محسن الغالبي - السويد

فراشة


محسن الغالبيمنذ عشرين عاما، ربما أكثر، حينما أجتمع كبار قومي على قتل كل الطيور في بلدي، لم أدرك حينها غايتهم من القتل. كنت غبيا مغسول الدماغ أصدق ما يقال. وحين كبرت أدركت أن غايتهم كانت ألا نتعلم الطيران حين نكبر. كبرت وظل كبار قومي يتصاغرون ويصغرون. أظنهم تلاشوا كلهم الآن ولم يبق منهم سوى تلال قاذورات وفوضى.

قتلوا فيّ وفي الآخرين رغبة الطيران، وحين هبت رياح السوء تكشف سوءاتهم، حملتني الرياح غربا.

كنا نخرج ندفن قتلى الطيور حتى استحالت بلدي مقابر لها. خلت السماء من سكانها وضجت الصحراء بالسجون والسجانين؛ سجون متلاصقة سجّان يمسك سجّان [1].

عشرون عاما أوغل في السفر غربا، وإذ أستدير أرى الوطن الزنزانة يوغر في صدري حنقا لا أكاد أتفاداه. وحين أفقت من سفري وجدتني أقف تحت بوابة الجامعة في بغداد بشرخها الذي فلق هامتها وظلت منتصبة واقفة تبارك عابريها. وجدتني خارجا منها ولمّا أدخلها بعد، تزفّني فراشة لها أجنحة بلون الطيف وألوان أخرى لم تعهد العين رؤيتها بعد. ماتت طيور بلادي وورثت سماءها فراشة.

ظننت أنني أحلم، وما زلت، برغم كل اليقين الذي يداهمني كل ليلة، وأن من بعض اليقين سرابُ. فتحت لها كفي فحطّت "كغيمة في الريح نازلة إلى المغرب" [2]. سألت فراشتي من أي البلاد قدمت؟ قالت أقترب وشمّ رائحتي. ستعرف.

سومرية كانت، أكدية، عبق أور فيها وأريدو [3].

رقيقة كانت، وهشة، فكنت أتحاشي المساس بها خشية أن أخدشها. شفافة كانت إلى حد أرى الآخرين من خلالها. تحلق حولي فيلاحقها فؤادي خوفا عليها. أعذب من وعود كل المعابد كانت، وأصدق. وأرق ّ من قصائد العشاق كانت.

سمراء، بيضاء، ناعمة، طرية، طازجة، زهرية، زرقاء، بنفسجية. عذبة كالعشق، لاذعة كالشوق، خفيفة مثل الظلال، دافئة كالشمس أو كعناق ما بعد الفراق. بهية، شهية، رقراقة، متلألئة، حسناء؛ لكنها فراشة.

كنت أمشي أحملها على كتفي، أحادثها فتنتقي الكلمات انتقاء وترسلها قبلا تغوص داخل دمي. أمسكت بالملكين عن اليمين وعن الشمال، أهديتهما إلى سلة مهملاتي وأفرغت لها كتفي واكتفيت بها. كان يسرقني الحديث معها وتثملني كلماتها فأوصل ليلي بنهاري. أن حضرت يغيب العالمون طواعية، وأن غابت يجن ّ جنوني.

فراشة بحجم شفاهي، لكنها صارت بحجم الوطن. ووطن بحجم أوجاعي لكنه صار بحجم فراشتي. ربما مفارقة كانت: أن الذي يربطني بوطني فراشة.

عشرون عاما أوغل في السفر غربا، وحين أفقت من سفري وجدتني أغذ السير شرقا نحو الهند، أرافق إليزابيث في بحثها عن الذات [4]. لها هندها ولي هندي. وكلا الهندين عالم، فإن وجدت هي ذاتها، فقد وجدت جناني.

أففت من سفري. كل شيء كان قفرا. أتلفت حولي في هذا الوطن القفر، في صحراء الروح، ولا أحد. كأنني "أضعت في عرض الصحراء قافلتي" [5] باحثا عني في عينيك. نعم، وجدت في عينيك ذاتي. وعليّ الآن أن أعبر هذه الصحراء هاربا منها: "هذه الصحراء ما عادت أمينة"[6].

بالأمس سمعت مناديا ينادي بسجن كل فراشات الوطن. يا إلهي. ما بال هذا الوطن يغتال الجمال؟ ما بال قومي "يخربون بيوتهم بأيديهم"[7]، ولا يبنون غير السجون؟

لم تنج الطيور منهم فعادوا يطاردون الفراشات. تركوا أرضهم قفرا ثم ولوا صوب السماء ليحيلوها هي الأخري قفرا.

فراشتي: ما زال كتفي موطنك.

تعالي نغذ السير نحو الغرب شرقا.

ما على هذه الأرض لنا من وطن.

صورة مركبة

= = =

[1] من قصيدة " في الحانة القديمة" للشاعر مظفر النواب.

[2] من قصيدة " قصائد عن حب قديم" للشاعر محمود درويش.

[3] سومر وأكد من حضارات ما قبل التأريخ في جنوب العراق، وأور وأريدو من المدن الواقعة هناك.

[4] إليزابيث جيلبرت في روايتها "طعام صلاة حب" وسفرها إلى الهند بحثا عن الذات.

[5] قصيدة "أنا وليلى " للشاعر حسن المرواني والتي غنى بعض أبياتها كاظم الساهر.

[6[ من قصيدة "آية النسف" للشاعر أحمد مطر.

[7] الآية 2 من سورة الحشر، القرآن الكريم.

D 24 شباط (فبراير) 2016     A محسن الغالبي     C 6 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • أن يحتضن السرد باقات شعرية، وأن يتحول الوجع أنينا، والأوطان سجنا أو صحراء مقفرة، ويظل القلب متعلقا بالوطن السِّجْنِ والسَّجَّان في الآن نفسه، ومع ذلك يظل الكتف فننا لفراشة بحجم الوطن، يحتضنها الفؤاد كما تحتضنها السماء، وإن ظل السجانون يفكرون في مطاردتها...
    إن آلات القمع، وإن أفلحت في قتل العصافير/الأطفال/ الأمل/ المستقبل، فإنها لن تستطيع أبدا اعتقال أو سجن الكلمات التي تتشكل فراشات بألوان قزحية بامتداداتها هي مزيج من الشعر والألم. أقول لك بكل صدق: لقد أبدعت وأجملت، ولامست الجرح العميق الكامن في أعماقنا جميعا. لك مني كل التحية والإكبار...


  • سأحاول كبح جماح جنوني .. و أكتب بموضوعية عن نص قمة في الجمالِ و الشاعرية .. سأتحاشى التغزل بأنامل صاغت هذا الترف الباذخ .. سأتجنب التودد لحروفٍ .. تأمرني بالتوحد فيها
    هل أعصيها و أبوء بذنبي و ذنبهم الى آلهة العشق ؟؟
    بل سأطيعها و أراودها و أرودَ موعدها الهني ..
    تألقتَ رساماً للشغف .. و أجادَ قلمك ناثراً للعبق في رياض الأدب ..
    دمتَ موطناً لفراشتك ..


  • كتبت عن واقع مرير فأجدت وأحسنت وأبدعت.
    كل التقدير لحروفك الراقية أستاذ محسن.
    دمت والوطن بخير.


  • ربما حين قتلوا الطيور تعمدوا ان يعلمونا انه ليس هناك وطن .الوطن خرافة.ولم يعلمونا انه لا وجود حقيقي للوطن حتى نضل نجوب البلاد واحساس بالضياع يغلفنا.بالحقيقة الوطن اسطورة .وطنك البلد الذي يحتويك حين تقتل الارض التي ولدت فيها كل شيء حلو فيك


    • الصديقة هدى... ربما أتفق معك أن الوطن خرافة...هناك من وضع الحدود، هناك من وضع تسمياتها، هناك من فرق بينها، هناك من خلق الخلافات والحروب بينها، هناك من أختلق الجهاد دفاعا ً عنها...وربما هنا أنا أبحث عن وطن آخر من طينة أخرى.

في العدد نفسه

كلمة العدد 117: الصحافة والإنترنت: نهاية العصر الورقي؟

وداعا أنيس البرغوثي

الرحيل

فتنة الضوء

قــرع

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  يوم أرض بنكهة خاصة

2.  التجريب في رواية المتشائل

3.  البديعيات: فن بلاغي يحتاج إلى التأمل

4.  مرافىء السفـــــــر

5.  الكتابة لليافعين: ندوة