إتيان الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى ثمّ يردّها متعلّقة بمعنى آخر في نفس البيت أو في قسم منه كقول زهير:

من يلق يوما على علاّته هرما == يلق السّماحة منه والنّدى خلقا

وقد ولع بهذا النوع المتنبي كثيرا واستخدمه فـي شعره. فهو القائل:

فقَلْقَلْتُ بالهمِّ الذّي قَلْقَلَ الحَشا == قَلاقِل عَيشٍ كُلّهنَّ قلاقلُ

يافطة للعدد الخاص بمبادرة خطوات نحو التميز

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 24587

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC