إبراهيم يوسف - لبنان

نَهَمٌ في ليلةِ الدّخْلة

منذ البداية كنتُ يا صديقتي واثقاً من إحساسكِ المرهف، ومن مشاعرك النبيلة، فلا يصحُّ للنسيمِ العليل أن يتعاملَ معكِ إلاّ بحرصٍ شديد، لكي لا ينالَ من رقّتكِ، فيجرحَكِ أو يخدُشَ كبرياءَكِ ويؤذيكِ. أنتِ إبنةُ البراري والطبيعة البكر، من يتعاطى معكِ كأنما يتعاطى مع فراشة تزهو بها أزهارُ الحقول، أو كنحلة تُدافعُ عن نفسِها وقتَ الخطر، تلسعُ فتلفظ أحشاءَها وتموت.

وأنا يا صديقتي، أضِنُّ بما يسيءُ إلى رِقَّتك ويُدْمي صداقتنا، بل يُدْمي "حُبَّنا". أنتِ غاليتي وثروةُ عمرٍ ساقتْها ليَ الأقدار، فلن أتنازلَ عنها أو أفرطَ فيها مهما كانتْ دواعي الفرقةِ، وأسبابِ الاختلاف. لكنَّ الحساسية المفرطة في مقاربةِ الأمور، هي المفاجأةُ الجديدة التي بلغتني منكِ منذ أيام. فهل يكفي يا صديقتي أن أعتذرَ إليكِ عن فظاظتي، وخيبتي في فطنتي وتقديري؟

تحملني خواطري يا صديقتي إلى ليلةٍ بعينِها، ونحن نلبِّي دعوةً على العشاء، حَرَّمْتُ لاحِقاً مثيلاتِها على نفسي. كانتْ واحِدَةً من ليالي هارون الرشيد، لمناسبةِ عرسٍ ميمون، طالما انتظرَهُ عشراتُ المئآتِ من المدعويين مِمَّنِ اختارَهُم أهلُ العروسين طبقاً لقناعاتِهم، التي يتحكمُ في مفاصلِها الغباءُ والمال. بعضُ المدعوين من الاغتراب حملتْهم طائرةٌ خاصة.

كنّا على طاولةِ أهلِ العروس، وكانتِ الساعةُ تجاوزت الحادية عشرة، عندما انتقلَ المدعوون إلى "البوفيه"، سُفْرَةٌ غنيّةٌ بأشهى وأفخرِ أصنافِ الطعام. أمُّ العروس بتواضعٍ شديد ليستْ بعيدةً كثيراً عن محيطي العائليّ "الكريم". جلستْ إلى جانبي أكرمَها ربُّها وأطالَ في عمرِها، وزادَ في مالِها وصحَّتِها، وأعادَها إلينا من غربتِها في بلادِ "السُّود"، سالمةً من كلِّ سوء.

كانتِ الدعوةُ إلى "هارون الرشيد": قصرٌ قديمٌ أعدَّه أصحابُهُ خصيصاً للأفراح، يقعُ على الطريقِ الساحلية بين بيروت أمِّ الشرائع، وصور القلعةُ البحريَّة التي قاومتِ الإسكندرَ الكبير، وحملتِ الحرفَ إلى الإغريق. خصَّصوا لنا طاولةً بالقربِ من شلالٍ يُضفي على المكانِ مناخاً مُنْعشاً. تتهاوى منهُ مياهٌ ملونةٌ تُفْرحُ القلبَ وتحمِلُ البهجةَ للعين، سحراً شرقياً قلَّ نظيرُهُ في غيرِ مكان. في مقصفِ الأفراح ليس بعيداً منا، يتألقُ العروسان على مقعدينِ مزدانينِ بالشرائطِ الملونةِ وباقاتِ الورود، وشموعٍ كثيرة، كأنَّها مناسبةُ "الخبزِ والخمر في القربانةِ الأولى".

ما لفتَني في تلكَ الليلة الجليلة، إقبالُ العريسِ على طعامٍ كأنَّهُ خائفٌ أن يفوتَهُ قبلَ أن ينتهي الاحتفال، أو كأنهُ دفعَ ثمنَهُ وينبغي أن لا يبقى منهُ ما يضيعُ على جيبِهِ وبطنِه. أكلَ بنهمٍ لا يُوصف، ونوَّعَ في الأطعمة مرات، فلم يَتْرُكْ صنفاً يغيبُ عن صَحنِه: من الكبابِ إلى الكفتة إلى شطائرِ اللحمةِ والسمك والدَّجاج والحمص بطحينة، "فالقريدس" والمعجنات المختلفة، ولم يقصِّرْ مع الشاورما "والكافيار"، بالأضافة إلى الفواكهِ "والكاتو"، والكثيرِ من المشروباتِ الغازية، لعلها تساعدُهُ أن يهضمَ ما أكلَ، أو ينفجر. أستميحكِ عذراً يا صديقتي على خسِّتي في هذا الوصفِ الدَّنيء، لكنّهُ وصفٌ عادلُ ودقيق.

أهلُ العروس "عاشتْ بهم أوطانُهم" ناءَتْ أجسادُهم برؤوسٍ فارغة أثقلها المال. جُنَّ جنونُهم في بادرة فريدة، فرابطوا على الطريق الخارجية المحاذية للفندق، يستوقفون سياراتِ المارة، يلِحُّون على رُكّابها بالدخول والمشاركة في الطعام والشراب. حتى سروال العريس كانَ لهُ نصيبٌ من الوليمة العامرة.

لم تكنْ تعنيني الخفَّةُ والبراعة، في لعبةِ السيفِ والترس، أو ما أطلقوهُ من الحمامِ الأبيض، وفرقة الرقصِ الشعبيّ في زيِّ الجواري لم تحرِّضني، حينما رَقَصَتْ على نغم "حَنِّ الحَدِيْدْ". ولا أثارت اهتمامي المفرقعاتُ النارية، وقد أضاءتْ سماءَ الفندقِ والجوار بألفِ شكلٍ ولون، وعشرات "الكاميرات" بأذرعٍ عملاقة، تجوبُ كلَّ زاويةٍ في الحفل وتسجِّلُ أدقّ التفاصيل. لم يكنْ يعنيني الغناء، وهزُّ الخصرِ؛ أو لَيُّ القِوام. لا التخمةُ كانتْ تعنيني ولا الجوعُ، ولا يعنيني العدلُ والظلمُ في جنباتِ الأرض، أو مسكوكاتٍ ذهبيَّة أُعِدَّتْ خِصيصاً للمناسبة الكريمة. كنتُ حياديّاً إزاءَ الهدرِ والتقتير، أو الخللِ في توزيعِ ثرواتِ الأرضِ على أصحابِها.

كان هَمِّي ينحصرُ فحسب في حالِ العريس، في ليلتِهِ وحلمِ حياتِهِ. ألهبتْ خيالي هذه الكتلةُ المفزعةُ الضخمة. تتجردُ وتفوحُ منها رائحةُ المال وزنخةُ القصَّابين، تتدَحْرَجُ وتلقي نفسَها في حقلٍ منَ الخُزامى، أو حوضٍ من النّسْرين. نسيتُ نفسي؛ أعوذُ بالله من شرِّ الشيطان الرجيم. وقادَني خيالي إلى البعيدِ البعيد، فتلاشى في أذني صوتُ الطبلِ وغابتْ عني أحلى المواويل.

أمُّ العروس "كرَّمَ اللهُ وجهَها" ردَّتني إلى إدراكي وهي تسألُني رأي بالعرسِ والعروسين. طمأنتُ بالها وقلتُ لها: العرسُ ما شاءَ الله وشِئْتُم، من أعراسِ العمرِ النادرة التي يُؤرَّخُ لها بحق. والعريس يا رعاهُ الله! أكلَ بشهيةٍ تُخزي العين؛ تكادُ تفيضُ عن حاجةِ فريقينِ من لاعبي كرةِ القدم. طمأنتُها على أحوالِهِ وقلتُ لها مازحاً، وكلُّ مزاحٍ في الأعراسِ مقبول: لو انَّ شهيتَهُ على النساءِ كشهيتِهِ على الطعام، فالنعيمُ وسعادةُ الجنّة تنتظرُ ابنتها.

لكنني ما كنتُ أخشاهُ في سرِّي أن يتجشأ العريسُ بصوتٍ مسموع بُخارَ "البَسْطُرْما" والبَصَل من فمِهِ وبطنِه، وهو في أحضانِ العروس، ثمَّ يتداعى على الجنسِ كما تهالكَ على الطعام، وفي أواخر الليل يملأ بشخيرهِ الدنيا ليوقظ بلا جدوى، ثورةً على الفقر والظلم والجهل والجوع. سامحيني يا صديقتي مرةً أخرى على خيبتي وخِسَّتي، وعقم هذا الوصفِ الدنيء.

أمُّ العروس أسعدَ اللهُ مساءَها بالخير مرَّةً أخرى، لم تقصِّرْ أيضاً، فقد أعدَّتْ لنفسِها صحناً مُنَوَّعاً أو "جاطاً" كبيراً كالبيدر، ثم عَجِزَتْ على بدانتِها أن تستهلكَ رُبْعَه، فأمَرَتِ النادلَ أن يرفعَهُ عنِ الطاولة ليستبدِلَهُ بصحنٍ فارغ. بقيَ فارغاً أمامَها حتى رفعَهُ النادلُ مرةً أخرى في نهايةِ الاحتفال " كغصنٍ من الزعرور" (1)، هكذا عقَّدَني العريسُ وَطبَعَتْني أمُّ العروس. لعلي لهذا السبب يا صديقتي قلتُ لكِ ما قلت. أنا شديد الأسف ونادمٌ على ما فعلت، فلو تراءى لي لحظةً واحدة، أنك تشبهينَ العريس أو أم العروس "لكتمتُ" أنفاسكِ فأرحتكِ من الدُّنيا ومن هذا العذابِ اللعين.

وبعد، أرجو ونحن في رمضان أن تصدقيني القول: ألا يوحي لكِ منظرُ من يأكل ويتلمَّظُ بعد الإفطار وقد انتهى من تناولِ الحلويات "كالقطايف" بالجوزِ والجبنة، ثمَّ يتمدَّدُ مقابلَ التلفاز على "كنبةٍ" تتّسعُ لثلاثة أشخاص، يُتابعُ مُسلسلاً فاشلاً عن محمود درويش، يضعُ أريكةً تحت قدميهِ، يرفعُهما للراحة إلى الأعلى، ووسادةً وراءَ ظهرهِ لمزيد من الراحة، وأخرى تحتَ مرفقيه للمتعة والكسل، ألا يوحي لك هذا المشهد بمن تهالكَ على الطعام، وخسِرَ جزءاً مما ابتغى لنفسهِ من ثوابِ العبادة والصوم؟

أمَّا أنا يا عزيزتي فلستُ "طوباوياً" ويعنيني الطعام، ولو أنَّهُ يُرْهِقُني أحياناً؛ فأجدُهُ فرْضاً لازماً، وعبئاً أقومُ به مرتينِ في اليوم. لكنني لا أكتمُكِ أنني أرْغَبُ في أصنافِ السمكِ المُدَخّن "كالسلمون"، ما أكلناهُ معاً في دعوتك الكريمة. وأحِبُّ أنواعَ الجبنةِ وعصير المانغا والبوظة. ضعيفٌ أيضاً يا صديقتي أمامَ الشوكولا والمرأة والتدخين. ولكنني لم أكن يوماً كأُمِّ العروس، أو على مذهب صهرها المحروس.

=====

(1) التعبير للكاتب اللبناني الراحل: سعيد تقي الدين.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3429100

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC