عدلي الهواري

كلمة العدد 111: بدء العام الدراسي 2015

التعليم بالعامية ونسب النجاح المتدنية في الثانوية العامة/البكالوريا

عدلي الهواري 2014مع صدور هذا العدد، 111، يكون العام الدراسي في المراحل التعليمية قبل الجامعية قد بدأ، أو على وشك أن يبدأ، ثم يبدأ العام الدراسي الجديد في مراحل التعليم الجامعي. أرجو للطالبات والطلاب والمعلمات والمعلمين في جميع المراحل والمؤسسات التوفيق في عامهم الجديد.

أود في هذه الكلمة أن أعلق على بعض ما تابعته خلال الأسابيع الماضية من أمور تتعلق بالتعليم، وأبدأ بالجدل الدائر في الجزائر حول استخدام اللغة الدارجة في تعليم تلاميذ الصفين الأول والثاني ابتدائي، بناء على توصية من ورشة عقدت في الجزائر في تموز/يوليو الماضي[1]. وقد ذكرني ذلك بجدل مماثل حدث في المغرب قبل نحو سنة[2].

هناك العديد من الأمثلة خارج العالم العربي على وجود أكثر من لغة في البلد الواحد، منها الهند وباكستان وأفغانستان وبلجيكا وإسبانيا وبريطانيا. الأسلوب الذي كان شائعا ولا يزال مستمرا اعتماد لغة رسمية. ولكن بعض الدول تعترف بأكثر من لغة داخل البلد الواحد، ككندا.

لا أرى مشكلة في وجود تنوع لغوي داخل البلد الواحد. وحتى لو كانت هناك لغة رسمية واحدة، لا مشكلة أيضا في أن تكون المعلومات التي يحتاجها المواطن، كالحصول على الرعاية الصحية، أو تعليمات الحصول على جواز سفر، مثلا، متوفرة بلغات مواطني البلد الواحد الذي يوجد فيه تنوع لغوي.

ولكن، ومن منطلق عملي، من الضروري أن تكون في أي بلد لغة مشتركة. ومن المنطقي أن تكون هذه اللغة المشتركة العربية في دول المنطقة المعروفة بالعالم العربي، فهي شائعة الاستخدام منذ زمن بعيد، ولها صلة وثيقة بدين أغلبية سكان المنطقة من خلال القرآن الكريم. ولذا فإن استخدام العربية في التعليم لا يكون نابعا من رغبة في طمس لغة فئة أخرى من المواطنين أو هويتهم الفرعية الخاصة ضمن العامة التي تنسب إلى اسم الدولة.

استخدام اللغة المشتركة في التعليم في كل مراحله أمر منطقي، فالطفل لديه الاستعداد لتعلم اللغة والرياضيات والعلوم والفنون، وتعلم أشياء جديدة هو الهدف من إرساله إلى المدرسة. وتعلم لغة غير اللغة الأم أسهل ما يكون في مرحلة الطفولة، والدليل على ذلك، أن من يسافر لإكمال دراسته الجامعية في بلد أجنبي يكون تعلم اللغة الجديدة أصعب مهمة يواجهها، وقد لا يتقنها كمن تعلمها في الصغر حتى لو قضى بقية العمر في البلد الجديد.

أما النقطة الثانية التي أود التعليق عليها فهي متعلقة بالإعلان عن عدم نجاح أحد من الطلاب في 86 مدرسة [3] في الأردن في امتحانات الثانوية العامة، التي تسمى البكالوريا في دول عربية أخرى. هناك من رأى في ذلك مؤشرا على انحدار مستويات التعليم، ولكني أرى أن القضية هنا تشير إلى ما هو أكبر من ذلك. وقد تبين أن المدارس التي لم يحالف جميع طلابها النجاح هي في الأطراف، ولا يتوفر فيها ما يتوفر للطلاب والطالبات في المدارس في المدن الكبرى.

في زمن ليس بعيدا، كان هناك حرص على أن تشمل التنمية مختلف أنحاء البلد، ولكن هذا الأسلوب تراجع شيئا فشيئا أمام منتقدي ما سمي "الهندسة الاجتماعية" الذين يسعون إلى تقليص دور الدولة، وترك كل شيء للأسواق. ولكن المحصلة في النهاية تكون نشوء واتساع الفوارق بين المواطنين وتهميش فئات منهم.

ولذا كل دولة يجب أن تحرص على توفير مجموعة من الأساسيات لمختلف مناطق البلاد، مهما كانت بعيدة عن العاصمة، فالدولة التي يتدهور فيها التعليم ستحصد النتائج السلبية المترتبة على ذلك خلال جيل أو اثنين على الأكثر، ويصبح بلا معنى الحديث عن القدرة التنافسية وجذب الاستثمارات وغير ذلك من عبارات يكررها المسؤولون في الدول كثيرا.

ومن الملف للنظر أيضا ظاهرة نجاح أقل من نصف الطلبة المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة، فقد بلغ في الأردن هذا العام 41% (نسبة النجاح في الفرع العلمي 59% وفي الأدبي 21%) [4]. يمكن أن يسارع المرء ليقول إن هذا يدل على تدهور مستوى التعليم، أو وجهة النظر المناقضة، أي يدل على مستوى التعليم المرتفع، فالناجحون هم المتمكنون فقط.

لي رأي مختلف، فالهندسة الاجتماعية التي أشرت إليها أعلاه لها جانب سلبي يتمثل أحدها في نتائج امتحانات الثانوية العامة، ففي كل سنة أسمع الحكاية نفسها: أن امتحان الرياضيات كان صعبا، أو أن امتحان الإنجليزية كان تعجيزيا، وهكذا. جموع الطلبة ليسوا على خطأ في هذا الانطباع، فنسبة النجاح العامة المتدنية مقصودة، إما لأن جامعات البلاد لن تستوعب الناجحين لو كانت نسبة النجاح أعلى، أو لإرغام الطلبة على الاتجاه نحو التعليم المهني.

في رأيي أن وزارات التعليم يجب أن تسعى إلى تحقيق نسب عالية من النجاح في امتحانات الثانوية العامة، وتوفير مرونة في إجراءات الالتحاق بالجامعات. ثمة ظاهرة شائعة في بريطانيا، وهي امتناع عدد كبير من الطلبة على الالتحاق بالجامعة فورا بعد نجاحهم، بل الاستراحة سنة، تُقضى إما في السياحة، أو في عمل، وبعد ذلك يلتحق الواحد منهم بالجامعة إذا قرر إكمال الدراسة.

سيكون الطالب في رأيي أكثر استعدادا للبحث عن عمل أو تعلم مهنة بعد أن يكون نجح في الثانوية العامة، فهو يشعر أنه حقق إنجازا، وهو من اتخذ قرار عدم الدراسة، وليس لأن امتحانا صعبا في إحدى المواد قرر له مصيره وهو في مقتبل العمر. وعندما يكون الالتحاق بالجامعات ممكنا في أي وقت من العمر، بدوام جزئي أو كامل، يتغير موقف الطلاب وأهاليهم، فمستقبل الطالب/ة لا يعود متوقفا على فرصة واحدة، أو على السير في مسار واحد.

= = = = =

الهوامش

(1) صحيفة «الحياة» الجزائرية. "تدريس "الدارجة" في السنتين الأولى والثانية ابتدائي". 4 آب/أغسطس 2015.

(2) الهواري، عدلي. "تجدد الجدل حول العربية الفصحى والعامية". «عود الند»، العدد 92، شباط/فبراير 2014.

(3) صحيفة «الدستور» الأردنية، «التوجيهي»: 86 مـدرســــة «لم ينجح أحد». 30 تموز/يوليو 2015.

(4) صحيفة «الدستور» الأردنية. نتائج امتحانات الثانوية العامة. 29 تموز/يوليو 2015.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178942

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC