فنار عبد الغني - لبنان

ابتسم لي

فنار عبد الغنيعجبا لهذا الرجل! يتبعني كظلي وأكثر. كنت ألحظ وجوده في كل مكان أكون فيه، ولكن مؤخرا تأكدت أنه يتبعني أنا بالتحديد. ليتني أعرف سبب ملاحقته لي. تصرفاته ومظهره الخارجي ينفيان لي خبث نواياه، الأمر الذي بعث في نفسي بعض الطمأنينة التي لا تمكث طويلا إذ تتلاشى فور وقوع عيني عليه وضبطه وهو يراقبني.

بدأ في الأيام الأخيرة يثير غيظي باقترابه مني: ألتفت يمينا فأراه على يميني، ألتفت يسارا فأجده على يساري، أتابع طريقي مطرقا رأسي إلى الأمام، أكاد لا أجرؤ على رفع بصري لأتجنب رؤيته الإجبارية كما بدأت اعتقد .

إن أكثر ما يثير حنقي في هذا الرجل هو ابتسامته الواسعة المرتسمة على كل وجهه. ما سر ابتسامته الدائمة؟

أنظر إلى كل من حولي، لا أرى أحدا يبتسم غيره، كل الناس مشغولون بهواتفهم النقالة أو صامتون ومنهم من هو شارد الذهن .إنه لا يشبه أخدا من الناس. ما جنسه؟ هل إنسان أم جني أم غير ذلك؟ ما لغته؟ لم اسمعه يتكلم أبدا، لا يشتكي ولا يئن، ألا يسمع الأخبار؟ ألا يعرف ماذا يجري في العالم؟ ما علته؟ وما سر ابتسامته؟ وهل هو سوي أم مريض؟ والأهم من كل هذا، لماذا يتبعني؟

ضقت ذرعا به. قررت أن انهض أبكر من وقت استيقاظي المعتاد وأجري تمارين التنفس واسحب نفسا من الهواء الصباحي النقي ثم أسقي الأصص وأنعم برؤية الوريقات النضة البهية والسماء الصافية. لن يصدقني أحد، ما إن هممت بري وريقاتي الخضراء حتى لمحته في شرفة قريبة يقوم ببعض التمارين الرياضية على أنغام هادئة ثم يسحب نفسا وبعدها يرسل زفيرا طويلا ويبتسم لي ابتسامة أطول.

إذا هو يسكن على مقربة مني وأنا لا أشعر به. تنهدت ببطء ورفعت بصري إلى السماء التي لم تكتس حتى اللحظة باللون الأزرق الرائق. غادرت مسرعا إلى الحمام لأطفئ استيائي ببعض المياه الباردة وذهلت تماما لانقطاعها على غير عادة.

تناولت بعض لقيمات على عجل واختلست النظر إليه من خلف الستار، فخيل لي أنه يتناول طعامه بتمهل وأنه ولا يزال ينصت لشيء من الموسيقى.

اغتنمت الفرصة و خرجت مسرعا ولم أستقل المصعد خوفا من انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي ونزلت الدرج درجة درجة، ولم أصادف أحدا من جيراني الفضوليين ليسألني عن سبب نزولي المبكر من البيت فشعرت بشيء من الراحة.

طرقات هذا الصباح كانت هادئة من السيارات ومن الناس أيضا. بدأت أتنفس بتريث وأمشي بخفة حتى بلغت ساحة الباصات. صعدت إلى الباص الأول شبه الفارغ وجلست في المقعد الأخير وأسدلت جفني. أخيرا حظيت بقسط من الراحة. ليت هذه السكينة تغمرني كما البحر يغمر رمال الشاطئ. ولكن لم لا يفارقني القلق والحزن حتى بعد أن حصلت على وظيفة ثابتة؟

لا أحد يريدني أن أعيش بسلام في هذا العالم. أنا لا أريد أن أعتدي على حق أحد ولا أريد أن يعتدي علي أحد. هل تبدو هذه المعادلة صعبة وعصية على الفهم؟

لم يريد رؤسائي في العمل مني مراقبة زملائي والوشاية بهم؟ عندما رفضت بدؤوا بمضايقتي لأترك العمل، لكن إلى أين أذهب؟ رفضت عروض السفر المغرية وغير المغرية. آثرت أن أبقى في الوطن رغم كل التحديات. من سيعتني بالأهل عند كبر سنهم؟ لمن سنترك تربية الأجيال؟ وأي قيم سنغرس فيهم؟ غدا سيصبح الهروب من الأوطان قيمة؛ فضيلة لا تضاهيها فضيلة.

رفضت العمل في جريدة تدفع أجورا عالية لمن يمتدح رجال الأعمال الذين يسيّرون العباد والبلاد بشرط ألا ينزل اسمي أبدا على أي مقال. رفضت الأمرين معا، وتطوعت في العديد من الأعمال وعملت في وظائف متواضعة وتلقيت أجورا شبه مجانية.

فكرت بالمشاركة في إحدى البرامج الثقافية التلفزيونية الشهيرة، التي قد تكسبني أموالا تساعدني في اجتياز بعض مشاكلي. عدلت عن ذلك لأن عملية الاختيار تعتمد على الحظ الذي لم أعره اهتماما في حياتي الصارمة إلا مؤخرا.

ليتني ألتقي الحظ لأسأله لماذا يخاصمني؟ وكيف يمكن عقد صلح معه؟

أخذت أتخيل الحظ وكأنه فارس طويل بجسد مثالي، يمتطي جوادا أصيلا ويحمل مفاتيح برّاقة تفتح السبل والأبواب المغلقة ويسلمها للمحظوظين مع ابتسامة مضيئة، ولذلك يقال للمحظوظ عادة :"ابتسم له الحظ".

وأنا متى سيأتي دوري؟ أم ربما الطوابير المنتظرة طويلة جدا. في العادة لا يبتسم لي إلا ابتسامات مؤقتة يبتسمها أصحاب المصالح فقط. وأخذتني نصف إغفاءة أمدتني بشي من الأمل والدافعية.

وصل الباص ونزلت منه متمهلا، لا زال هناك متسع من الوقت قبل بدء العمل. تلفت في كل الاتجاهات ، كانت الشوارع فارغة فشعرت بالطمأنينة والحرية.

وصلت إلى عملي، وتوجهت إلى مكتبي، قرأت قليلا قبل مباشرة العمل. كنت لا زلت احتفظ بقدر من الهدوء، ثم التفت إلى النافذة الوحيدة في المكتب، التي تطل على ساحة خاوية إلا من بضع شجيرات مهملات، فرأيت الرجل ذا المظهر البسيط ينظر إلي مبتسما وحياني بيده وبدا لي كأنه يريد محادثتي.

سرت في أعماقي جفلة بددت ابتسامتي وقلبت أفكاري وهدوئي. هذا ما كان ينقصني: رجل غريب يزيد من همومي. ازددت وجوما وارتسمت على وجهي معالم أرعبت من حولي لدرجة أنهم لم يجرؤوا اليوم على التدخل في شؤوني والتطوع في اعطائي نصائح لم ينفذوها في حياتهم.

مضى يوم العمل ثقيلا. أحسست كأن دهرا مرّ من أمامي. وفي طريق عودتي، كان لا مفر من رؤيته، تعقبني كعادته.

لو أ ن شخصا غيري حدث معه ما يحدث لي لحطم وجه هذا الغريب. إنّه يقترب مني. أبطأت الخطى ليقترب أكثر. أريد أن أعرف سبب ملاحقته لي. كان لا زال يبتسم لي باستمرار وهذا في الواقع أكثر ما يغيظني من هذا البائس. الآن هو أمامي مباشرة سألته دون تردد:

"من أنت؟ وماذا تريد مني؟"

أجاب بصوت ناعم وإحساس مرهف:

"أنا حظك، ابتسم لك دائما، وأريدك أن تبتسم لي ولو لمرة واحدة فقط".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3181547

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC