أصيل الشابي - تونس

هدية لعود الند: مجموعة قصصية: المداعبة

أهدى الكاتب التونسي، أصيل الشابي، "عود الند" نسخة إلكترونية من مجموعته القصصية "المداعبة". قدم للمجموعة الصادرة في عام 2007 الروائي صلاح الدين بو جاه، وقال فيها:

"فالسارد يراوغنا، بحثا عن مشاهد يتوق إلى عرضها على قارئه، ثمّ يباغته بجسور عبور بين الذهني والواقعي، والمادي والمتصوّر... عودا على بدئ، ضمن أرجوحة تهدهد المتقبّل، إذ تنتقل به " بسرعة هادئة " بين مكانين، وزمانين، ومنطقين اثنين. هنا يكمن جوهر السرد عند أصيل الشابي، هذا الروائي القادم على مهل، المتخفّي في إهاب كاتب قصّة قصيرة".

تضم المجموعة ثلاث عشرة قصة. "عود الند" تشكر الكاتب على الهدية. أدناه إحدى قصص المجموعة.


مــثـــل شــــــاي

أصيل الشابي مررنا بالمقبرة فلاحت لنا عبر زجاج السيّارة أشباح متناثرة تلمع تحت ضوء القمر، إنّها القبور التي كانت على تلك الهضبة شبيهة بمجموعة مختارة صالحة للمشاهدة، كنت أنا والأصدقاء في طريقنا إليه بعد سماعنا لأخباره البائسة.

حينما دخلنا عليه مثل فرقة منظّمة تحوّل انتباهه إلينا دون تردّد، أعتقد أنّ وجوهنا كانت حزينة. قبّلناه ونحن نتذكّر أيّامه قبل سقوطه المفاجئ، على الفراش ما عاد قادرا على الكلام، يداه ملفوفتان إلى جانبه، وعيناه تلعبان لعبة الدوران في الفراغ، شعرت بالحزن المضاعف أمامه، أعتقد أنّنا، كلنا، شعرنا بنفس الشعور، فقد زادت حالته خطورة.

فكّرت في الخروج من غرفة نومه بأكبر سرعة، كانت زوجته تتكلّم مكانه، قالت وقد رأتنا واجمين: لا يمكنه فهمكم، ماذا كان يمكنني أن أقول في تلك اللّحظات للرجل الذي وجدته دائما أبعد ما يكون عن الحزن حتّى أنّه كان من السهل عليه جذبك إلى الضحك؟ ربّما فكّر البقية في نفس الأمر. كانت زوجته تنتظر كلماتنا المعلقة في حلوقنا حتّى تترجمها له بلغة أخرى إشارية، وكنّا نحن نفكّر دون رغبة في الكلام فقد صدمتنا حالته أكثر ممّا كنّا نتصوّر.

الرجل البدين تحوّل في غضون أيّام إلى سلسلة عظام وأوردة مرتعشة على مقربة منه أدوية وماء في محيط الغرفة العائمة في رائحة شبيهة برائحة المستشفيات الغاصة بالمرضى. ذلك الرجل أراهن أنّ من لم يقترب منه كثيرا في يوم من الأيام ما كان ليعرفه، نحن فقط الذين شممنا رائحته بما يكفي حتّى لا نضيعه، ولكنّني تساءلت لم كانت عيناي تنظر في عينيه كلّ ذلك النظر؟ كانت قلوبنا تتراقص بعنف دالة على اضطرابنا الداخلي، لذلك حينما أسقط كلّ واحد منّا كلماته المعلّقة لاحظت الزوجة انكسارها، فاكتفت بالضغط على أوردة يديه بحبّ كبير مترجمة كلماتنا إلى دفقات دموية متتابعة.

عدنا، بعد ذلك، وقد لاحظت توتّر الأصدقاء الذين اكتفوا بالصمت، بينما كنت أنا أنتظر ظهور الهضبة أمام عيني، تذكّرت أنّنا لم نسأل الزوجة أسئلة حقيقيّة، معبّرة، لم نسألها عن الورم الذي ترعرع في داخله في صمت، ثمّ أظهر ألوانه البغيضة على سطح قشرة الجلد، ولكنّ الزوجة أجابت على الأسئلة التي لم تطرح قائلة بهمّة من يمسح زجاجا كتيما: إنّكم لا ترون ذلك الشخص الذي تعرفونه، إنّكم ترون صورته فقط كأن يرى أحدهم صورة ملتقطة لصديق غير موجود.

أفقت من غفوتي، أدركت أن الهضبة التي تقع المقبرة فوفقها قد أفلتت من قبضتي كما تفلت من يد طفل فراشة، وكنت، في الحقيقة، أنتظر رؤيتها في ذلك المنعطف لأنظر إلى المكان الذي سينقل إليه بعد ذلك، ولكنّ تلك الغفوة التي جعلتني أتخيّل الزوجة تتكلّم أشعرتني بالسعادة، إذ غيّرت النقطة التي كان فكري جامحا نحوها وهي نقطة الموت التي كانت تكبر وتكبر مهدّدة بالتحوّل إلى بركة لزجة صالحة لابتلاع إنسان.

انتبهت، بعد ذلك، لم لم أنتبه إلى أشياء أخرى اعترضتني في المرّة الأولى، الغفوة تحوّلت إلى غفوات، كان الخوف من الموت قد كلّل أجسادنا، لا أعرف كيف امتلك السائق تلك القدرة على القيادة مداعبا الفضاء الحلزوني الراقص.

كنّا خائفين من صورته التي قالت زوجته إنّها مجرّد صورة، لقد شعر كل واحد منّا أنّه يعاني نفس معاناته، وهكذا تماهت، فجأة، الأنفس وحصل الالتباس المثير. شعرت بدوار وفزع، وأدركت، لاحقا، أنّ مشكلتي كانت، آنئذ، تتمثّل في تخليص نفسي من ذلك الالتباس، كانت نفسي مثقلة بانفعالات ضخمة، انفعالات حزينة قرعت أجزائي الداخلية.

حاولت كسر الخوف من حولي كي تعود لحواسي بهجتها، كان وجهه يسبح في داخلي سباحة حرّة بطريقة يمكن حدسها مخلّفا ألما حادا، ثمّ تذكّرته ضاحكا يداعب الأصدقاء في صبيحة أحد الأيام.

بعد أيام، أصبحت الانفعالات عادية، ثمّ لا مبالية، ثمّ تافهة. في أحد الأيام قالت الزوجة في الهاتف: إنّ حالته مستقرّة، وقتئذ، كنّا نشعر مع الأسف بابتعادنا منه إلى نقطة عالية ومبتهجة ومحميّة الجوانب والآفاق من الشوائب المختلفة.

كنّا في نقطة معقّمة تماما ومحروسة من الخارج بالتدابير والحيطة والانقطاع، وكان هو في الأسفل في غاية البعد، فما كان لأبصارنا أن تبلغه، وما كان لقلوبنا أن تشعر لأجله بشيء محدّد. كنّا كأنّنا على تلك الهضبة حيث توجد مجموعة مختارة صالحة للمشاهدة، كنت أنا والأصدقاء في طريقنا غير آبهين كثيرا بأخباره الغريبة، قال الراوي، التي بردت تماما مثل شاي لم يعد مغر بالمرّة، ثمّ ضحك وأضاف: إلاّ إذا أعيد إليه الدفء بقليل من الصبر، وهو ما يفعله أغلبنا، فجأة، بدافع عاطفي رغم العراقيل الجمّة.

JPEG - 27.4 كيلوبايت
غلاف مجموعة قصصية: المداعبة

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC