عبد العزيز المزيني - السعودية

صناعة الأمل

عبد العزيز المزينيتسير الخطى لاهثة خلف حقيقة واحدة تطمئن لها النفس وسط عالم يجري بسرعة فائقة، تعيد النظر إلى ذاتك مرة أخرى، لتبسط يدك على ماهية تود أن تتحقق، فتضيع الأحلام الكبيرة وسط أزيز الرصاص في وطن يتآكل، يصدأ، يلتهم بعضه بعضا. تعجز عن تفسير مقنع فتعود للدائرة الأولى لأن خطاك ستكون لاهثة مرة أخرى بلا جدوى.

أكتب هذا وفي مخيلتي تساؤلان اثنان: ما دور المربي والمثقف وسط عالم يموج بكل الإحن ويطفو على بحر من الويلات؟ وهل يتحرك هذا المثقف على أمل وحيد بأن جيلا جديدا سينبثق من رحم هذه الويلات والحروب ليصنع الغد والمستقبل؟

لا تتوقع أن تتلقى إجابات شافية لأن ما ذكرته سلفا عن الخطى اللاهثة نحو لا شيء سيعيدني معك إلى نقطة اللانهاية.

لكن سأترك ليدي حرية الانطلاق على لوحة المفاتيح، لا لنجد حلا أو جدوى لأي شيء؛ ولكن لأفضفض لك ربما، حتى لو تخيلت عالما ورديا سأكون شفيت بعض جراحي، أو وضعت منظارا خاصا يسير وسط الظلام ويرى بؤرة ضوء بعيدة جدا هناك في المنتهى؛ هناك حيث يفتح الضوء عينيك رغما عنك لأفق واسع وبراعم خضراء جديدة، وبساتين من الأمل، وإشراقة جديدة تطوي معها ذكريات الظلام للأبد.

نحن هشيم تذروه الرياح، رياح التغيير ربما، وها أنا أفتح من جديد نافذة في الطريق المظلم، لأني أراك في آخره، نعم أراك أنت أيها المربي؛ الكاتب؛ الفنان؛ المؤلف؛ الرسام. حتى ذلك المتأمل بألم دون أن يضع إزميله في أي خامة جديدة.

ليس لك من الأمر شيء، فقط لك أن تقوم بعملك الذي أوكلت به على الوجه الملائم، نعم ليس لك من الأمر شيء إلا العمل والعمل المستمر، قد لا تعي ما تصنعه يداك، لكن وعيك وحتى ألمك أو تأملك هو نافذة المستقبل، هو الضوء في نهاية الطريق.

هنا تتراءى لي عشرات الصور رأيتها بنفسي وتألم لها نبض قلبي، صور الدم والجوع والخوف، صور هي نتاج كامل لأعوام من ويلات الحرب والانقسامات واللاجدوى والعبثية. لكني أراها خلفي في النفق المظلم وأتطلع لبؤرة الضوء من جديد، هناك حيث يولد جيل جديد تصنعه أنت ليخلق بدوره الأمل والمستقبل المشرق.

المستقبل المشرق: يا لها من كلمات رنانة ستبركني حين أعيد البصر وهو حسير إلى الظلام خلفي. لكن من رحمة الله بنا أن عيوننا لا ترى في الظلام، لذا ستختفي تلك الصور المرعبة بالرغم من وجودها، وسنستمر في حث الخطى للسير قدما، ويستحيل أن تقف في الظلام وأنت تلعنه. ستستمر في السير نحو الأفق الجديد حتى لو كان الظلام يلف كل ما حولك. ما دمت تسير للأمام، لا بد من بزوغ ولو وميض ضوء صغير يهديك للطريق.

ربما وسط يأسك تصنع الأمل، وأنت لا تدري، عن طريق إنتاج لوحة أو رواية أو عقول صغيرة في فصل به عشرات التلاميذ، أو عن طريق تغريدة صغيرة تبثها أنت لتطويها في جزء من الثانية أصابع ملتفة حول شاشة هاتف يبعد عنك آلاف الكيلومترات.

تعلمنا أن اليأس له حدود. لكن الأمل بلا حدود؛ ممتد كالأفق البعيد كالمواليد الجدد في كل يوم. الحروب جميعها تخلف الدمار ومئات القتلى، ومع الكثير من الألم فإن الحياة بالنسبة لك ولي لا تتوقف. وبالنسبة للموتى هم تجاوزوا عتبة حياة إلى حياة أخرى. لكن أنا وأنت ونحن جميعا مسؤولون عن المواليد الجدد؛ عن وعيهم عن فكرهم حتى عن أملهم؛ عن رسم ضوء لهم في لوحة مفرغة إلا من سواد قاتم.

يعجبني إيمان أولئك الماضين في سبل الحياة، مهما اسودت الدنيا في وجوههم. يلفهم ظلام دامس، لكنهم يمضون بهدوء، يصطفون خلف بعضهم، يطلبون الخبز، ويختفون للأبد.

في زمهرير البرد وفي غسق الويل ودياجي الظلمة والعوز والفقر والحاجة تتراءى لي صورة طفل وحيد في مخيمات متهالكة، يمضغ قطعة خبز صغيرة، فتبزغ ابتسامته كإشراقة شمس، ستبقى مشدوها لمنظره وتسأل في حيرة: ما السر المجهول في عينيه الصافيتين؟ هل تمثل تلك الابتسامة وذلك البريق أحد معاني الامتزاج بين الأمل واليأس؟

بينما يمضي الساسة في تخطيطاتهم وتخبطاتهم، ويسير تجار السلاح في كسب الملايين على حساب الأرواح المزهقة، يبقى صنف من الناس يصنع الأمل والوعي الجمعي، وتتفتق عن رؤاهم وآمالهم، وحتى آلامهم، نوافذ جديدة للأمل. إنهم بكل تأكيد أولئك الذين حملوا لواء الثقافة والعلم، إنهم بأفكارهم وبفنونهم المختلفة يمثلون معنى المخلص، وهم في النهاية ذلك الضوء في آخر النفق.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC