زكي شيرخان - السويد

الباحث

زكي شيرخانالسير الطويل أعياه. طاف الشوارع والأزقة والحارات. تطلع إلى الجدران والشبابيك ووجوه البشر. في مسيره شم ما زكم أنفه من الروائح. بلا هدى كان يسير وظن أن قد يهديه سيره إلى ما يجّد بحثا عنه.

لم يعد يعرف كم مضى عليه منذ بدأت خطواته تجره إلى اللامكان. توقف مرات عديدة أمام أماكن كان يتطلع إليها ولكنه لم يلجها وبقي يسير بمحاذاتها. أغراه بعضها ولكنه نازع نفسه رغباتها بالدخول إليها.

وجد نفسه أمام جامع لفت انتباهه كبره، وعلو مئذنته، وكثرة زخارف قبته. وجد الباب مفتوحا فدخل. لم يفكر ولم يقاوم. ترك نفسه على هواها. الحزم الضوئية النافذة من خلال فتحات القبة امتزجت مع الرائحة العطرة فأضفت على جلال الهدوء وقارا وبعثت في نفسه شيئا من سكينة خاصمته من زمن.

عند أقرب عمود من الأعمدة الحاملة للسقف رمى بجسده المرهق أرضا على السجادة. أسند ظهره ودفع برأسه للخلف ساندا إياه. أحس بآلام إرهاقه تسري إلى ساقيه الممدتين. تنقلت نظراته ما بين الأحرف المتداخلة للآيات الممتد نقشها حزاما يزين الجدران كلها.

ثنى ركبتيه شابكا ذراعيه حول ساقه، وأسند جبهته على فخذيه، واتحدت آلام جسده وآلام نفسه لتفجر عينيه دموعا غزيرة. مع كل دمعة كان يشعر وكأن صخرة تزاح من على صدره المثقل لتحل محلها صخرة أكثر ثقلا.

أحس بأنامل استقرت على كتفه تهزه برفق. رفع رأسه، وقبل أن يتبين من خلال دموعه القامة المنحنية عليه، سمع "بسم الله".

حاول أن ينهض احتراما لهذا الوجه الذي زادته اللحية البيضاء إشراقا، لكن الأنامل ضغطت على الكتف تأذن له بالاستقرار بمجلسه.

عاد الصوت الرخيم "وعلى بركة الله". وبرشاقة وقورة كان صاحب الصوت قد ترّبع على السجادة أمامه ساحبا يده من على كتفه ومعينا الأخرى على الإمساك بحبات المسبحة الطويلة أكثر من المعتاد، متمتما بصوت لولا سكون المكان لما سمعه: "لا أله إلا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين".

لم يخف على الشيخ معنى نظرة الاستغراب في عينيه، فقال: "كلنا ظالمون لأنفسنا، حتى صاحب النون، صاحب هذا الدعاء قد ظلم نفسه إذ ذهب مغاضبا وظن ما ظنه".

عينان زاد الكحل سعتهما. لحية بيضاء زاد ما تبقى من شعيرات سوداء جمالها. وجه مشرق. جبهة وضاء. صوت أوبرالي له وقع على الأذن يصعب تجنبه. فيه كل ما يغري الأنثى.

"الحمد لله الذي زاد مني ما شان من غيري. نعمة أنعمها الباري فعلّي أن لا أظلم نفسي فيها".

"أتقرأ أفكاري؟"

"لا أدعي ما لم يهبني العليم، وليس اللسان وحده ما ينطق".

تقلّص وجهه من ألم جسده وهو يستوي بجلسته. ندّت عنه آهة سرعان ما كتمها حياء من رجولته.

"لا تتكلف، أجلس كيفما أراحتك الجلسة".

"أين هي الراحة؟"

امتدت يد الشيخ ماسحة على رأسه، قائلا: "هنا تكمن الراحة".

ثم أنزلها على صدره متمما: "وهنا".

"ومن أين لهذين أن يرتاحا؟"

"بالصبر".

بالكاد ارتسمت على شفتيه حركة ابتسامة ممتعضة، وقال بما يشبه الهمس: ""والإيمان، ومجاهدة أهواء النفس، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
تملل في مكانه كمن يتحفز لصراع قائلا: "ظننتك للوهلة الأولى مختلفا عنهم".

"هل من الضروري أن أكون كما تريد؟"

"أبحث عمن هو مختلف عنهم".

"صفه لي علّ أستطيع بحول الأحد أن أدلك عليه".

"لا أعرف له اسما فهو قد يحمل أيا من الأسماء. لا أعرف له شكلا فهو قد يشبه أيا من الأشكال. لم أره فقد يكون غير مرئي. هو كائن، تلمس آثاره بوضوح. لا أعرف أصدقاءه حتى يدلوني عليه. ولست واثقا من معرفتي لأعدائه أتتبعهم عسى في جَدّهم خلفه ألقاه. أشعر أحيانا بأني قريب منه إلى حد أني أشم رائحته، وأحس بحرارته، بل وأكاد أسمع تردد أنفاسه. أدور حول نفسي وأفتح عينّي على وسعهما وأصم أذني عن كل صوت إلا عن صوت ينم عنه. مررت بمثل هذا مرات ومرات ولكن في كل مرة يخيب ظني بلقياه".

"يبدو أنك كغيرك من الباحثين قد تعبت كثيرا. سهرت ليالٍ. سرت أياما. إنك قريب جدا منه. ستعثر عليه، وربما أسرع مما تتصور. من يرده يجده".

"أتعرف طريقا للوصول إليه؟"

"ستعرف ذلك بنفسك. يدلك عليه حدسك، لهفتك في لقائه، توقك للراحة. نعم قد أستطيع أن أعطيك علامات الطريق إليه، ولكن صدقني إن عثرت عليه بنفسك سيكون اللقاء أتم، والصلة أوثق، وفرحة اللقاء أعمق…"

"ولكن أخشى أن يصيبني اليأس فأترك البحث عنه".

"ستتعب أكثر. فليكن هدفك هو العثور عليه، ولقاؤك به".

ما لم يستطع قوله هو أنه عثر عليه ذات مرة، ورافقه سنوات. صار من مريديه ولكنه لم يلتصق به، ولم يتبعه في حله وترحاله. مسؤولياته لم تمنحه الفرصة لاتّباعه. ما زال يعتقد بأنه لو كان لديه ما يسد به التزاماته لصار أكثر قربا منه.

مرت عليه أيام جاع فيها، فأنشغل عنه بالبحث عن لقمة يسد بها رمقه. عطش، وفي خضم بحثه عن جرعة ماء يطفئ فيها ظمأه ابتعد عنه. كان دائم الحضور في ذهنه، مقيما في وجدانه، حيا في ضميره، ولكن الجوع والعطش والحرمان صارت بمجموعها جدرانا تمنع الوصل به.

سنوات مضت بسرعة لم يستطع تقديرها جعلته يفقد أرادته في الجّد في أثره. كثيرا ما بكى بعد أن يجد لقمة يسكت فيها صراخ جوعه من تقصير أحس به تجاهه. ودمعة حرى ذرفها لإحساس بذنب أعتقد بأنه ارتكبه بحقه.

نهض كمن يهم رحيلا بدون أن يستأذن. نظر إلى جليسه فالتقت أعينهما، فسمعه يقول:

"لا تحمّل نفسك ما لا تطيق".

"وهل…"

سكت لا يدري ما يقول، فللوهلة الأولى ظن أن الشيخ سيدله على ما يريد ولكنه أصبح الآن عبئا مضافا فوق كل ما حمله عبر حياته. لم تكن لديه رغبة بأن يقول شيئا، ولكنه نطق: "السلام عليكم".

"وعليك مثله، وأتمنى لك التوفيق. لا تبتئس، فكلنا بشكل أو بآخر مثلك، نبحث. يُجهدنا البحث، وقد نعثر عليه وقد لا نعثر، ولكن المهم أننا حاولنا.

حث الخطى خارجا إلى الطريق ليبدأ من جديد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC