أوس حسن - العراق

عرض كتاب: التحليل النفسي للمهجر والمنفى

عرض كتاب: التحليل النفسي للمهجر والمنفى لـليون وربيكا غرينبرغ

.

أوس حسن"المرء لا يعود أبدا؛ المرء يرحل فقط "

بهذه العبارة أنهت الكاتبة والمترجمة العراقية الراحلة تحرير السماوي كتابها الأخير "التحليل النفسي للمنفى والمهجر" لـليون غرينبرغ وربيكا غرينبرغ، الذي يضم سبعة وعشرين فصلا تندرج ضمن سياق التحليل والمعالجة النفسية لظاهرة الهجرة وانعكاساتها على الفرد المهاجر طوعا أو قسرا من وطنه إلى المنفى.

يعتبر كتاب التحليل النفسي للمهجر والمنفى من الكتب النادرة والمميزة التي تزخر بها المكتبة العربية، وذلك لشح المصادر المترجمة التي تخص ظاهرة المنفى والاغتراب وأثرها على الإنسان، فقد عالج الكتاب مواضيع هامة وعميقة في التحليل النفسي للمغتربين والمهجرين من خلال تسليط الضوء على عدة أمثلة في عيادة التحليل النفسي، وما يعانيه المغترب من صدمة وأزمة، وانقسام في عالمه الداخلي، وذاته التي يسيطر عليها الخوف من المجهول، والخوف من النبذ والطرد خارج المجتمع، وما ترافقه من كآبة انفعالية حادة .

يبدأ الكتاب بمقدمة مميزة كتبها الشاعر العراقي عواد ناصر جاء فيها:

"إنه كتاب المرايا: مرايا يضعها الباحث أمام وجوهنا القلقة وأرواحنا اللائبة ونحن نبحث عن زاوية أمينة تؤمن الحد الأدنى للبشر الهاربين من ممرات النيران والأقبية المظلمة. إن المكان أي مكان حسب تجربتي المتواضعة ليس معاديا للكائن البشري، سواء كان مقيما، أو وافدا، مهاجرا أو مغتربا أو منفيا، بل أن المنفي أو الوافد أو المهاجر هو الذي يحمل معه عدوانيته المسبقة إزاء المكان الجديد".

يغوص الكتاب عميقا في ظاهرة الهجرة مرجعا جذورها الأولى إلى الأساطير كهجرة آدم وحواء وأسطورة جنة عدن وبناء برج بابل وتراجيديا أوديب الإغريقية، التي أثبتت إلى حد ما أن جزءا من شخصية الإنسان يطمح للمعرفة، بينما أجزاء أخرى تقف على النقيض من ذلك مما يولد لدينا الإمكانية لفهم نوايا البشر في البحث والهجرة وتعدي الحدود المرسومة من أجل اكتساب المعرفة، فتتحول الهجرة إلى هجرة نفي وعقوبة مما يولد لدى الإنسان عوامل الألم والإرباك وعدم التواصل.

يعرض الكتاب أيضا ظاهرة الهجرة ونتائجها والعوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر جوهريا في شروطها، وما يصاحبها من إشكالات نفسية تعمق الشعور بالانفصال والازدواج لدى المهاجر، بين محيطه القديم والجديد، فيحيا الإنسان في صراع بين زمنين وشخصيتين .

كما يتطرق إلى المواقف والانفعالات التي تتشكل بين المهاجر ومحيطه الجديد، وبين المهاجر والناس الذين تركهم في البلد الأصلي، فتستيقظ لدى الفرد مخاوف وهواجس عدة: مخاوف الاضطهاد الناجم عن التغيير والجديد والمجهول، ومخاوف تحمل طابع الكآبة الناجمة عن الحزن والرثاء، وفقدان الأدوات الداخلية الحقيقية للفرد .

ويشير الكتاب أيضا إلى الكوارث النفسية الناجمة عن فقدان الإحساس بالهوية، وتعزيز الذات في المحيط الجديد، فإما أن يصبح الفرد ضحية هزة عنيفة يبتلع نفسه والآخر، وإما أن تخرج هذه المعاناة على شكل إبداع وخلق جديد .

ويعالج الكتاب ظاهرة التبني وتأثيرها على الأطفال الذين تركهم أهلهم وهاجروا، نتيجة الظروف الصعبة من خلال الجلسات في العيادة النفسية، والتي يطلب فيها المحلل النفسي من الأطفال الرسم والتعبير عن مشاعرهم لكشف الدلالات العميقة المختبئة في مكنونات لاوعيهم .

هناك عدة مواضيع محورية أيضا يسلط الكتاب الضوء عليها منها: علاقة المهاجر باللغة، وقابلية تواصله واندماجه مع الآخرين في المحيط الجديد، مدعما فكرته بنظريات ودراسات هامة في علم اللغة كالسيمولوجيا والسيموطيقيا (علم الرموز والدلالات)، إلى آخره، و إمكانية العودة للفرد المهاجر إلى موطنه الأصلي، وما يصاحبها من أثر نفسي عندما يعود؛ ليجد أنه فقد نشوته القديمة في الذكريات والحنين .فالأشخاص الذين تركهم لم يعودوا كما هم أو كما زينت له مخيلته في المنفى، ولا المكان توهج بسحره القديم في الذكرى، فيهوي في صراع عنيف مع الذات والزمن .

وفي باب "المنفيون وشهادتهم" يستعرض الكتاب بعض الرسائل والشهادات الشخصية، التي تعكس اختلاف أشكال الهجرة، منها رسالة الكاتب توماس مان إلى هيرمان هيسه والتي يتحدث فيها عن العودة اللاممكنة؛ ورسالة سيغموند فرويد من لندن إلى تلميذه ماكس آيتنغون قبل وفاته بعام واحد، والمؤرخة بتاريخ السادس من يونيو سنة 1938، والتي يصف فيها مشاعره عندما ترك منزله ومدينته المحببة فينا الشاهدة على مجمل إخفاقاته ونجاحاته، ومسيرته التي تكللت بأعظم وأشهر النظريات في علم النفس.

لم يكن بنية فرويد ترك فينا في يوم من الأيام، لولا ظروف الحرب العالمية الثانية التي أجبرته على الهجرة القسرية إلى لندن، لكنها السجن الجميل الذي ظل يحن إليه فرويد، كما جاء في رسالته إلى ماكس: "السجن الذي سيتركه المرء يوما، يكن له محبة خاصة".

إن عودة الإنسان لذاته وجوهره، ووعيه الكامل بخياراته وقراراته من خلال قوة أداوته الداخلية وعلاقتها بالأشياء من حوله ترسم له مصيره المرتبط بالشقاء أو البؤس في هذا الوجود .

وإن محصلة الأهداف النهائية للإنسان هي السعادة، التي ترتبط بمدى وعينا وإدراكنا العميق للحياة، فرغم قسوة المنافي وألم الاغتراب، يجب أن نتعلم كيف ندرب أنفسنا على الفقدان وكيف نهضم الحزن والرثاء، لنؤنسن معاناتنا وشقاءنا في هذا العالم، فالحياة عبارة عن رحلة طويلة وشاقة داخل تعرجات النفس البشرية، كي تتوهج بالمحبة وفرح الكينونة.

حقا إنها أشياء سحرية وغامضة، أشياء تشبه الحلم والموت والميلاد الجديد.

= = = = =

المعلومات المتعلقة بالكتاب بالإنجليزية:

Grinberg, León, and Rebeca Grinberg. Psychoanalytic Perspectives on Migration and Exile. New Haven: Yale University Press, 1989.

المعلومات المتعلقة بالنسخة المترجمة إلى العربية:

غرينبرغ، ليون، وربيكا غرينبرغ. التحليل النفسي للمهجر والمنفى. ترجمة تحرير السماوي. بغداد: دار المدى، 2008.

غلاف كتاب التحليل النفسي للمهجر والمنفى

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC