محمد الوظائفــي - الأردن

متى وكيف نصفـــــح؟

محمد الوظافيجلس اثنان من المسافرين يقطعان الطريق الطويل بالتحدث عن شؤونهما الخاصة، فقال الأول لرفيقه: اصرح لك بأني مجرم عائد من السجن، وقد جلب السجن العار على أسرتي فلم يزرني احد. وبدت المرارة والألم على وجهه. ثم واصل حديثه بقوله إن أهلي لم يصفحوا عني. وأخيرا كتبت اليهم وطلبت أن يضعوا إشارة عندما يمر القطار بجوار قريتهم، فاذا كانت الأسرة قد صفحت عني فعليها أن تضع شريطا ابيض فوق شجرة التفاح الكبيرة القريبة من المحطة. أما اذا كانت الأسرة ترفض رجوعي فعليها ألا تفعل شيئا.

وبعد أن اقترب القطار من مكان الشجرة، صاح وقد اغرورقت عيناه بالدموع: ها هي الإشارة. ها هم قد صفحوا عني وزالت المرارة من نفسه، واصبح ملاكا بعد أن كان مجرما.

ذلك الإنسان – المجرم السابق– لم يعرف متى يبدأ الصفح، ولكنه تمكن من معرفة كيف يصفح عنه أقاربه. والحقيقة أننا نضيع الوقت بين هذين الزمنين فتمر الفرصة الأولى فلا نستطيع بذل الصفح، وعندما تأتي الفرصة الأخيرة، يكون الحقد قد اكل انفسنا.

على الإنسان أن يتعلم كيف يصفح. وقبل أن يبدأ، لا بد من وجود مزايا أصيلة تصاحب من يبدأ بالصفح، كأن يكون على درجة جيدة من التدين فيستعين بالآية الكريمة: " وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (سورة التغابن: الآية 14)، أو يكون ذا عنصر طيب أصيل يصدر عنه الصفح لا مرآة وخداعا، بل عن عقيدة وإيمان بما اقدم عليه، أو أن يكون مثقفا يهديه علمه وثقافته وتجاربه وخبرته الاجتماعية.

إن دنيانا تحوي من الناس السيء والحسن، والطيب والحقود والغضوب والمتسامح، وهذه الفئات لا بد أن تصدر عنها أخطاء منبعثة عن أمزجتهم الحادة أو عن سرعة غضبهم، أو عن ضعف في تربيتهم. وأمام هذه المشاهد لا بد للمثقف من أن يصفح عن هؤلاء لجهلهم أو لقصورهم أو لمزاجهم أو لطيشهم. ومن الناس من يؤمن بأن الذي يصفح عن الإساءة هو خير من المنتقم الذي تأكله الجهالة ويملأه الحقد، وأنه خير له أن يكون متساميا فلا ينحدر إلى الهاوية كما انحدر خصمه.

أما الجاهلون بحياة الناس فإنهم يحاولون التظاهر بالصفح، فتعود الخلافات وتتكرر الحوادث بين الفرقاء، وتزيد النار اشتعالا.

من الصعب على من أوذي في بدنه أن يصفح. ومن الصعب أيضا أن نصفح عـمّن آذانا في أوطاننا واغتصبها، فالصفح في مثل هذا الحال يعد خيانة وجبنا.

من حق المرء أن يتساءل: هل معنى الصفح أن أتنازل عن كل حقوقي التي كانت سببا في الخصام؟

الإجابة المنطقية تتلخص في أن الصفح لا يزيل كل شيء، بل يساعدنا على قبول ما مضى وانقضى، وان لا فائدة ترجى من إعادة وإحياء الماضي الجريح. والصفح بعدئذ يساعدنا على محبة الآخرين. والمحبة أساس الحيـــــاه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3180822

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC