عبد العزيز المزيني - السعودية

الرحيل

عبد العزيز المزينياعذروني، ربما تجدون أفكاري في هذا المقال غير مرتبة، فقد قفزت عدة مرات إلى وسطه وآخره وأوله. إن أفكاري كمشاعري مرتبكة ومتناقضة، لكن - قسما لا أرجو منه إلا أن تصدقوني - في جزء من هذا المقال ذرفت دمعة.

سأنطلق من كلمة (رحل)، كلمة من ثلاثة حروف، تبدو صغيرة لأول وهلة، قليلة الحروف، ومفرغة من أي مدلولات؛ لكن حين تعيد النظر، وتتأمل تلك الكلمة من جديد، وتعيد التفكر في معانيها؛ تجدها ذات حمولة دلالية عالية، حتى لو لم تكن مصطلحا مشهورا.

إنها من تلك الكلمات التي تفتح أمامك أفقا أوسع لتوجهها في اتجاهات عديدة، تتقاطع فيها المشاعر بالغربة والوطن، ليكون الرحيل مكانيا، ثم تنقلك (رحل) نفسها زمانيا لترتبط بعادة العرب قديما من ترحال ومكوث يعقبه ترحال. بما ينقلنا لحمولات أدبية لهذه الكلمة كقول النابغة:

أزف الترحل غير أن ركابنا = = لمّا تزل برحالنا وكأن قدٍ

وهذا البيت عندما قرأته لاحقا، (البيت للنابغة الذبياني، وهو أحد شواهد ألفية ابن مالك في النحو لدخول تنوين الترنم على الحرف "قد")، نقلني لمرحلة من طفولتي أنا شخصيا، عايشت فيها الترحال والتنقل بـالخيمة أو (بيت الشعر). وهي مرحلة من طفولتي كانت الحياة فيها مفتوحة للصحارى وللأمنيات ولكل شيء، ولاحقا والآن مع سباق التحضر عايشت حياة إسمنتية جامدة، اتسعت معها الأمنيات وضاق فيها متنفس الروح.

بل إن (رحل) تتجاوز دلاليا بكل تشكلاتها اللفظية إلى العلاقات، سواء تلك السطحية كعلاقات الزمالة والصداقات المتعددة، أو العلاقات المركبة والمعقدة كعلاقات القربى والعلاقة الزوجية. فهذا المتنبي الشاعر المشهور في موقف مشهور جمعه بنديمه وصديقه سيف الدولة أمير حلب، مع آخرين، فاحتدم النقاش عن شعر المتنبي في هذا المجلس، حتى وصل أن أخذ أحد الذين تصيبهم الغيرة من المتنبي أداة أو دواة بيده ورماها صوب المتنبي، فأصابت وجهه، فكانت ردة فعل سيف الدولة أضعف من كل تلك السنوات التسع من المنادمة والصداقة بين الشاعر والأمير.

حينها، ومع ذلك البرود، أطلق المتنبي زفرته الشهيرة: "وا حر قلباه ممن قلبه شبم...، والشبم هو البرود، فقرر المتنبي لحظتها الرحيل من حلب إلى مصر، حينما رأى ردة فعل سيف الدولة باردة لا ترتقي لتلك المنزلة التي يضع المتنبي نفسه فيها عند سيف الدولة.

رحل المتنبي وترك قصيدة مؤثرة تركز على معنى (الرحيل)، وقرار الرحيل، منذ بدايتها، ومنها هذا البيت الذي وردت فيه اللفظة حرفيا:

إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا = = ألا تفارقهم فالراحلون همو

إن الرحيل قد يكون قرارا فجائيا في لحظة ما، أو عن تفكير عميق، حين تقرر أن تنسحب من حياة أحدهم، أو تضطر أن تترك حياة أعمق وأقوى، كالطلاق بين زوجين بينهما عشرة طويلة وربما بينهما أولاد وحياة أسرة متكاملة. لكن هذا حينما يحدث تكون كلمة (رحل) بكل ذلك الزخم الدلالي لمعنى الفراق.

لا أريد للاستغراقات الأدبية أن تأخذني بعيدا عن حمولات دلالية أخرى لكملة (رحل). فهو الرحيل بكل معانيه، وآلامه. وأشده ذلك الرحيل حين لا تجد وطنا يأويك، ولديك أفواه جائعة يتهددها البرد والرصاص والخوف من كل جانب. هو الرحيل عن الوطن، ما أقسى هذه الكلمة، وأنا أتأملها فقط تأمل الباذخ الذليل! ذليل لأنه باذخ، بينما هناك من بني أمته من قرر الرحيل عن وطن، لكيلا يحتمي أطفاله إذا جنّ عليهم الليل البهيم والبرد السقيم بقطعة كرتون صغيرة.

لن أحبس دموعي هذه المرة، أن تفر، لن ألوم نفسي فمالي ذنب، لكنها اغرورقت، فحارت لوهلة نظراتي، وحالت بيني وبين الشاشة التي ترتسم فيها حروفي. توقفت وعدت أحلل السبب، لا أدري هل هو حزن على منظر الطفولة، ممزوج بإحساس دفين بألم العجز، عجز الأب عن توفير ملاذ آمن لأسرته، أم هو عجز اعتورني أنا المتبذخ الذليل العاجز قبل ذلك الأب الشهم الرفيع صاحب القرار.

لم أستطع حبس الدموع. إنهم يرحلون ويتدافعون من أجل حياة كريمة لأسرهم فتسقطهم يد المنون من أعلى سفينة أو على شاطئ لا قرار له.

يا لهذا الرحيل كم يجر من ألم، لم تشبع كلماتي نهمها حتى الآن من معنى الرحيل عن وطن. سأعجز عن الوصف، لأن من لم يذق مرارة الموقف ومعناه حقيقة وواقعا، قد يتخطفه بكلمات عابرة لا تلبث أن تمر بسلام.

يتلاشى رويدا من أذني طنين أصوات الضياع والغربة بلا وطن؛ بصوت الأرض طلال مداح وهو يترنم بأغنيته "وترحل..."، ويتعالى صوت أصالة، وهي تهز بصوتها الجبلي كل الحمولات الدلالية للكلمة في أغنيتها "رحل".

والرحيل قد يعني السفر والاشتياق ولقاء الأهل، وهنا يحضرني كلام قرأته للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أختم به حديثي؛ لأن دلالات هذا الكلام تتجاوز معنى الرحيل إلى تصوير فعلي لزمننا هذا الذي لم يعد فيه طعم للرحيل بمعنى الوداع، ولا حتى لنقيضه اللقاء.

يقول الطنطاوي مقارنا بين ماضيه وحاضره في تلك الفترة:

كنا نتوجه من الرياض إلى الشام على الدواب، وكان ما يصلنا عن أهلنا من الأخبار شحيحا، قد تنقله رسالة تأخذ شهورا وأياما قبل أن تصل حروفها، ولم يكن بيننا أي تواصل، إذ لم تخترع الهواتف في ذلك الزمن، فكانت رحلة العودة إلى الشام تحمل في طياتها كل معنى للشوق والترقب والانتظار.

كنا نسير بالدواب مسيرة شهرين، وحينما نقترب من أهلنا الذين لا نعلم عن أخبارهم شيئا تسبقنا إليهم حنايانا والضلوع، شوقا ولهفة لهم، ولمنظرهم وللسلام عليهم وللحظة عناقهم.

هذا الترقب والأمل، وألم الرحلة، جميعها تحمّل النفس طاقات هائلة، طاقات تنتظر لتنفجر لحظة اللقاء، وحين تنتهي تلك الرحلة الشاقة والطويلة، ونرى منازل أهلنا من بعيد تتجمع الدموع وتزداد اللهفة والشوق، فإذا فتح الباب صار العناق بالساعات والدموع غزيرة مشبعة بالآهات وحرارة اللقاء.

ثم يقارن الطنطاوي، يرحمه الله، بزمنه اللاحق فيقول:

الآن مع كل هذه الوسائل للتواصل، يقصد الهاتف، كل يوم تطمئن على أهلك بالهاتف، وعندما تقرر الرحيل لهم تأخذ طائرة مدة ساعتين من الزمن؛ فيكون اللقاء باهتا لا حرارة فيه ولا شوق.

رحم الله الشيخ الطنطاوي، لو عاش زمننا هذا الذي تضاعفت فيه السرعة وزادت الوسائل أكثر، ليتوارى معها كل ذلك الشوق وتلك اللهفة، وتختفي حرارة اللقاء.

نرتحل ونلتقي كأننا لم نرتحل لحظة، وهذا من واقع تجربة يحدث معي، فأخي الذي يغترب بالسنوات، وأختي التي بالحي المجاور؛ كلاهما ألتقي به، ويمر السلام باردا لا معنى له، ثم لحظات قليلة بعدها كل واحد منا يأخذ هاتفه المحمول ويندمج معه ليمارس وحدته التي اعتاد عليها. ولكيلا أكون قاسيا تمر بعض الكلمات العابرة، لكنها خاوية، لا معنى لها، ولا مشاعر صادقة فيها.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3423906

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC