إيناس يونس ثابت - اليمن

وجوه ملونة

مات سالم أحد أثرى رجال القرية وأسوأهم. أوصتني أمي بذرف الدموع وتصنُع الحزن ووضع غطاء أسود على شعري لتعزية بيت المرحوم، أنا التي أمشي بلا غطاء رأس دون كل بنات القرية حتى وصِفتُ بعديمة الحياء. عنفتني أمي لهذا السبب كثيرا وكانت تقول إن غطاء الرأس عفة وصون للفتاة وتشد على ذلك، ولم تحرص على صون لساني وعفة قلبي بقدر حرصها على صون رأسي، أما أنا فكنتُ أصلي ولا أكذب ولا أسرق ولا أخدع وكان ذلك كافيا في نظري.

وضعتُ غطاء الرأس إجبارا عند اقترابي من دار المرحوم، ولما لم تكن لي القدرة على ذرف الدموع وضعتُ بعض اللعاب على خدي. دخلت الدار المكتظة بالنساء المتشحات بالسواد، كان صياحهن يعلو ثم تهمس الواحدة منهن للأخرى بمساوئ المرحوم.

المرحوم سالم عُرف ببخله الشديد وسرقته للأراضي وعشقه للنساء ومغازلتهن وتعدد زيجاته سرا. ولي معه ذكرى قديمة، فقد كان صديقا لخالي المقيم في المدينة، وفي عودته من زيارة له أرسل خالي معه صندوقا منقوشا ثمينا من الخشب الأسود هدية لوالدتي، فلم يصن الأمانة واحتفظ بالصندوق لنفسه، ولم نعرف عن أمر الصندوق إلا بعد سؤال خالي عنه بعد مدة عبر الهاتف، غضبتُ كل الغضب فيما تنازلت أمي عن حقها بحجة أنه ليس بالأمر الجلل.

ذهبتُ إلى دار سالم أطالبه بالصندوق، وما حركتني قيمته بل غضبي للخيانة، خيانة الصديق والأمانة، وكنتُ على علم بسوء صفاته فلم أحلم باعترافه أو عودة الصندوق. وكان لي ما آمنت به وأكثر، ألقى عليَّ الشتائم وطردني خارج داره. وبما أني ما زلت أتذكر ولم أعفُ عنه مسحتُ ما وضعتُ على خدي وأظهرتُ ما يُضمر قلبي على وجهي فلا مقدرة لي على العيش بقلب والعمل بأخر.

قالت سيدة تجلس بجانبي لأخرى بجانبها بصوت منخفض: "لا سامحه الله وليعذبه في قبره أضعافا مضاعفة، كانت الأموال ترقد فوق صدره ورفض إقراض زوجي فلسا واحدا رغم معرفته بحاجتنا الشديدة للمال". ثم ارتفع صوتها: "ليغفر له الله، ليغفر له الله".

ثم قالت الأخرى لها: "لقد كان يختلس النظر نحوي في كل ذهاب وإياب، قبحه الله لم يحترم حرمة الجار". ثم رفعت صوتها تنادي زوجة المرحوم المكتفية بالصمت والحزن: "نِعم الجار أنتم، صبر الله قلبكِ". وانخرطت في تمثيل البكاء.

انخفض النواح الكاذب فجأة بدخول رقية، الحافظة للقران والقارئة له بصوت جميل خاشع، ففُرضت هيبتها لأجل ذلك، فهي القارئة والمعالجة بآيات الكتاب المقدس، والمدعية بشفاء الجميع على يديها حتى إن بالغت في أجرتها، وإذ لم يشفَ فالعيب منه لا منها، فهي ممن اختارهم الله واصطفاهم لكلامه كما تدعي، ولا جرأة لأحد بقول خلاف هذا وإلا سيسخط الله عليه ويمسخه قردا إن شاء.

ورقية نفسها كانت لا تعيد ما اقترضته من النساء من الأواني أو الحلي ولم تجرؤ أي منهن بالمطالبة بحقها. كانت تتنغم بالآيات حرفا وما احتوته قلبا ومعنى، وكانت تفخر بظهور أخيها على شاشة التلفاز في مظاهرة لنصرة النبي، وكان الأخير يذهب لنصرة النبي في الصباح ويعود ليوسع زوجته ضربا في المساء، فيا لها من نصرة!

اختنقتُ من تلون الوجوه فغادرتُ دار المرحوم والأفكار تتخاطر في رأسي.

رأيتُ سعيد يقف خارجا، سعيد العامل المخلص للمرحوم ويده اليمنى في كل أعماله، لم يرفض له أمرا ولم ينهه عن سيئة أو يأمره بخير، ولم يقوَ حتى على مطالبته ببعض حقوقه كعامل بار له. بدا وكأنه ينتظر الدخول فبلا شك هو مستعد اليوم للتملق لأرملة المرحوم ربة عمله الجديدة، فهو وجه ملون كغيره يظن في ذلك فطنة وذكاء. بدا أمامي كطير حر أطلق سراحه وتخلص من أغلاله، رمقني بسخرية وقال: "أما وجدتِ أحدا أجدر من المرحوم تغطين لأجله رأسك".

وَيْحكم، كيف يخالف وجهكم قلبكم، وكيف تنطق ألسنتكم بغير صدور أفكاركم؟ لو كان للموتى لسان لصاح سالم من قبره إن عملكم أسوأ من عمله، فظاهره وباطنه واحد، أما أنتم فظاهركم يخالف باطنكم، تُبدون عسلا وتُخفون مرا.

مضيتُ إلى المقبرة ووقفت أمام منازل القبر، فارتعد جسدي واقشعر وأنا أمام نهاية الدنيا وفنائها، والحقيقة الوحيدة فيها بلا خلاف، وسكون الكون إلا من آية "كل من عليها فان".

صغرت الدنيا في عيني وخُيل لي أن يدا ستمتد من القبر لتسحبني إليه، فآثرت مسامحة سالم لكني أدركت في لحظة إن هي إلا طرفة العين أو أيام قلائل تسحرني فيها الحياة ببهجتها فأعود بالغضب عليه، فالسماح ما بدر مني لأجل السماح بل خوفا من الموت والفناء.

حدثته:

"يا سالم من فينا الميت حقا، باطن من في الأرض أم ظاهرها؟ فمن في باطنها أدرك حقيقة الدنيا وزخرفها ومن على ظاهرها عمي عن إدراكها. إن قلتُ سامحتك اليوم فهذا خوفا من دارك الجديدة ومقامك الجديد، وغدا أعود ساخطة عليك مع الساخطين، ذاكرة سيئاتك مع الناقمين عليك وهم كثر كما تعلم، وأجهل إن تركت في حياتك الأولى حسنة أو شفاعة، فأكاد أقسم أن كل الدموع والأحزان كاذبة، حتى دموع زوجتك أكانت لفراقك أم لضياع شبابها وفراق مصدر مالها؟

وهذا ما أتفق فيه معك من سيئة تحسب عليهم فلا أبغض لقلبي شيئا كالتلون. إن وجه الحقيقة محزن للبعض فيفضل الوجه الأخر من الكذب وإخفاء الحقيقة والعيش فيها دون المجاملة اللطيفة بلا تزييف للحقيقة، فدع سماحي لك للأيام علَّني أعفو عنك فتنعم أنت بالسماح وأنعم أنا بصدق باطني".

تركتُ المقبرة ورائي ومضيتُ أفضل غضبي عليه على التلون في السماح، علَّ الأيام تعلمني كيف أعفو من كل قلبي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3153646

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC