طه بونيني - الجزائر

مصير يوم

طه بونينيكانت أشعّة الشمس تظهر على الأفق وتمتدّ لتغازل السماء الخجولة. كان خيط السكوت يخيّم على الشوارع النائمة، والنّاس يدبّون فوقها دبيبا، وكأنّما يخافون أن ينتهكوا حرمة الصباح.

خطا النّاس خطواتهم الأولى في هذا اليوم الجديد في سكون نفس وراحة بال، وكأنّ الله قد أودع فيهم من الدّعة والهدوء ليفتحوا صفحة جديدة في حياتهم المنهكة بالذكريات.

انتهى الليل وانسحب من الدّنيا كما ينتهي الطبيب من مزاولة عمله. وكان النّاس جُلُّهم في نظر الليل مرضى وقد استسلموا للكرى كما يستسلمون للدواء، ثمّ ينهضون في الصباح وقد شُفِيت ضمائرهم ونفوسهم، وتجدّدت عرى الحياة فيهم، وامّحى ذلك العهد السقيم في ذواتهم. ويبدأ اليوم من جديد كعمر جديد، ليكتب فيه الإنسان سطرا أو سطورا أخرى في هذا العالم المضطرب، وهكذا دواليك.

في ذلك الحين، في شارع شعبي من شوارع مدينة جزائرية، جلس شيخ في مدخل مقهى. وقد كان يضع على رأسه طاقية صوفية، ويلبس ما يدعوه الجزائريون جلّابة أو قشّابية، اتّقاء البرد الذي كان يداعب وجهه قبل أن يتسلّل إلى المقهى. ولم يلبث كثيرا حتّى أتى ابنه بفنجان قهوة ساخن معبّق بماء الورد.

التفت الشيخ الذي كان ساهيا إلى ابنه وقال: "شكرا ياسين". وعاد يراقب الشوارع الحالكة وهي تتشبّع بالنور شيئا فشيئا، وإلى الطرقات شبه النائمة، وقد بدأت السيّارات تُقلقُ منامها. وإلى الوجوهِ نفسِها التي تعوّد عليها كلّ يوم، تمرّ عليه، تلقي التحية وتمضي في طريقها:

" صباح الخير عمّي دحمان. السلام عليكم عمّي الحاج".

لقد تعوّد المارّة، وهُم كذلك على عمّي دحمان الذي يجلس أمام مقهاه. وقد صار هذا المقهى العتيق بفعل السنين معلما من معالم المدينة. كان يتولّى أموره في الماضي عمّي دحمان. يعد القهوة، يحضّر الشاي، يجلس إلى الزبائن، ويبعث الحياة في أركان المقهى. وكان يعينه ابناه سعيد وياسين.

منذ سنوات، ذهب سعيد، وهو الابن البكر، إلى الصحراء للعمل في شركة بترولية وبقي ياسين وهو الابن الأصغر يرافق أباه. ومضت السنون، وتقاعد الشيخ عن العمل وناب عنه ياسين. ومنذ ذلك الحين وهو يرتكز إلى هذا الركن كلّ صباح، يراقب الشارع ويرحّب بالزبائن.

لكن في ذلك اليوم، بدا ياسين ضجِرا من عمله الرتيب الذي يتكرّر كلّ يوم، وقال للشيخ بعدما تردّد كثيرا عن الكلام:

"لقد سئمتُ العمل، أحتاج إلى عطلة. ألا ترى يا أبي أنّي منذ كان عمري أربع عشرة سنة وأنا ألازمُ هذا المقهى لا أعدوه ولا أفارقه. وأنا اليوم شابٌّ في الثلاثين ولا يزال حالي اليوم كحالي في الرابعة عشرة. لقد استطاع أصحابي في ظرفِ شهورٍ وجيزة، الخروج من شرنقة الفقر والذلّ إلى حالة البذخ والرفاهية".

ثمّ سكت ياسين لحظة يستجمع أنفاسه وشتات أفكاره ليدعم حججه، وهو يبدو شبه عازم على المضيّ في هذا الطرح إلى الرمق الأخير ثمّ قال:

"كلّ شباب الحيّ تبدّلت أحوالهم. انظر إلى سمير ابن البقّال، قد أعانه أبوه واشترى سيّارة يعمل بها كسائق سيّارة أجرة والآن هو يريد فتح دكّانه الخاصّ بعد أن جمع مالا لا بأس به، وهاك جارنا مراد المقاول. البارحة فقط كان زميلا لي في المدرسة، والله يعلم أنّي كنتُ متفّوقا عليه في كلّ المواد. والآن هُو صار مقاولا ناجحا يعُدُّ الملايين كما أعدّ أنا الدنانير. لكن الفرق بيني وبينه، أنّه لا يخشى دخول عالم الأعمال، فـ"الثروة تفضّل الجريء" كما يقول المثل".

بدا الشيخ وكأنّه في عالم آخر، لكنّه كان ينصت بإمعانٍ لحديث ابنه. ولم يكن كلام ابنه غريبا عليه، فقد ألف الاستماع إلى شكاوى الشباب وتذمّرهم وتبرّمهم من الواقع والتنصّل من حالتهم الاجتماعية، ويريدون لو تتغيّر بين عشيّة وضحاها. وقد كانت أمانيهم متماثلة متشابهة وكأنّها قد استُنسِخت بعضها من بعض: المال، السيّارة الفاخرة، الأعمال الخاصّة، الملابس الأنيقة، وتلك الأماني الأخرى التي تندرج تحت ما يسمّونه ب"الاستمتاع بالحياة".

كان عمّي دحمان يضيقُ بهذه الأحاديث وبأصحابها الذين تعوّدوا على زيارة ابنه ياسين، فتراهم يجلسون إليه ساعات طويلة يحْشُون عقله بذلك الكلام الفارغ الذي طار برأسه. ولم يكن يستطيع الشيخ بطبيعته الهادئة أن يجاريهم أو يداريهم أو يُقنِعهم بأيّ شيء، فقد كانوا كقوّة كاسحة من قوى الطبيعة، رغم أنّ هذه القوة لم تكن مسخّرة إلّا للكلام، أمّا العمل فكان من نافلة القول.

أمّا اليوم وبعدما تراكمت كلّ تلك الأحاديث، جاء دور ياسين ليبلّغ أباه مدى ضجره من الحياة، ومن الروتين القاتل الذي يجترّه ليل نهار.

أنصت الشيخ إلى حديث ابنه وهو يواصل جسّه لنبض الشارع. ثمّ استدار وقال في صوت عميق: "ماذا تقول عن عمّار؟"
وأومأ إلى محلّ مقفل في الجهة المقابلة من الشارع.

"من عمّار؟ تقصدُ بائع الكتب القديمة؟ ما به؟"

"أليس شابّا ناجحا؟"

سأل الشيخ وهو يحضُّ المادّة الرمادية في رأسه، داعيا ابنه إلى التفكير، في محاولة شبه يائسة ليجعله يرى الحقيقة.

لقد كان عمّار شابّا في منتصف العقد الرابع. ولعلّ ذلك الهندام البسيط، وتلك الهيئة المتواضعة واللحية غير المتناسقة، سببٌ لينفي عنه الكثير صفة الشباب، ليُدخلوه في خانة فضفاضة بين الشباب والكهولة. وقد كان من الأشخاص الذين يميل النّاس إلى تجاهلهم.

وأجاب ياسين: "ناجح؟ هل تعتبر "ناجح" شخصا أمضى حياته في بيع الكتب الصفراء القديمة التي أكلتها العثّة؟ ولعلّه مثلي في كثير من النّواحي، فقد عمِل مع أبيه منذ الصغر، وقد انفرد الآن، مثلي كذلك، بالعمل في المكتبة".

"أتراه يتضجّر من حياته، ويتبرّأ منها كما تفعل؟ اسمع يا بنيّ، إنّ النّاس في هذه الحياة يجرون وراء شيء واحد، حتّى ولو توارى هذا الشيء وراء مغرياتٍ كثيرة. إنّهم يلاحقون هذا الشيء بوسائل مختلفة، ويشترونه بعملات متعدّدة، ويقتفون أثره في طرق وسبل عديدة. هذا المطلب البشري المقدّس هو السعادة. ولقد راقبت مِن هذا المكان أشخاصا كُثـــُر وهم يغادرون أماكن عملهم في المساء، ورأيتُ وجوههم وتطلّعتُ في سحناتهم، وقرأت في ملامحهم أحوالا كثيرة، ولم أجد جوابا شافيا فيما لمحتُ من مشاعر متناقضة، لكنّي وجدتُ أنّه لا علاقة بين..."

وقطع كلام عمّي دحمان وُصولُ مراد الذي أوقف سيّارته ودلف إلى المقهى. ألقى السّلام، جلس إلى المشرب وطلب القهوة كعادته. لم يكن في وجهه مكان للابتسامة، بل قد بدت تكشيرة عميقة، تتبدّى واضحة في تقاسيمه، ولم يستطع الليل أن يمحُوها. كلّ من يتفرّسُ ذلك الجبين المتغضِّن، يظنّ صاحبه تعيسا بائسا، لكن هندامه كان يدلّ على الأناقة والشباب وكلّ تلك المعاني التي يحبّذها ياسين وأصدقاؤه.

لم تكن قسمات مراد معبّرة لياسين مثلما كانت سيّارة المارسيدس، بل كانت هذه السيّارة بفخامتها حجة دامغة وسببا كافيا ليزداد إيمانا بمبتغاه. وهكذا فقد تبدّد كلام الشيخ كالسراب، واختفى كما يختفي الضباب خوفا من أشعّة الشّمس. تلاشى ذلك الحديث الرزين عندما لمعت السيّارة الفاخرة في عيني ياسين. عندها برز له من جديد حلمه واضحا جليّا لا ينازعه شكّ ولا ريب.

وبعد دقائق معدودات أتى عمّار بصورته البسيطة التي لا تثير الاهتمام والفضول. سلّم على الشيخ وجلس بمقابله وطلب كعادته كأس حليب وقطعة حلوى. وعلى عكس مراد، فتقاطيع وجه عمّار كانت تعكس راحة وسكونا يطفوان على وجهه ويتغلغلان في ثنايا نفسه. لم يكن فارع الطول ولا قصيرا، ولم يكن مفتول العضلات ولا نحيلا، بل كان لا يزيد عن إنسان عادي يلبس قميصا أحمر قانيا، وسروالا أخضر من الكتّان وسترة لا تقيه البرد. وكان عمّار في ذلك اللّباس لا يعاني من شيء ولا يتحرّج أن يعيد نفسه في تلك الصورة كلّ يوم.

لم يفهم أحدٌ هدوء عمّار فوسمه البعض ببرودة الأعصاب، ووصفه آخرون بصاحب "القلب البارد" ووصموه بشتّى الألقاب
والنعوت.

كان من المعتاد أن يأتي مراد وعمّار نحو الساعة السابعة ليتناولا القهوة. يدخل مراد هو الأوّل وهو يسابق أنفاسه، فيبلع القهوة في جرعات سريعة، ثمّ يضع النقود ويغادر وكأنّ نداء مستعجلا قد استدعاه، ليصعد إلى مكتبه في البناية المقابلة. وقد احتلّ الطابق الأعلى منها، أمّا في الطابق الأسفل فكان دكّان عمّار. وكان الفرق واضحا بين الطابق الأعلى والأسفل وكأنّ تلك البناية المؤلفة من طابقين لم تكن بناية واحدة. فترى الحجارة العارية والجدار المهترئ والطلاء الذي أتت عليه الرطوبة في الطابق الأسفل، والطلاء الجديد والديكور الدعائي الجميل في الأعلى.

خرج مراد في حركات رشيقة سلبت أنظار الزبائن. كلّ شيء فيه يدلّ على الحظ الوافر. حتّى صرير المفاتيح كان يلعب دورا صغيرا في ذلك المشهد. وقبل أن يخرج من المقهى ضغط على مفتاح السيّارة بلمسة لبقة كحركة من حركات "جيمس بوند"، البطل السينمائي، لفتح باب تلك السيّارة الألمانية الرابضة أمام مقهى عمّي دحمان، وأخرج حقيبة مثقلة بالأوراق ثمّ صعد إلى مكتبه.

أمّا عمّار فقد شرب كأس الحليب وتناول قطعة حلوى بمذاق الشوكولاتة وهو المذاق المفضّل لديه، بتركيز وأناة وطول بال وكأنّ أمامه العمر كلّه ليتمّ تلك القطعة. وبعد أن فرغ، قام ودفع الثمن ثمّ ذهب إلى دكّانه، فتحه واندفن بين الكتب يرتّبها
وينفضها من الغبار.

في الطابق الأعلى، كان مراد يحضّر بعض الوثائق لدخول مناقصة لعلّه يظفر بمشروع جديد. لقد كان شريكه في العمل يتّصل به بين الفينة والأخرى، ليستعلم عن الملفّ الذي يجب تسليمه في ذلك الصباح. وراح مراد بذلاقة لسانه يجيبه ويهدّئ من روعه،
ويطمئنه بأنّ الوثائق جاهزة وكلّ شيء تحت السيطرة، لكنّ القلق الذي استبدّ به وجبينه الذي كان يتفصّد عرقا في عزّ الشتاء، كانا يميطان اللثام عمّا يعتريه من حالة الضغط الشديد الذي يفتِكُ بأعصابه.

وعلى الثامنة، وصلت السكرتيرة وكانت امرأة متقدّمة في السنّ. ألْفت مراد غارقا في الوثائق، يعبثُ بالأرشيف والسجلّات،
وحالما رآها صبّ عليها جامّ غضبه وراح يسألها عن بعض فواتير العتاد، والشهادات الدراسية للمهندسين العاملين لديه ليُثرِي بها الملف.

ذكّرته السكرتيرة بأنّ معظم العاملين لم يضعوا ملفّات كاملة تحتوي شهاداتهم الدراسية، وبأنّها لم تكن مطلوبة منهم أصلا، فطلب منها استدعاءهم للحصول عليها، وهكذا فعلت.

وبعد ساعة، بدأ العمّال يتوافدون وقد تركوا مواقع عملهم في المشاريع الكثيرة وهم يحملون شهاداتهم. وفور أن دخلوا سألوا السكرتيرة عن موعد تقاضي أجورهم وطلبوا اللقاء بمراد. وحاولت هي بكلّ الوسائلِ صدّهم عن ذلك، غير أنّ إرادتهم كانت أكبر، وتدفّقوا إلى مكتبه كالسيل العرم.

وكان الوقت أمامه لحضور المناقصة ينقضي والموعد يكاد ينصرم، فاضطرّ أن يوافق على كلّ طلباتهم. ثمّ هبط مسرعا إلى سيّارته وتركهم عند السكرتيرة.

ركب المارسيدس واتّجه نحو مصالح الولاية وهو يسابق الريح. وكان المكان بعيدا فاختار أن يسلك طريقا سيّارا يتجنّب به دخول المدينة، فيلتفّ حولها ليصل إلى مقصده، ودفع بالمحرّك إلى أقصاه وهو لا يرى أمامه غير ذلك المكتب المعني باستقبال الملفّات. وفي الطريق راح بعض السائقين من الجهة المقابلة من الطريق السيّار يغمزونه بأضواء سيّاراتهم وهو لا يعيرهم انتباها.

لم تمضِ دقيقةٌ حتّى وجد حاجزا للدرك الوطني وعنصرا منهم يشيرُ إليه بالتوقّف. طلب منه وثائق السيّارة، فأعطاه إيّاها وهو يندب حظه ويتجرّع مرارة غيظه بعدما أيقن أنّ الموعد صار أمرا مقضيا. وبعدما اتّخذ الدركي كامل الإجراءات أعطاهُ وثائق السيّارة، وأكمل مراد طريقه إلى تلك المديرية، فوجد اللجنة قد مضت في حالها والموظّفين قد غادروا.

عاد إلى مكتبه حانقا عابس الوجه. وفي الطريق اتّصل به شريكه فأخبره بما جرى فهاله الأمر واشتدّ النقاش بينهما واحتدم السجال حتّى أقفل الخط. وعندما وصل إلى مكتبه، كان لا يزال بعض الموظفين في مكتبه، فكظم غيظه وهدّأ من روعه وراح يكذب على العمّال ويلفِّق لهم الوعود ويجتهد في تحفيزهم بالكلام المعسول، ونجح في ذلك وبعد أن غادروا دخل إلى مكتبه.

كان شريكه في انتظاره، وعندما رآه ماثلا أمامه استغفر وأحجم للحظة وكأنّه رأى شيطانا، ثمّ جلس وراح يتلقّى صنوف العتاب، وكعادته راح يراوغ شريكه ويناوره حتّى تمكّن منه. وظلّ كذلك بين كذبٍ ومداراة إلى أن نادته السكرتيرة وأعلمته بأنّ زوجته تتّصل به.

احتار مراد لهذا الاتّصال، فحمل السمّاعة وقال بدون تفكير وقد تغضّن وجهه واكفهر: "لماذا تتّصلين؟" فردّت عليه بصوت مستسلم ضعيف: "أنسيت أنّ عليك إيصالي للطبيبة لأجري الفحوص؟" فطلب منها تأجيل الموعد وأقفل الخطّ.

توقّف مراد عن الغداء في المنزل منذ امتلأ مكتبُه بأكداس الملفّات، وصارت ساعاتُ اليوم الأربعة والعشرون لا تكفيه. وعاد لقاؤه بزوجته لقاء دوريا صامتا ينصرمُ جزءٌ منه أمام مائدة العشاء (وهي دقائق قليلة)، يُمضيها مراد في التأوّه والتلوّي من التعب، أمّا الجزء الأكبر وهو ساعات الليل الطويلة المظلمة فلا حظّ لزوجته منها إلّا الشخير. أمّا ابنه فقد كان من المفروض أن يدخل الحضانة، ثمّ أُلغي الأمر بحجّة أنّ مراد لا يملك وقتا لاصطحابه إلى الحضانة وإعادته منها.

في الطابق الأسفل، في محلّ الكتب القديمة، كان عمّار يقضي أغلب وقته في القراءة، وبين الحين والآخر يأتي زبون ولا يغادر إلّا ومعه كتاب وابتسامة. فكما كان يُذهلُ الحاجّ عبد الغفور أبو عمّار زبائنه في الماضي، بحفظِه لكلّ الكتب ومواضيعها، كذلك صار يفعل عمّار.

لم تكن الكتب مصفوفة على الرفوف، بل كانت تتراصّ كاللّبِنات، وتعلو كالجدار. فإذا دخلت لم تكد ترى جدران المكتبة
ومساحات كبيرة من الأرضية، إلّا ما يتيح الحركة في المحلّ.

أمضى عمّار وقت الغداء مع أسرته، وبعد فترة قيلولة قصيرة عاد إلى الدكّان وتوجّه إلى كتاب كان قد بدأ قراءته في الصباح. بدا متلهّفا للقراءة. جلس على كرسيّه الذي لا يقلّ قِدما عن معظم الكتب، وخرج من عالمه ليتّصل بعالم آخر، فإذا أتى زبون اختطفه منه، واقتلعه من شِباكه بصعوبة بالغة. وبعد خدمة الزبون يعود مسرعا وكأنّ الكتاب مغناطيس يجذبه إليه برباط وثيق لا يراه النّاس بالعين المجرّدة.

كان النّهار في منتصفه، والشّمس تعتلي صهوة السماء، والطرق قد ضجّت بالسيّارات والجوّ قد طغى عليه دخّانها، والأرصفة قد غصّت بأشخاص تطبع وجوههم النظرات الحائرة التائهة.

كان المارّة يتدافعون ويتزاحمون في تلك الأرصفة وهم يتوجّهون إلى مقاصدهم كعدّائين لا يفارق أعينهم خطّ النهاية. وكان بينهم من يهيم على وجهه من غير قصد، ولا يُسرعُ إلّا تلبية لتلك الرغبة الملحّة التي تسري في عروقه والمسمّاة: "القلق"، التي لن تهدأ حتّى تقتات من عُمرِه وتسلّمه لقمة سائغة للردى.

بعد أن غادر شريكُ مراد، بقي هو في مكتبه بين الملفّات ينعم باستراحة المحارب، التي كان يمضيها وهو يتناول قضمات من ساندويتش أعدّه في المكتب، دون أن يستسيغها أو يجد لها طعما. مراد هو بلا شكّ إنسان لا يضيّع الوقت، يقتنص الفرص اقتناصا. هو خيّاط بارع يُصيِّر خيوط القماش الرديء إلى حرير ويحيك منه ما يشاء. هو خيميائي لامع يحوّل الحديد الصدئ إلى ذهب، ثمّ يسكبه في أيّ قالب يريد. هو ألمعيّ يتقن فنون الشطارة، مارد يُحسن الخروج من رماده، مناضل يعرفُ كيف يصارع للبقاء.

لقد حقّق الكثير وهو لا يزال شابّا: عقارات، مشاريع تدرّ الأموال، سيّارات، وأراضي فلاحية، لكن لسبب أو لآخر لم تستطع كلّ تلك الثروات أن تملأ قلبه أو تريح نفسه وغدا كقطار سريع لا يتوقّف، وقودُه الوقت وسِكّتُه لا تعرف لها نهاية. وكان النّاس ينظرون إلى هذا القطار فاغرين أفواههم، مشدوهين مُعجبين وهم لا يدرون أنّ هذا القطار لا يتوقّف عند محطّات الحياة التي يعيشون في أكنافها.

كانت الملايير في حسابه البنكي تنطح الملايير، والعقارات تزاحم العقارات، والمشاريع تتوسّع وتتعدّد. وقد تأصّلت في نفس مراد حيل وتقنيات في الحصول على المشاريع، فكان يقترح في المناقصات أقلّ الأثمان، ولهذا كان يظفر بالمشاريع الكثيرة وبعدما تصير هذه المشاريع بحوزته، يتماطل في إتمامها فيضطرّ إلى إطالة الأمد بطرق متعدّدة حتّى تتعدّى مواعيد التسليم بأشواط. ونظرا لاختصاص مقاولته في أشغال الكهرباء، فقد كانت بعض القرى المعزولة تقبع في الظلام، ويرزح سكّانها في العتمة، وهم ينتظرون الفرج.

وصار من المألوف أن تصله بين الوقت والآخر إشعارات للتأخير، يداويها بحيلٍ أخرى كأن يكتب للوالي، أو غيره من المسؤولين، مبرّرا ومعلّلا ذلك التأخير، أو كأنّ يرسل بعض العمّال إلى موقع المشروع المتأخر، ليتظاهروا باستئناف العمل، ثمّ لا يلبثون كثيرا، حتّى تهدأ سورة الغضب لدى المحتجّين ومن ثمّ يغادرون ويذرون الموقع قاعا صفصفا كما كان.

ومضت الأيّام ولم يتبقّ لدى مراد غير هذه المظاهر البرّاقة وهي تتكرّر في أعين النّاس، فكان إذا أراد أن يُسرّ أو أن يطيب خاطره، ينظر إلى نفسه في مرآة غيره، فإذا خلا لنفسه تذكّر الشركاء الذين يطاردونه، والسلطات التي تلاحقه، والمواطنين الذين يدعُون عليه، والزوجة التي تذوي في فراش المرض، والطفل الذي لم يعُد ينتظره كما ينتظر الأبناء أباءهم.

يتذكّر مراد كلّ هذا ويتمنّى لو كان شخصا بسيطا حقيرا وأن تزول كلّ همومه ومعها كلّ أمواله. كانت تلوح له هذه الأماني كسحابات عابرة في لحظات صحو الضمير ثمّ سرعان ما تندثر، فلمعان المال وفخامة السيّارة وإغراء السطوة والجاه ليس لها دواء عندما تكون الروح فارغة.

في تلك اللحظات القليلة العابرة، كان يدنو من شرفته ويراقب الشارع وينظر إلى حركة النّاس المضطربة، ويغبطهم على بساطتهم. يحسِدُ المعلّم في الابتدائية، والحلّاق في محلِّه والإسكافي في قارعة الطريق، وساعي البريد فوق درّاجته، وجاره بائع الكتب القديمة في قلعة الورق. باختصار كان يحسد كلّ النّاس، الذين قد تحرّرت أعناقهم من الأغلال التي يرسف فيها. وكان يتمنّى أحيانا وقتا مستقطعا في هذه الحياة، يستطيع فيه استرداد أنفاسه، لكن الحياة ليست مباراة في كرة اليد.

في مساء ذلك اليوم، واصل عمّار شغفه بكتابه، وخدمته للزبائن القلائل الذين يدخلون بدافع الفضول في بادئ الأمر ثمّ يقعون سريعا في غرام الدكّان ويفتتنون بسحر الكتب وجلدها الفريد ورائحة ورقها الأصفر التي تشبه رائحة الأطلال. وكانت الجولة في المكتبة أشبه برحلة سياحية في أغوار الزمن البائد، أو نافذة تطلّ على عوالم الثقافة وخلاصة دأب الإنسان على هذه المعمورة.

وراح عمّار يقرأ فقرة من ذلك الكتاب، يلامس الكلمات ويكاد يرى الصور التي ترسمها. وبين الحين والآخر ينطلق إحساسه الفيّاض ليُسكنه في لحظات خالدة بين تلك الصور فيخيّل إليه أنّه غادر هذا العالم ليلتحق بعالم خيالي خالٍ من الضوضاء
والأنانية والنفاق والفوضى، عالم مليء بالمعاني والأفكار والمشاعر المرهفة.

أغمض عينيه وراح يتدبّر في بعض الأسطر التي خلبت لبّه وسلبته مخيّلته، وراح يسمع الكلمات تدور في رأسه وكأنّ راويا يتحدّث في نفسه:

"انطلق الزورق يمخر النهر، وعلى متنه سائح وساكن محلّي من الهنود الحمر. هو يعرف هذه الأدغال كما يعرف الشابّ جيبه. وراح ذلك القارب الخشبي الذي لا يزيد عن شجرة مجوّفة، يرتجّ وكأنّه سينقلب بين لحظة والأخرى بينما يداعب الهندي المياه بمجداف صغير، وبعد أن تعدّيا ذلك النهر الهادر وضعُف تيّار المياه، قلّ خوف السائح الشابّ وانخفض مستوى الأدرنالين في دمه، فراح يتطلّع في صفحة الطبيعة، في الغابة التي تمتلئ بالحياة، يتشرّب الصفاء الذي يعمّ الأجواء، ويطلق حاسّة سمعه تجوب المكان حرّة طليقة. هذا صوت الكروان وهذا نداء القردة، وذاك صياح النسور وفي تلك الجولة الماتعة ظهرت بعض الغزالات وهي تطلّ بقاماتها الرشيقة وقدودها الممشوقة من بين الأشجار ومِن ثمّ تقترب لتنهل من ماء النهر القراح..."

بعد تلك الجولة في المكسيك، عاد إلى مكتبته والبسمة تملؤ تقاطيع وجهه. وبعد برهة من الزمن سمع عمّار صوتا قادما كوقع خطى سريعة أو هرولة وهي تقترب من المحلّ، وما لبث أن رأى ابنه الصغير قد أتى يجري ثمّ ارتمى عليه. وضع عمّار الكتاب
وكأنّ جاذبية ابنه تغلّبت على جاذبية الكتاب، واستسلمت رغبة القراءة الجامحة أمام براءة ذلك الملاك الصغير. دخل الطفل تلك المكتبة العتيقة فبعث الحياة في أركانها الخربة، كما تفعل الروح في الجسد.

وراح ذلك الطفل ذو الثلاث سنوات، يرسم في الورق وجلس الجدّ والأب يتحدّثان. لقد كانت السّماء حينها تشهد عراكا بين السحب السريعة وسهام الشمس التي تخترقها حينا وتخيب أحيانا. أضاء عمّار أنوار الثريّا التي تتدلّى من أعلى السقف
وتلقي بأضوائها الخافتة والتي بدت كشمعات تنتحب وسط الخراب. وبدا الجوّ في المكتبة سحريّا، وأنوار الثريّا الخجولة توقظ الكتب النائمة، وسهام الشمس المنتصرة تلامس ألوان البلاط المخضّب بألوان الماضي.

طفل يرسمُ ويوقّع توقيعاته الأولى في تلك الأوراق البيضاء بياض صفحته وسريرته. ومن الحين والآخر، تخترق السقف حركةٌ دائبةٌ وصوت يتردّد في أرجاء المكتبة، من الطابق الأعلى. وكان عمّار وأبوه متعوّدين على ذلك.

دخل مراد أو خرج من مكتبه. دلفت السكرتيرة سريعة تحمل وثائق للإمضاء. صرخ مراد في الهاتف وهو يحدّث عاملا. هتف وهو يهلّل فرحا لاستقبال بشرى، وهلمّ جرّا.

لكن الحمد لله فالبناية كلّها مبنية بالحجارة الكبيرة الصلبة، تشهد جدران المكتبة على متانتها. أمّا الطابق الأعلى، فقد تمّ ترميمه، حتّى اختفت مظاهر التاريخ منه، واضمحلّت تحت معاول البنائين. واستُبدلت بالرخام، والسيراميك، وبالألوان الصارخة التي تناديك لتحملق فيها رغم أنفك، أو رغم عينيك.

كان النهّار ينقضي بسرعة في عالم مراد. ويمضي بتؤدة وهدوء عند عمّار.

اقتربت الخامسة، شدّ عمّار يد ابنه البضّة الطريّة وخرج من المكتبة. اقترب من الطريق المنهك وراح ينظر يمينا وشمالا وابنه يفعل مثله ودخلا مقهى عمّي دحمان. وكان المقهى مكتظّا بالمرهقين عصبيا والمستنزفِين نفسيّا، والذين يحاولون النسيان على مضض، وأولئك الذين يملؤُون الوقت كما يُملأُ الفراغ.

تعوّد عمّار أن يشْهد نفس الصورة في المقهى كلّما أتى في هذه الساعة. جماعةٌ ألِفت الجلوس في ركن من أركان المقهى، تهوى تقطيع لحوم البشر. جماعةٌ تجلس هناك، تحبّ الحديث في السياسة، تُبدع وتتفنّن فيه، رجلان كهلان يجلسان في آخر المقهى، ينهران الشحّاتين الذين يدخلون فرادى وجماعات من الحين والآخر، ثمّ يلعنونهم بعد ذلك.

أقرأهم عمّار السلام ثمّ جلس في مكانه المعتاد. وأتاه ياسين بطلبيته الروتينية، حليب له، وعصير لابنه، وقطعتي حلوى. وضع ياسين الحليب، تلقّى الشكر من عمّار كما تعوّد ثمّ ذهب وشعور غريب يرافقه. تذكّر كلام أبيه الحاج دحمان، وذكره لعمّار وكأنّه في نظره مثالا للنجاح.

راح يتمعّن فيه بينما يعد القهوة. وبين الفينة والأخرى يختلس نظرة نحوه. وراح يرمقه كما ينظر إنسان هاو إلى لوحة تشكيلية من الفنّ التجريدي، لا تثير خطوطها البسيطة العجب، ورغم ذلك هي تُعدّ لوحة فريدة، مُبدعها وحده يدرك السرّ في تميّزها.

"في مقياس المال والأعمال والنجاحات لا يساوي عمّار جناح بعوضة. أين النجاح إذن؟ هل أبي الشيخ يهذي؟"

هكذا كان يخاطب ياسين منطقه وعقله. فمن منظوره هو وأشكاله، النجاح بعدٌ آخر. ثمّ سرعان ما دلف مراد مثقل الحركات، وتهالك على ذلك الكرسيّ العالي بجانب المشرب، بمقابل ياسين، زميل دراسته القديم. طلب كأس ماء ليتناول حبّة أسبرين. ابتلعها ثمّ نظر إلى ياسين، وقال له متعبا وتحت عينيه يظهر كيس داكن: " أتمنّى لو كانت حياتي بسيطة مثل حياتك".

لم يصدّق ياسين ما سمعه، فقال له مستفسرا: "ماذا؟"

ولم يُعِد مراد كلامه، لأنّه أحسّ بأنّ نفسه قد خانته وبأنّ الصورة التي يرسمها النّاس له في أذهانهم صارت في خطر. قال مراد لياسين: "الله يعاونك"، ومضى في حال سبيله.

استرجع ياسين تلك الكلمات وأخذ يتأكّد ممّا سمع لتوِّه بوضوح. فقد تمنّى مُراد المقاول المليونير الذي لا يعوزُه شيء، أن يعيش في جلد ياسين ابن الحاج دحمان القهواجي، الذي أمضى جلّ حياته بين هذه الجدران التي يعلوها السُّخام. لكنّ سرعان ما ظهرت قطع اللغز جليّة متكاملة، تدلّ إحداها على الأخرى.

وكان عمّار لا يزال أمامه، يداعب ابنه الصغير ببساطته المعهودة. لقد كان يبدو أمامه شفّافا ككتاب مفتوح. وكما صار النّاس لا يعبؤون للكتب، عادوا لا يعيرون هؤلاء الأشخاص الشفّافين اهتماما.

نظر ياسين إلى تلك القسمات الوضّاءة وفهِم كلام أبيه الشيخ، وصارت الكلمات التي قالها في ميلاد هذا اليوم، كاملة المعنى واليوم في انقضاء.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3109514

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC