زكي شيرخان - السويد

السير حذاء الجدار

زكي شيرخان"في نهاية حلقتنا هذه أود أن أشكرك دكتور نصير عبد الرحمن على حضورك، على أمل أن تشرفنا في حلقات أخرى".

"شكرا".

"سيداتي، آنساتي، سادتي على أمل اللقاء بكم في الأسبوع القادم أتمنى لكم أوقاتا سعيدة وإلى اللقاء".

***

وهو يشيّعه في الممر المؤدي للمخرج، قال: "دكتور، لم تتطرق للدور الذي لعبه الغزاة فيما آل إليه وضعنا".

"لم يكونوا السبب المباشر لسوء أوضاعنا، كانوا عاملا مساعدا. قل إنه محفّز، وهذا لا يعني تبرئتهم من قسط المسؤولية التي تقع عليهم".

توقف عن السير. استدار نحو محدثه متمما:

"نُقل عن أحد سياسي البلد، وكان مؤثرا، قبل عقود أنه قال: "أنا مثل غطاء البالوعة التي إن رفعت فاحت روائحها". هذه الجملة، سواء قالها أو نسبت إليه، هي ترجمة لما كان يعتمل داخل المجتمع. المجتمع، أي مجتمع، ينطوي على الكثير من التناقضات والتي قد تؤدي إلى صراعات، وربما نزاعات عنيفة. هذه التناقضات يمكن لجمها إما بالتصالح مع الذات، ونجحت بعض الشعوب في ذلك، وإما بقوة الدولة من خلال العدالة والمساواة والشفافية في تطبيق القوانين والأنظمة والسنن المعمول بها، وهو سائد في العديد من الدول، وإما بالقهر الدكتاتوري. في حالتنا، النظام الدكتاتوري كتم الأصوات المطالبة بالحرية والمساواة والعدالة، وأبقى التناقضات حبيسة العقول والنفوس، وما أن وجدت متنفسا حتى انفلتت من عقالها فصار التعبير عنها سلوكاُ ممارسا من قبل فئات كثيرة".

"هناك شيء آخر دكتور، خلال استضافتي للعديد من الأشخاص لاحظت أنهم لا يؤشرون الجهات التي تساهم في تردي الأوضاع. الحديث يكون بالعموميات".

"أولا، ما يعنيني كأستاذ علوم سياسية هو الظاهرة وأسبابها ونتائجها. لو نظرتَ للواقع بتجرد ستجد أن سلوك جميع قادة الأحزاب السياسية، والكتل الاجتماعية، والتنظيمات يجعل الوضع أكثر سوءا. هم مهتمون بإثارة غرائز اتباعهم وليس عقولهم، لا بل هم يغيّبون العقول بطريقة تكاد تكون منهجية. أنا لست مدعٍ عام يوجه الاتهامات ويصدر أوامر اعتقال بحق المتهمين. ثانيا، ويجب أن نكون واقعيين، لنفترض ان لديّ قرائن على تورط جهة ما بعمل يمس أمن المجتمع وأعلنته من على شاشة محطتكم أو غيرها، من يضمن سلامتي وسلامة عائلتي؟ أنت وغيرك يعرف أن العديد تعرضوا للقتل والاختطاف والتنكيل. معالجة هذه الأمور لن تجدي نفعا إن كانت فردية. الأمر يحتاج لمؤسسات وتنظيمات تملك دعما ماديا ومعنويا من المجتمع. يحتاج لتحرك جماعي منهجي".

توقف برهة قبل ان يكمل:

"سأروي لك ما لم أروه لغيرك، وهذا غير قابل للنشر. ذات يوم سألني أحد الطلاب عن رأيي من الناحية السياسية البحتة بممارسة يقوم بها تيار سياسي معين. كان جوابي مختصرا. قلت في جملة ما قلته "يجب على الساسة أن يعوا مسؤولياتهم، والفعل السياسي له ظرفه وزمانه. السياسة ليست لعبة من ألعاب الـبلي ستيشن حيث يجلس اللاعب على الأريكة وبيده جهاز التحكم فيحرك هذا ويقتل ذلك ويفجر هذه السيارة ويهد تلك البناية ويقتحم المؤسسات. في الأيام التالية وجدت نفسي في مكان أجهله بعد إجباري تحت تهديد السلاح على ركوب سيارة دفع رباعي سوداء اللون مظللة الزجاج نقلتنا لهذا المكان. باختصار شديد اكتفوا بتهديدي بالتصفية إن عدت إلى نقد ممارسات هذه الجهة وزعيمها أو أحد مسؤوليها. أدركت أن الوضع بات أكثر مما بمقدوري احتماله. بعد أن كانت أجهزة الدولة الأمنية هي التي تقتل وتعتقل وتعذب وتغيّب الناس صار كل حزب وتيار وعصابة تقوم بهذا الدور. الوضع صار أعقد من ذي قبل".

"ما الحل يا دكتور؟"

تجاهل السؤال مستمرا بالحديث:

"بعد هذه الحادثة فكرت في ترك البلد. أعيتني الحيلة، فكان البديل هو الركون إلى السلامة والسير بمحاذاة الجدار، كما يقول المثل. أليس هذا هو سلاح عديم الحول والقوة؟"

أعاد السؤال بصيغة أخرى: "علام تعوّل دكتور في الحل؟"

ثانية تجاهل السؤال.

"بعد الفترة التي تلت تلقّي النظام السابق الضربات ولامتصاص شيء من النقمة العامة، بدا وكأنه يريد أن يفسح المجال لشيء من حرية الرأي. بدأت تظهر مقالات بأقلام كتّاب السلطة خارج السياق العام. أحد أركان النظام تفتق ذهنه عن إيجاد صيغة لتعبير الطلاب عن آرائهم من خلال ما سماه الجدار الحر. أحد المساكين من طلابي ظن أن الأمر جاد فكتب منتقدا أحد الأساتذة المقربين من السلطة. سرعان ما عُرف من كَتبَ على الجدار. غُيّب في المجاهل لأشهر. عاد منطويا على ذاته، صامتا، لا يقترب من أحد ولا يدع أحدأ يقترب منه. أصبح حاصل جمع مزارو، وككزارو، ولوزارو: قردة الحكمة اليابانية التي لا ترى الشر ولا تسمعه ولا تقوله".

عندما وصلا إلى باب البناية، مد يده مصافحا.

"أتمنى لك المزيد من النجاح، وأتمنى عليك ألّا تُحرج ضيوفك بأسئلة قد تورّط المجيب فيما لا يحمد عقباه. ليس الجميع محميا كما أنت".

"ماذا تقصد دكتور؟"

"تعرف قصدي جيدا، فالقناة معروفة التوجه، وصاحبها ورئيس مجلس إدارتها ليس من الشخصيات غير المعروفة، ومصدر تمويلها معروف. هذا الأمر لا تنفردون به وحدكم، فكل القنوات ممولة من جهة خارجية أو داخلية وتمثل الجانب الإعلامي من نشاط الممول".

"ولكني حر التوجه، وحر في اختيار الضيوف والمواضيع، ولم يُطلب مني أمر معين".

"الحرية نسبية، ومقيدة بضوابط. لا تنس ذلك".

"هذا يحتاج لمزيد من النقاش و..."

قاطعه وابتسامة ذات مغزى ارتسمت على شفتيه:

"من المؤكد، ولكن النقاش لن يصل لنتيجته المبتغاة. سأبدو كمن يكيل التهم، وتبدو كمن يريد أن ينفض عنه ما علق به. من يدري؟ ربما سنكمل النقاش يوما ما بعد أن يصبح الحاضر تاريخا يستحق أن يدرس".

"تبدو متفائلا يا دكتور، وكأن الحاضر سيمسي تأريخا بأسرع من المتوقع".

"لم لا، من يدري ما يخبئه الغد؟"

= = =

عود الند تبدأ عامها 12


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3182601

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC