الانتفاضات العربية

مقتطف: أسباب اندلاع الانتفاضات العربية

أدناه مقتطف من دراسة صادرة عن المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للبنك الدولي. تاريخ الدراسة: تشرين الأول (أكتوبر) 2015. المقتطف من الترجمة العربية الرسمية التي ترجمت inquality بـ"تفاوتات" وهي ترجمة خففت كثيرا من وقع الترجمة الأقرب (والأفضل) وهي اللامساواة أو عدم المساواة. رابط تحميل الدراسة كاملة في ختام المقتطف.

في عام 2011، تحدثت الشعوب العربية بصوت عال وواضح لتعِبر عن المظالم التي تؤثر بشكل رئيسي على رفاهها. لكن الانتفاضات العربية لم تحقق التغيير المرجو، إذ تدهور الوضع تدهورا كبيرا في العديد من البلدان مع تحول الانتفاضات إلى حروب أهلية.

والمهم أن الكثير من العوامل التي أدت إلى تعاسة المواطنين قبل الربيع العربي ما زالت قائمة حتى الوقت الراهن. فقد توقف الإصلاح الاقتصادي خلال المراحل الانتقالية ببلدان الربيع العربي، ولذلك استمرت المعوقات الهيكلية التي كانت موجودة في السابق.

وأدت الحروب الأهلية الدائرة في سوريا والعراق وليبيا واليمن إلى محو سنوات من مكاسب التنمية وخلق أوضاع من المعاناة والتشرد على نطاق واسع لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي العديد من البلدان، انهارت الخدمات الحكومية وسيطرت الجماعات الإرهابية على مساحات كبيرة. وكانت الحالة السورية هي الأشد مأساوية مع تعُرض مئات الآلاف للقتل والإعاقة والفقر، وفرار الماليين من منازلهم، و حداث تدمير واسع النطاق بالبنية التحتية.

وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الحرب السورية وتمدد تنظيم داعش قد كبدا بلدان المشرق العربي حوالي 35 مليار دولار كخسائر في الإنتاج خلال الأعوام الثالثة منذ منتصف عام 2011 (إيانتشوفيتشينا وايفانيتش، 2014).

إن أسباب اندلاع الحروب الأهلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معقدة وتتجاوز نطاق ما نورده هنا من تحليل للجوانب الاقتصادية والرفاه.

لكن يمكن الخروج بأفكار قيمة من هذا التقرير عن انعدام المساواة في العالم العربي.

ومع أن التفاوت في الإنفاق في البلدان العربية كان يتراوح من المستوى المنخفض إلى المتوسط قبل عام 2011، فإن التباينات فيما بين أجزاء كل بلد وبين الريف والحضر ساهمت بشكل كبير في التفاوت الإجمالي (حسين، 2015).

وكانت الفروق فيما بين أجزاء كل بلد أشد بروزا في مصر والعراق (تشِكل 20 في المائة أو ا أكثر من التفاوت في الإنفاق)، وساهم التباين بين الريف والحضر في تفاوت الدخل لا سيما في مصر وتونس.

وتراجع إسهام الفروق المكانية بمرور الوقت في مصر، لكنه زاد في معظم بلدان المنطقة النامية بما فيها سوريا وتونس واليمن والأردن (الشكل 17-2).

ففي سوريا، وعلى الرغم من الزيادة العامة في متوسط الدخل، فإن إنفاق الأسر المعيشية في شمال سوريا تراجع. وبالمثل، لم يشهد السكان في وسط غرب تونس، وهي البلد الذي انطلقت منه شرارة الثورات العربية، تحسنا يذكر في متوسط الدخل بمرور الوقت.

يرى ليبتون (1997) أن استمرار وجود فجوة فيما بين أجزاء كل بلد يمكن أن يؤدي إلى صراع، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل. ووفقا لكانبور وفينابلز (2005)، فإن التفاوتات فيما بين أجزاء كل بلد تتسم عادة بأنها شديدة وفي تزايد، لكنهما لم يبحثا إمكانية نشوب صارعات بسببها.

ومؤخرا، قامت أليسينا وآخرون (2012) باستقصاء جذور وعواقب التفاوت فيما بين العرقيات في مختلف البلدان من خلال الجمع بين التقاط صور بالأقمار الصناعية للإضاءة خلال الليل وتحديد الأوطان التاريخية للجماعات العرقية اللغوية.

ووفقا لهذه الدراسة، فإن التفاوت العرقي، وليس التفاوت المكاني في حد ذاته أو التجزئة العرقية، هو الذي يرتبط ارتباطا كبيرا وسلبيا بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإن كان من الطبيعي ارتباط التفاوت العرقي إيجابياً بالتفاوت المكاني (الشكل وا 18-2).

وترى الدراسة أن التفاوت العرقي يعوق التنمية من خلال توليد الكراهية والحقد، وفرض حواجز أمام الحراك الاجتماعي، وخلق شعور بالظلم، وكذلك الصراع في حالات كثيرة.

وتظهر البيانات في دراسة أليسينا وآخرين (2015) أن التفاوت العرقي كان مرتفعا في جميع بلدان الربيع العربي تقريبا، بما فيها البلدان التي اندلعت بها حروب أهلية (سوريا والعراق).

وكان هذا التفاوت مرتفعا بالنسبة لمستواه في بلدان أخرى وبالنسبة لمستوى التفاوت المكاني في بلدان الربيع العربي نفسها.

وعلى النقيض، تتمِّيز السعودية وعُمان والبحرين والإمارات بانخفاض مستوى التفاوت العرقي مقارنةً بغيرها من البلدان، ومقارنة بمستوى التفاوت المكاني بها.

وفي الأردن والمغرب، يسجل التفاوت العرقي مستوى متوسطا ومتوافقا مع حجم التفاوت بمستوى التفاوت المكاني بها. المكاني. وعالميا، توجد أعلى درجة من التفاوت العرقي في السودان وأفغانستان اللذين مزقتهما الصراعات، فيما تأتي الواليات المتحدة وكندا في المرتبة الأولى من حيث التفاوت المكاني.

وتقدم أدبيات دراسات الحالة أمثلة كثيرة على وجود ارتباط بين الصراع و"التفاوت الأفقي" أو التفاوت الذي يتزامن مع الانقسامات العرقية أو الدينية أو الطائفية.

وقد يؤدي الحرمان على أسس عرقية ودينية وطائفية إلى تأجيج المظالم الفئوية، ومن ثَّم يسهل من عملية الحشد للصراعّ (ستيوارت 2002 ،2000).

وجاءت نتائج دراسة أوستباي (2008)، وهي من الدراسات القليلة التي تشمل عدة بلدان، مؤيدة لدراسات الحالة لستيوارت بإجراء استقصاء منهجي للتفاوتات الأفقية المستندة على أسس عرقية في العديد من البلدان النامية.

وفي دراسة لاحقة، يقوم أوستباي وآخرون (2009) بتطبيق تقنيات نظام المعلومات الجغرافية على المسوح الديموجرافية والصحية لإنشاء بيانات جديدة مصَّنفة عن الرفاه والتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية فيما بين وداخل الأقاليم في 22 بلدا بمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء، والجمع بين هذه البيانات والبيانات الجغرافية عن مواقع مناطق الصراع بين عامي 1986 و2004.

وتوصل الباحثون إلى أن الصراعات تبدأ على الأرجح في المناطق التي بها (1) مستويات تعليم منخفضة، و(2) حرمان قوي نسبياً فيما يتعلق بما تملكه الأسرة من أصول، و(3) تفاوتات قوية فيما بين الأقاليم، و(4) توفر الموارد الطبيعية مع الحرمان النسبي.

وتؤيد نتائج هذه الدراسة فرضية أن التفاوت العرقي أحد المسببات المهمة لنشوب الصراع وتتفق مع نظرية إستيبان وراي (2007) بأن زيادة التفاوت فيما بين مختلف الفئات تتيح مزيدا من الموارد للن تخفض في الوقت ذاته من تكلفة حشد الفقراء.

تفيد هذه النتائج في فهم الوضع في بلدان المنطقة النامية بعد انتفاضات الربيع العربي حيث يرتفع احتمال نشوب الصراع كثيرا عما هو عليه في بقية بلدان العالم (أبو بدر وإيانتشوفيتشينا، 2015).

وتقدم الأبحاث الجديدة لكيندربيوجو وإيانتشوفيتشينا (2015) شواهد على أن بلدان المنطقة تشهد تزايدا في أعداد من يعتقدون بوجود مبرر أخلاقي للجوء إلى العنف المفرط واستهداف المدنيين، وإن كانت هذه الآراء موجودة في أماكن أخرى من العالم.

إن مخاطر الاعتقاد في هذه الآراء المتطرفة أعلى بين الشباب الذين يكافحون بشدة في حياتهم، ولا يتاح لهم سوى قدر محدود من الحرية لاتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم، ويرغبون في التضحية بأنفسهم من أجل فكرة ما.

ويلفت دياب (2015) الانتباه لا إلى أهمية المظالم فحسب، بل أيضا إلى الجروح الساكنة التي يمكن إثارتها واستخدامها كأداة للتحريض على الكراهية والصراعات العرقية.

وتشير الشواهد التجريبية إلى أن المظالم وحدها لا تؤدي إلى حروب أهلية (كولييه وهوفلر، 2004). لكن الانتفاضات التي تحركها المظالم يمكن أن تتحول إلى حروب أهلية إذا ما استخدمت الفئات، التي قد تصطف على أسس عرقية أو طائفية، المآسي والمظالم المشتركة (السابقة أو الحالية) للحصول على دعم شعبي بين قطاعات أوسع من السكان وتمويل لأنشطتها.

ويؤدي توفر مصادر التمويل الخارجي والموارد الطبيعية والأنشطة غير القانونية إلى زيادة دوافع الصراع، وارتفاع مخاطره، وبالتالي حدته.
وختاماً، نشير إلى أن ثوارت الربيع العربي اندلعت بسبب الاستياء المتنامي والمشترك من نوعية الحياة وليس من التفاوت المرتفع والمتزايد في الإنفاق.

وأُصيبت الطبقة الوسطى بشكل خاص بالإحباط نظرا لتردي مستويات معيشتها، ونقص الوظائف في القطاع الرسمي، وعدم الرضا عن جودة الخدمات العامة، وعدم مساءلة الحكومة.

وكان هناك استياء بين المواطنين العاديين لعدم تمكنهم من المشاركة في جني ثمار الرخاء الذي حققته مجموعة صغيرة نسبياً من الشركات العربية الكبيرة، وسعوا إلى التغلب على ذلك بالكد في العمل.

وما يعكس تناقص المنفعة الحدية أن الدعم لم يمكنه التعويض عن كل هذه المشكلات: توجيه الدعم كان يهتم بالرفاه الشخصي لشريحة الأربعين في المائة الوسطى بدرجة أقل من اهتمامه بالرفاه الشخصي لشريحة الأربعين في المائة الدنيا.

ولم يعد العقد الاجتماعي القديم لإعادة التوزيع مع ضعف القدرة على التعبير مجدياً لشريحة الأربعين في المائة الوسطى التي أرادت أن يكون لها صوت مسموع وأن تتاح لها فرص حقيقية.

ويبدو أن انتشار أعمال العنف المتطرف في المنطقة بعد ثورات الربيع العربي يرتبط بارتفاع مستوى التفاوت فيما بين الفئات، وليس التفاوت الاقتصادي في حد ذاته.

ومع أن المظالم وحدها لا تؤدي إلى حروب أهلية، فإن الاحتجاجات والانتفاضات التي تحركها المظالم يمكن تطورها إلى حروب أهلية إذا استخدمت الفئات المصطفة على أسس طائفية و/أو عرقية هذه المظالم لكسب تأييد شعبي.

وفي هذه المجتمعات شديدة الاستقطاب، تزيد مخاطر الصراع بدرجة أكبر عند توفر الموارد الطبيعية ووجود نسبة مرتفعة من الشباب العاطلين عن العمل. ولذلك، بدا أن المنطقة بعد ثورات الربيع العربي في طريقها إلى السقوط في الفوضى.

= = = = =

ملاحظة: الأشكال المذكورة في هذا المقتطف غير منشورة هنا، ويمكن الاطلاع عليها بالرجوع إلى التقرير على الرابط التالي:

http://documents.worldbank.org/curated/en/2015/10/25168863/inequality-uprisings-conflict-arab-world

غلاف تقرير البنك الدولي

Elena Ianchovichina, Lili Mottaghi, and Shantayanan Devarajan, 2015 “Inequality, Uprisings, and Conflict in the Arab World” Middle East and North Africa Economic Monitor, (October), World Bank, Washington, DC. Doi: 10.1596/978-1-4648-0735-0 License: Creative Commons Attribution


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC