طه بونيني - الجزائر

امرأة في حيرة

طه بونيني"العَالــَمُ يَتَدَاعَى، يَهوِي بسُرعَة نَحو هُوةٍ سَحِيقَة". قالت سميرة التي تشاهد الأنباء وقد أتمّت لتوّها تحضير الغداء، وهي تتحدّث إلى زوجها الذي يبدو منشغلا بتحضير السَّلَطة وهو يُدَندِن.

"هل أصغيتَ إلى نشرة الأخبار؟" تسأل سميرة، وهي تريد إقحام وليد في الموضوع بالقوّة. وأجاب:

"الحياة فنّ، أفضّل التفكير فيما يريحني. هذا خير لي وللعالم".

وأخذ يقطِّع حبّةَ جزر بسرعة فائقة، وطبع كلامه بغمزة خفيفة تلاءمت مع ابتسامة عريضة، وكأنّه يفتخر بتقطيعه السريع للجزر على طريقة الطهاة المحترفين.

وبقيت زوجته عابسة دون حراك تراقب زوجها الذي يبدو أكثر انتعاشا من زهرة لبّت دعوة الربيع.

كان يتبّل السَّلَطة برشفاتٍ من زيت الزيتون، الذي شارك في استخلاصه، فلأعمامه مزرعة واسعة في الريف تقف مئات أشجار الزيتون فيها وهي تحرسُ الأرض. تشرئب أعناقها لتتطّلع إلى الأفق وهي تتشمّم عليل النسيم.

رجع إلى عادته القديمة، تلك التي فقدها يوم اغترب. قبل ذلك، لم يكن ينصرم الخريف دون أن يترك بصمته أثناء الجني والعصر.

خلال موسم الجني الفائت، رافقته زوجته إلى الحقل لتشاركه حفل الزيتون. كان ذلك أيّاماً بعد زفافه، وتخيّرَ الحقول مكانا يمضي فيه شهر العسل، حيث شذى الطبيعة ونسيم الروابي.

بعض العادات التي يتذكّرها وليد طفلا ثمّ شابا يافعا، زال طعمها في الوقت الحالي ولم يتبقّ منها إلّا الجزء الأوتوماتيكي، والبعض الآخر زال كليّة.

لم يكن يزور الوطن كلّ عطلة كباقي المغتربين في الضفّة الاخرى للمتوسّط، لكن كلّما سنحت الفرصة.

"شأنُه غريب هذا الرجل"، كان هذا رأي غالبية النّاس، خاصّة شباب حارته الذين يتحيّنون الفرص للهجرة. كثيرٌ من يفرّ بجلده إلى أوربا وكندا ومنحوسٌ هذا الذي قرّر العودة الآن.

أمّا جلُّ المغتربين فهكذا يتصرّفون: يجوبون العالم، يتعلّمون خلال ذلك أضعاف ما يتعلّمونه هنا. وإذا عادوا إلى الوطن، تجدهم يتخيّرون المكان والزمان الذي يُمضون فيه أوقاتهم، فلا تراهم إلّا دائبين كالنحل العامل وهو يختار أطيب ما في الروضة. أفضل المأكولات التقليدية، أجمل المناظر الطبيعية، أحسن الفنادق والمنتجعات السياحية، فكلمة "مغترب" في عقلنا الباطن تعني مباشرة: شخص محظوظ نعامله أفضل ممّا نعامل أنفسنا، صائد ماهر للسعادة، في كِلتي ضفتي البحر المتوسط.
وعندما يُنهي المغترب تزوّده بـ"الكسكسي" و"البقلاوة" و"المقروض" وتمر "دقلة نور" وكلّ حلويات البلد، وينهي جمعه التحف الأثرية والقطع المصنوعة يدويا مثل اللوحات الرملية، و"وردة الرمال"، يحلّ موسم الهجرة إلى الشمال من جديد.

لكن لا يحتوي رصيد ذكرياتنا أخبارا كثيرة عن أناس عادوا من ديار الغربة، ليستقرّوا في الوطن، إلّا نادرا. وليد من أولئك الأشخاص النادرين. ولأجل ذلك حامت سحابة الغموض حول رأسه. سميرة زوجته هي التي افتتحت مزاد التشكيك والحيرة. ساورها الشكّ منذ الخطوبة، وعندما سألته:

"لماذا عدت من الغربة وقد تبوّأت منصبا ونجاحا؟"

أجابها: "ألا يشتاق الناجحون إلى أوطانهم؟"

لكنّ هذه الإجابة لسبب ما، لم تفِ بالغرض، فهو لم يكن مجرّد مغترب عادي يتسكّع في الشوارع، يعمل في مطعم أو في شركة ليحصّل أجرا زهيدا يسدّ به حاجته، لا بل هاجر إلى فنلندا حيث أتمّ دراسته هناك إلى أن حصَل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، ونال منصب أستاذ. وليس من عادة أصحاب الأدمغة الرجوع حيث يضيع علمهم وجهدهم سدى.

ما يميّز سميرة أنّها من الأشخاص الذين لا ينصلح حالهم حتّى يصيبوا كبد الحقيقة، فوجهها مرآة للعواطف التي تأبى الاختباء. جواب كهذا كان لينطلي عليها في سابق الأيّام، أمّا اليوم فلا، وأغلب الناس يتّجهون في الاتّجاه المعاكس، وقد تراءت أمارات الجفاف والتقشّف.

ثمّ فشهر العسل الذي أمضَيَاه وسط الحقول، كشف النقاب عن أمرٍ لا مراء فيه: "وليد سعيد برجعته للوطن". وهذا ما يزيدها حيرة، فمن جهة أخرى، يبدو زوجها غير متفاعل البتّة مع ما يحدث في الوطن وفي العالم من أحداث.

وقالت تحدّث نفسها: "يا رجل الاقتصاد ما سرّك؟"

جلسا معا على طاولة مُعدّةً بأناقة لتأكل العين قبل الفم. أمرٌ آخر لا يسَعُ وليد إخفاؤه، ألا وهو شغفه بالفنّ والجمال. هذه إحدى السمات التي علِقت فيه وصارت سمة مميزة. بعد عشرين سنة في فنلندا، عادت كلمات مثل "التناسق والجمال والتلاؤم..." قاموسَه اليومي.

"يا سميرة، طبق "شوربة فريك" الذي طبختِه اليوم رائع، ولمسة البقدونس جعلته طبقا خليقا بأن يكون لوحة فنيّة. أنا أستحي أن آكله".

"كلْ يا وليد كفاك تملّقا. بعد لحظات ستلحس آخر قطرة منه وستترك الطبق قاعا صفصفا".

تـناول وليد أُكلتَه وكـأنّه يستمع لأوبرا للموسيقار فاغنر، حيث تتداخل الموسيقى مع الأساطير. هادئ ومسترخ تشي بذلك تقاطيع وجهه المنبسطة. وكانت سميرة تضحك، كلّما رأته يتلذّذ الطعام مغمض العينين.

كانا يستمتعان بجلسة هنيئة عندما بثّت قناةٌ موجزاً إخبارياً، وراحت أنباءُ العنف تصدر من التلفاز كقذائف تصيب القلب والعواطف في مقتل. وسرعان ما تشنّجت ملامحها وانقبض صدرها، وتغضّن جبينها. ورغم أنّ ذلك طبيعي بسبب هول المشاهد، إلّا أنّ حساسيتها المفرطة لها ماضيها.

منذ أزيد من ثلاثة أعوام، توفّت صديقة سميرة بطريقة تراجيدية في حلب. وقد كانت صديقة طفولتها مولعةً بسوريا وحضارتها، زارتها مع زوجها مرّات عديدة إلى أن ارتحلا ليعيشا فيها قبيل الحرب.

وبعد الحادث بفترة قصيرة، تبيّن أنّ سميرة قد أصيبت بارتفاع في ضغط الدم. ومن وقتها وحالُها الصحّي في كفّ عفريت.
وكحاله دائما عندما يراها منشغلة بأخبار العنف في التلفاز، يطلب منها أن تمرّر له صلصة المايونيز أو شيئا آخر كي تتحرّك، ويقوم هو بتغيير المحطّة التلفزيونية. وعندما تعود بالصلصة يستقبلها بموضوع جديد، على شاكلة هذه العبارة:

"تذكّرت، لقد اشتريتُ لك الحاجيات التي طلبتِها ووضعتُها في غرفة النّوم".

وتردّ سميرة بطريقة آلية وذهنها لا يزال مع الأنباء: "حسنا، شكرا".

ثمّ قالت لوليد وهي تتناول الأسبرين: "لماذا تتردّد كثيرا على حجرة الغسيل؟"

وأجاب متذاكيا: "أُعينُكِ على الغسيل".

"أجبني بصراحة".

أحسّت سميرة بأنّها لم تظفر بعد بالحقيقة، ولم تغادره بعينيها. وظلّت كذلك حتّى أذعن لإصرارها:

"ألِفتُ القراءة في الهدوء".

أجاب وليد ظانّا أنّه بهذا الجواب قد وفّى وكفّى، لكنّ صراحته لم تزد الطين إلّا بلّة. وراحت سميرة تتساءل في نفسها: " من هذا الشخص الذي يترك كلّ حجرات المنزل الهادئة وينزوي في القبو؟ ثمّ فحيّنا من أهدأ الأحياء".

وقبل أن تتمكّن سميرة من إضافة واحدة من تعقيباتها المشهورة، وكأنّها إحدى شخصيات أجاثا كريستي اللواتي يسعَيْن إلى إيجاد الحقيقة. نهض وليد يغني ويهمهم بينما يقضم حبّة تفّاح أخضر. وقبل أن يبتعد ناول سميرة حبّة تفّاح وقال: " خذي جرعة صحّة".

هزّت سميرة رأسها متبرّمة، وقد اكتفت من وصفاته الصحيّة، ونصائحه الإيجابية. هذا كلّ ما تعرف عنه، ضباب يخفي وراءه الكثير من الغموض. لم يكن أيّ شيء ممّا يجري حقيقيا بالنسبة لها، كمسرحية تعدُّ هي ممثّلة أساسية فيها ومتفرّجة في الوقت نفسه. وكان لزاماً أن يتحدّدَ دورُها، فإمّا أن تكون أو لا تكون.

ومن شِيمها أنّها كثيرة التحاور مع ذاتها فيما يشبه "محاورات أفلاطون"، معتمدةً الطرق النفسية والفلسفية، وهكذا صار وليد موضوعا للاستدلال والاستقصاء، ممّا يعني أنّه في الميزان.

ظلّت جالسة والفلك يدور حولها وكأنّها مكانَ الشمس في مركز المجموعة الشمسية. وراحت تجترّ تلك العبارة التي سمعتها منذ يومين إثر مكالمة هاتفية، وقد تجرّأت للتجسّس عليه من باب القبو: "إنّها في أزمة، وأنا قد عدتُ لأجلها. ماذا تقول؟ لا لن أُخبرها، فلتكن مفاجأة لها".

وأخذت تتساءل مصعوقة: "تُرى مع من يتكلّم؟ من هي التي عاد لأجلها؟ ولمن يحضّر المفاجأة؟"

اتّجه ذهنها مباشرة للخيانة، ربّما لأنّها لم تتلقّ أيّ مفاجأة منذ ذلك الوقت.

كان يخلط السكر في قاع فنجان القهوة العبق برائحة البنّ العطرة، أمّا هي فكانت تتساءل:

"أليس هذا الشخص عينُه الذي كان مريضا قبل الاغتراب؟ يتردّد على الطبيب كلّ أسبوع. وقد كان يشكو من ذلك النوع من الأدواء الذي يصيب النّفس".

ولولا مذكّراته، التي تسمح لنفسها بالنبش فيها كمن يدرس الحفريات، لما أدركت هذه الحقيقة، التي لا يعرفها غيرهما. ظلّ سنتين وهو يزور العيادة، فقط ليفهم كيف يجد الاتّزان في حياته.

أمّا الآن فيبدو أكثر اتّزانا من راهب بوذي. فهو لا يتناول عقارا مهدّئا، وليس من أولئك الذين يمارسون اليوغا أو التأمّل، وليس حتّى فيلسوفا أو شخصا يتّبع نظاما حياتيا خاصّا. والشيء الوحيد المريب هو ذلك الوقت الذي يمضيه في حجرة الغسيل.

يومياته في مجملها عادية: يلقي محاضرة في الجامعة، ثمّ يعود لبيته حيث ينعم بالراحة. يمارس الرياضة كأساس صحّي من أسُسِ الحياة التي يتبعها. يجالس زوجته، ويخوضان في شتّى المواضيع، عدا السياسة وما يُعطَف عليها من منابع الأسى.
وفي كثير من الأحيان، حين تنزعج سميرة من هدوئه المفرط، تسأل نفسها: "ألا تثير مواضيع البلاد والعباد والأمّة والعالم اهتمامه؟ إذا كان الجواب: لا، فأنا إزاء معضلة، وإذا كان الجواب: نعم، فالمعضلة أكبر. فهو إذن يتفادى الحديث لأنّه لا يثق بي، كمن يخشى بطش المخابرات وأجهزة الأمن. هل لعملي السابق كصحفية علاقة بالأمر؟"

وهكذا تجرفها استنتاجاتها وتخميناتها.

بالأمس كانت هذه التخمينات ذات فائدة لمــّا كانت تُنتج مقالات. أمّا اليوم، فصارت رهينة ضغط الدمّ، وحبيسة الشكّ الذي يلعب بأوتارها ويعصف بمزاجها كريح عابثة.

وبعد تلك الأسئلة السقراطية، والتحليلات الصحفية اهتدت لجواب سهل يرضي هواها:

"حتما، لم لا يكون واحدا من الملايين الذين يعيشون كل يوم على حِده، مطبّقين نظرية ديل كارنجي: "دع القلق وابدأ الحياة". أو لعلّه لا يأبه البتّة. كنت أتوقّع أن الأزمة التي تعيشها البلاد تلد الهمم. لكن للأسف تمخّض جبل الأزمات وولَدَ مجموعةً لا حصر لها من الفئران".

جلست سميرة تنظر إلى زوجها حانقة، وككلّ النساء فتحت ملفّات عديدة في ذهنها وراحت تفكّر فيها كلّها: ملفّ حجرة الغسيل، وملف الخيانة غير المحسوم، وملفّ الهدوء المريب. وراحت تضع علاقات رياضية بين كلّ منها، وفي الناتج: ارتفع ضغط الدمّ.

استدار وليد واخترق سريرتها كأنّما يتفحّص قلبها بأشعّة إكس. وعرف أنّها إحدى تلك اللحظات العابسة، حيث يصير العالم خاليا من الحدائق والفراشات وأقواس قزح وتنتصر الظلمات على الأنوار.

هرع وليد إليها بأداة فحص الضغط، وناولها الدواء باسماً. لم تدرِ كيف ذاب القلق وسط دفء الرعاية والاهتمام. كوب ماء وابتسامة زرعا من جديد قوس قزح كالذي يرتسم بعد أن تبتسم السماء.

ورغم الأجنحة البيضاء التي كادت تحملها بعيدا عن أرض الأحزان، إلّا أنّها لم تجد بديلا عن الحيرة.

وظلّت الأفكار السوداء تتلاعب بعقلها، إلى أن سمعا دقّ الباب، وكان ذلك صديقُه سعيد، أستاذُ اللغة العربية. فاستقبله وليد وأدخله قاعة الضيوف.

تكوّمت سميرة على الكنبة، ولبثت في مكانها ساهمة مهمومة، إلى أن رأته قادما نحوها. اقترب وليد، وضع كتابا مغلّفا في ورق الهدايا وقال لها: "هاكِ هديّة يا حضرة الصحفية".

ثمّ عاد ليودّع صديقه، وترك سميرة تتقلّب في حيرتها ثمّ فتحت الهديّة وكان المحتوى كتابا بعنوان: " بدائل التقشّف. حلول اقتصادية" وبخط مائل مزخرف كُتب اسم زوجها في الأعلى.

ولمــّا عاد وليد نظرت إليه مشدوهة، ونظراتها تختزل سؤالا كبيرا: «من تكون؟"

وفتحت الكتاب وقرأت الإهداء: "هذا الكتاب عُصارة وقتٍ أمضيتُه في حجرة الغسيل. أهديه إلى زوجتي".

قلّبت صفحات الكتاب واطَّلَعت على الفهرس، وهي لا تزال تحت الصدمة. ثمّ اتّجهت بنظرها من جديد نحو وليد، ونظرت إليه ولسان حالها يقول: "وما سبب هذا البرود واللامبالاة؟"، وفَهم عنها ما تريد. وكان لجسدها لغةً تُبينُ عن ذاتها وتُفصحُ عن طويّتها أحسن من اللسان. فقال لها:

"لم أفاتحك في بعض المواضيع إشفاقا بحالك، وقد وصّاني أبواك بذلك من قبل رأفة بك".

وضعت سميرة الكتاب وتهالكت على الكنبة. وأخيرا خلعت عنها رداء الكآبة والريبة. ورغم أنّ أحمال الزمن الصعب لا تزال ثقيلة، إلّا أنّ الحلّ بدا متألّقا كإشراقة شمس: "هموم العالم تشفيها ابتسامة حانية، وأفكارٌ قد صيدت في حجرة غسيل".

لكنّ طبيعتها الثائرة والحائرة أبداً لا ترضى حتّى ونفسها راضية، وسألته:

"لقد أدركتُ الآن أنّ المفاجأة هي لي، لكن من هي التي عدتَ لأجلها؟

أجابها وكأنّه يغنّي:

"بلادي".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC