حوار مع الشاعرة مي العيسى

الكتابة في المنفى: حوار

أقيمت في لندن مساء الاثنين، 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، أمسية لخمسة شعراء من جنسيات مختلفة. نظم الأمسية التي أقيمت في "مقهى الشعر" جمعية تعنى بالكاتبات والكتاب الذين يعيشون في المنفى. ومن بين أهدافها نشر أعمالهم وتوفير منبر لهم، وتنظيم ندوات وورشات وأمسيات. من بين المشاركين في الأمسية، الشاعرة العراقية مي العيسى، التي صدر لها ديوان عنوانه "وهمست" (دار أكد، بريطانيا، 2014). عدلي الهواري أجرى الحوار التالي مع الشاعرة مي العيسى حول قضايا الكتابة في المنفى.

س: كيف لنا أن نميز بين كتابات كاتب يعيش في المنفى وآخر مهاجر؟

مي العيسىج: قد يكون الفرق بينهما خيطا رفيعا جدا يزداد سمكه تبعا للتجربة التي يمر كل منهما بها. كلاهما رحل مجبرا لظرف ما إن كان سياسيا أم أقتصاديا والبعض القليل من المهاجرين من رحل اختياريا أو أجبرته الظروف الشخصية للبقاء. الكاتب الذي يعيش في المنفى يحمل الوطن معه ويعيش به في منفاه ونرى ذلك واضحا من خلال كتاباته (الوطن في أبهى حلة). المهاجر، وَمِمَّا قرأت، يركز على هموم الهجرة والطريقة التي وصل إليها إلى البلد الآخر. يستنكر أحيانا حكومة بلده التي هاجر بسببها وفي بعض الأحيان ينزلق في متاهات سياسية سطحية لا تمت للواقع بصلة. وأحيانا يفصل نفسه عن بلده.

س: ماذا يفعل الكاتب المنفي للتعايش مع واقعه الجديد؟

ج: البيئة الجديدة لها إيجابياتها وسلبياتها. الأخلاق وحدها هي التي تحكمنا. ويعتمد الأمر كذلك على مدى ارتباط المنفي بعادات بلده وتقاليدها. احترام الآخر والبلد الذي يعيش به ضرورة ملحة. بالرغم من أن العيش بمعزل عن الآخر غير ممكن، إلا أننا نجد معظم أفراد القوميات منعزلين عن البلد المضيف، والجاليات منعزلة حتى فيما بينها، إلا عند التسوق. أجد أن التأقلم ضروري وذلك بدءا من تعلم لغة البلد المضيف، والتعرف على عاداته وتقاليده، المناسب منها، وذلك من خلال اللغة وعبر المدرسة وفعالياتها.

س: ما هي العوامل التي تجعل الكاتب المنفي قادرا على الكتابة في الواقع الجديد؟

ج: الكتابة تنبع من داخل الإنسان عموما ومَنْ يمتلك مَلَكَة الكتابة الأدبية لا تهمه أية عوامل كالتي تهم الصحفي مثلا. المنفي يكتب عن تجربة. عن إحساس. عما تأثر به سواء في الداخل أو الخارج. عن مدى تلائمه مع الوضع الجديد. عن الأحداث الآنية والآتية.
 
س: إذا كتب الكاتب بلغة موطنه، من يكون جمهوره المستهدف؟

ج: جمهور بلده الأم ومن يقرأ لغته أينما كانوا، فالكاتب العربي يقرأ له العرب على مستوى أوسع من أن يكون عراقيا أو أردنيا أو جزائريا على سبيل المثال.
 
س: إذا كتب الكاتب بلغة البلد المضيف، من يكون جمهوره المستهدف؟

ج: بالطبع يتوسع النطاق ليشمل جمهور البد المضيف وهنا تكمن الأهمية بالتعريف العام وليس فقط عن واقع الحال الذي يعيش فيه حاليا؛ إنما عن بلاده الأصلية، وسبب اتخاذ البلد المضيف أُمّا ثانية له، وتصحيح أية نظرة خاطئة أو التباس يحملها الغير عنه وعن عاداته وتقاليده وبلده، شرقيا كان أم غربيا. هي نقطة بالغة الأهمية يتحملها الكاتب وتقع عليه عواقبها .

س: كل كاتب في المنفى له حكاية فريدة، ولكن هناك قواسم مشتركة أيضا. كيف يمكن أقناع القراء بأن الحكايات ليست متشابهة؟

ج: باعتقادي أن القواسم المشتركة اكثر من الشخصية وإن اختلفت شرقا وغربا، فها هو كاتب من أوروبا الشرقية يكتب عن هجرته القسرية بسبب الحروب والوضع السياسي لحاكم هنا وحاكم هناك؛ وذلك الذي فرّ عابرا البحار من تعذيب السجون في العالم العربي؛ وذلك الذي فر من أفريقيا. تتوق لقراءة التجربة، فقد ترى نفسك بهذه أو تلك أو حتى تجارب جديدة تحمد الله أنك لم تمر بها. ومن الطريف أن أجد شاعرا أميركيا أصليا وبكوميديته الساخرة يقول: "إذا تتذمر إنكلترا من المهاجرين فماذا نفعل نحن؟" لتفهم ألف جواب وسؤال.
 
س: هل يستطيع جمهور لا يعرف اللغة التي كتب بها الشعر أن يتفاعل معه؟

ج: متذوق اللغة والشعر هو وحده الذي يتفاعل رغم محاولات تبسيط لغة الشعر لتصل إلى عدد اكبر من الجماهير. كما أن الاطلاع العام يقرّب من فهم رموز الشعر والكتابة.

س: هل هناك سمة مشتركة لأعمال كاتبات وكتاب المنفى (السيرة الذاتية مثلا؛ الشكوى من العنصرية)؟

ج: نعم. بالتأكيد. فالشكوى من العنصرية تطول جميع المهاجرين تقريبا كما تمس البريطانيين من أصول أفريقية أو من جامايكا أو الصين والهند وأولئك الذين ولدوا في إنكلترا من جيل ثان أو ثالث، بل وحتى الأيرلنديين، الذين يعانون حتى يومنا هذا من شعارات كانت تُرفع وإعلانات على المقاهي والبارات بمنع دخول الكلاب والأيرلنديين، فما بالك بغيرهم؟ لذا تجد الكتابات الشعرية علنا وسرا تحكي عما يقاسي المهاجرون والمنفيون من العنصرية في مجالات الدراسة أو التوظيف أو المعاملة بسخرية.

س: ألا توجد فروقات في الموقف تجاه كتاب المنفى حسب الجغرافيا، كأن يكون الترحيب بالأوروبيين أكبر من الترحيب بالآسيويين؟

ج: قد يكون ذلك ظاهرا ليس إلا، فالبولندي يعاني كما يعاني الأفريقي، ليس لأن الأول أشقر والثاني أسود، ولكن لأنه "غريب". وكما ذكرت آنفا فالإيرلندي يعاني كالذي ولد في إنكلترا لأبويين من جامايكا.

= = = = = 

صورة للشاعرة من الأمسية المذكورة في المقدمة.

مي العيسى


موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3375894

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC