زهرة يبرم- الجزائر

حلم مسروق

حي قصديري بائس يجثم على مساحة أرضية قد أصبحت موقعا لبداية مشروع عمراني جديد. عشرات الأكواخ المشيدة بفوضوية لا تزال تحتل الموقع منتظرة دورها في الهدم، وساكنوها معلقة قلوبهم بأمل الترحيل إلى مساكن جديدة تليق بآدميتهم على هذا الكوكب.

في هذا المكان الغارق في الظلام، إلا من قمر قد التهم ظل الأرض معظم قرصه، يوجد كوخ مضاء ببعض الشموع بعد أن فصل عنه خيط الكهرباء الذي كان يصله من إحدى المباني القريبة. إنه كوخ العم منوّر وابنته مايا.

الابنة مايا لا تعمل هذا المساء، فهي عاملة بإحدى المستشفيات ليلا. كانت ممددة على سريرها تقلب مجلة قديمة، وتستمع إلى راديو يعمل بالبطاريات بكتمان. والدها المريض المنهك نائم في الركن الآخر للغرفة، وقربه منضدة من الخشب الرقائقي تفيض أدوية.

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل تقريبا، ومايا تسحق تثاؤبها وتستسلم للنوم عندما شق رنين هاتفها المحمول سكون الغرفة. هاتف يعمل ببطاقة مدفوعة الرصيد مسبقا، وتستعملها بالتقتير.

"ألو".

إنها مكالمة من المستشفى. وبالتحديد من الدكتور مصطفى المنسق في عمليات زرع الكبد، ينقل لها خبرا سارا: "هناك كبد متاحة لوالدها، وعليهما الحضور حالا".

بقفزة واحدة كانت مايا بمحاذاة سرير والدها.

"بابا، بابا؛ انهض حالا، بابا".

بصعوبة نهض منوّر واستقام واقفا على ساقيه. مايا تشرح له الوضع في كلمات موجزة، وتساعده على تجهيز نفسه. بعد أقل من خمس دقائق، كانت مايا خارج البيت تقود والدها نحو كوخ أحد الجيران، والذي يملك سيارة قديمة من نوع 4L، طمعا في أن يوصلهما إلى المستشفى.

كأنما كان الجار ثملا وهو يقود سيارته المهترئة وهي تتعرج بهم تارة عن يمين الطريق وطورا عن يساره وحياتهم معرضة للخطر. ولو لا خلو الطريق من المراكب في تلك الساعة المتأخرة من الليل لربما حدث ما لم يكن في الحسبان.

وصلا إلى المستشفى بسلام، وكانت المفاجأة أن وجدا الطبيب مصطفى بنفسه ينتظرهما عند الاستقبال.

"يجب أن نسرع في الأمر. أعلن الطبيب لهما وهو يرافقهما في المصعد. وكالة الطب الحيوي التي تدير عملية منح الأعضاء لم تتصل بالمستشفى إلا في ساعة متأخرة من هذا المساء".

في الحقيقة كل شيء بدأ في منتصف بعد ظهر اليوم عندما تعرض زوجان إلى حادث مرور. الرجل خرج سالما من دون أدنى خدش تقريبا، بينما زوجته لم تنهض. أصيبت بصدمات دماغية، ونقلتها النجدة إلى العناية المركزة بإحدى المستشفيات، حيث وضعت كل الإمكانيات الطبية لإنقاذها. لكن فات الأوان".

لم تكن مايا تدري أتفرح أم تحزن؟ اختلطت لديها المشاعر بالمشاعر. أكثر من اثنين وعشرين شهرا وهي تنتظر هذه اللحظة التي يُمنح فيها عمر جديد لوالدها، لكن ما أقسى الموقف! أن تنتظر أحدا يموت كي يحيا على أنقاضه آخر تحبه. أنانية فظيعة في الإنسان غصبا عنه.

"على الرغم من أن تشخيص موتها الدماغي قد حدث بسرعة، كان يلزم وقتا لإقناع أسرتها بالتبرع بأعضائها". واصل الطبيب حديثه مع مايا ووالدها.

"كانوا ينتظرون معجزة. رفض زوجها بشدة في البداية منح أعضائها للطب، فهو يحبها بجنون ولا يريد لجسدها أن يمس، بل يأمل في عودتها إلى الحياة أو دفنها مكتملة. لكن الأطباء أقنعوه أن في حالة الموت السريري كل وظائف الخلايا العصبية تدمر، ولا مجال للرجوع إلى الوراء".

كان الزوج يستمع لتلك المحاضرة، لكنه لم يكن يسمعها. بل كان ممسكا بيد زوجته التي لا تزال تتنفس وإن كان اصطناعيا. لا يزال جلدها ساخنا، ودقات قلبها تسمع. لم تكن تلك حياة، بل فقط وهم الحياة.

انتهى الزوج بأن رضخ لمطلب الأطباء عندما فهم أن الطريقة الوحيدة لإطالة عمر زوجته هو أن يجعلها تعيش من خلال الآخرين.

حينئذ سارع الأطباء إلى نزع أعضائها: القلب والرئتان والبنكرياس والأمعاء والقرنيتان، قبل إرسالها إلى وجهات مختلفة.

صندوق نقل أعضاء بشريةأما فيما يخص الكبد، فقد أبقوا عليه في علبة من الفولاذ تغوص في مبرّد، حيث بَطريّات الجليد تحتفظ بها في درجة الحرارة الصحيحة.

"تم نقلت العلبة المبرّدة على متن مروحية إلى هنا".

كان اسم منوّر الأول على قائمة المنتظرين لزرع كبد. طال انتظاره كثيرا بسبب نقص الأعضاء وفصيلة دمه النادرة. لو تأخر الأمر شهرا أو شهرين لقضى عليه المرض لا محالة.

"هناك غرفة عمليات فرغت للتو"، شرح الطبيب مصطفى للمريض. سنخضعك للعملية بعد ساعة تقريبا، فقط ما يكفي من الوقت للقيام بتقييم بيولوجي لك.

"أرغب في أن تكون ابنتي برفقتي"، طلب منوّر.

"تستطيع البقاء معك إلى غاية نقلك إلى غرفة العمليات"، وافق الطبيب وهو يقودهما إلى غرفة انفرادية.

بعدها كل شيء حصل تباعا: سحب الدم وفحصه من طرف ممرضة، ثم الصيانة من طرف طبيب التخدير الذي طمأنه: "ستشعر كأنما ولدت إلى الدنيا جديدا بعد العملية"؛ ثم حمام ما قبل الجراحة بالبيتادين وبعدها الانتظار.

دقائق طويلة ومايا هائمة فوق السحاب. الخوف من فقدان والدها الذي يعقد بطنها من سنين بدأ يتحلل شيئا فشيئا. شعرت معنويا وجسديا بشيء من الارتياح.

في هذا الليل، تريد أن تعتقد بأن كل شيء سيمر على أحسن ما تتمنى. لقد آمنت دائما بهذه العملية. منذ شهور وهي تبحث عبر المواقع والمنتديات لتفهم بدقة طبيعة مرض والدها. أصبحت على يقين من أن هذه العملية تمثل الفرصة الأخيرة لعلاج هذا الداء. الأكيد لديها أن زرع كبد جديدة لا يحمل معجزة اختفاء التهابات الكبد، بل يظل خطر أن يهاجم الفيروس العضو الجديد احتمالا واردا. لكن الإحصائيات تثبت أن نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة طويلة مرتفعة جدا.

كم صَلَّتْ مايا، ودعت لوالدها بالخروج من خطر هذا الوباء اللعين. لكنها أحيانا تستسلم لليأس وتقتنع بأنه لا مخرج، وبأن نكبة غريبة ملتصقة بجلدها لا تفارقها. لكنها مؤمنة بأن ما قاسته وما تقاسيه من نكبات هو قدر ملتصق بجبينها ومسطور في كتاب قدري ولا مفر.

انقضت أكثر من ساعة منذ زيارة طبيب التخدير. انزعجت مايا من هذا التأخير وهي تعلم مدى استعجال الطبيب على عملية الزرع. ومن جديد عاودها الألم الذي يعقد بطنها.

عندما عاد الطبيب مصطفى مصحوبا بممرضة، خمنت الفتاة بالغريزة بأن الأخبار ليست سارة.

"عندنا نتائج تحاليلك سيد منوّر"، قال الطبيب وهو يهز ورقة أمام عيني الرجل، وعلى ملامحه يرتسم الانزعاج.

شرّعت مايا مقلتيها بفزع.

"لقد شربت الخمر في وقت قريب جدا رغم علمك بأن هذا يبطل مهمة زرع عضو في جسدك"، قال الطبيب بغضب.

للحظات بدت لمايا جملة الطبيب تطفو في الهواء، غير حقيقية. والتفتت إلى والدها محبطة مسحوقة.

"والله لم أحتس شيئا دكتور"، أقسم منوّر مبهوتا.

"لقد أجرينا تحاليل على عينتين مختلفتين من دمك، وفي كل مرة تأتي النتائج إيجابية. أنت لم تحترم العقد منور، على الأقل ستة أشهر من الحمية الصارمة قبل كل زرع، وأنت تعهدت بذلك".

"لم أشرب شيئا صدقني"، دافع الرجل عن نفسه من جديد. لكن الطبيب لم يعد يستمع له.

"اسْتدْعِي المريضَ الموالي على قائمة الانتظار"، أمر الطبيب الممرضة، يجب أن لا نضيع العضو.

"لست كاذبا"، أكد منور. لكن هذه المرة لم يخاطب الطبيب، بل كان ينظر إلى مايا. كان يسعى إلى إقناع ابنته. أما معركته مع الطبيب فيعلم منذ البداية أنها خاسرة.

على أي حال، هو لم يكن أبدا مقتنعا بقصة الزرع هذه. لديه إحساس بأن أجله قد دنى، لكنه يرغب في إبقاء ثقة ابنته به.

"أقسم لك بأنني تُبْتُ عن الخمرة، ولم أنتكس أبدا"، قالها وهو ينهض من السرير.

بِغَيْظ، ابتعدت عنه مايا خطوتين.

"لن أصدقك أبي وأكذب ما أثبتته تحاليل دمك. لست صغيرة لتضحك علي بكلمتين".

"أنا صادق عزيزتي، ولقد فات الأوان. كل ما أرجوه منك هو أن تثقي بي وتصدقيني فيما تبقى من حياتي".

"لماذا أفسدت كل شيء بابا؟ لماذا خدعتني؟ لكنك ما خدعت إلا نفسك"، قالت وهي تغص بدموعها.

"عزيزتي..." وماتت الكلمات على شفتيه.

مد لها يدا مرتعشة، فأمسكت بها وأسندته، وعادا إلى كوخهما يلفهما الصمت والحزن والخيبة.

* * *

وحيدة جاثية أمام قبر والدها، تمسح دموعا سخية تسيل على وجنتيها الشاحبتين. لم يعش إلا شهرين بعد حادثة إضاعة فرصته الثمينة في زرع كبد. لقد أحرق حياته بدل أن ينقذها ويعيشها. هكذا تعتقد مايا.

هناك سيدة قادمة نحوها تستظل بشمسية بيضاء من حر الشمس. منذ وقت وهي واقفة بعيدا تراقبها، لكن مايا لم تول لها بالا. وها هي تقترب من القبر بخطى بطيئة.

مشيتها، ثيابها، حقيبة يدها وطريقة إمساكها بالمظلة، كل ذلك يضفي عليها كثيرا من الأناقة رغم ما يبدو عليها من تعب وشحوب.

بادرت تلك السيدة بفتح حقيبتها وتقديم منديل لمايا.

"غفر الله لك بابا، خمر ونساء"؛ همست مايا في سرها. "لكن أيعقل أن تكون قد عرفتَ امرأة بهذه الأناقة؟"

"صبرا يا ابنتي، الحياة قاسية"، قالت المرأة الغريبة.

"هل القسوة من الحياة أم أن من حولنا من البشر هم الذين لا يرحمون؟"

"أنا جميلة"، قدمت المرآة نفسها للفتاة.

وتبدو أنها ترددت لبعض الثواني ثم أردفت: "أنا من قتل والدك".

* * *

المرأتان جالستان وجها لوجه على حجارة وسط المقبرة، وجميلة تروي الحكاية:

"منذ سنة شُخّصت لي حالة سرطان الكبد. كان المرض في مرحلة متقدمة ولا يمكن إنقاذ حياتي إلا بزراعة كبد. وللأسف أنا من فصيلة الدم 0، والتي تكون فيها فترة الانتظار أطول.

"هي نفس فصيلة دم والدي".

أومأت جميلة برأسها موافقة قبل أن تواصل:

"منذ شهرين، وفي بداية المساء، جاءتنا مكالمة هاتفية من الدكتور المنسق في عمليات زرع الكبد. وكنت قد قابلته وزوجي عدة مرات خلال زياراتي للمستشفى. أخبرنا عن وجود كبد متوافقة قد تكون متاحة، ولكن توجد مشكلة.

"مشكلة؟"

"المشكلة كانت والدك. كان قبلي على قائمة المستلمين".

فجأة عبرت قشعريرة باردة جسد مايا رغم وجود شيء ما في عقلها لا يزال حاجزا يمنعها من أن تتصور فظاعة الوضع.

"الدكتور مصطفى أفهمنا بوضوح، إن كنا مستعدين لدفع مبلغ من المال، فإنه سيتكيف لإبعاد والدك من برنامج المتلقين".

تجمدت مايا من الذهول، وفهمت أخيرا أن نتائج تحاليل دم والدها قد زورت لإيهامهم بأنه لا يزال يشرب الخمر.

في رأسها، يبدو لها أنها لا تزال تسمع بوضوح دفاعات والدها عن نفسه: "لم أشرب شيئا صدقني. لست كاذبا. أقسم لك بأنني تبت عن الخمرة".

لا، والدها لم يكذب، لكنها لم تصدقه.

بدورها ارتبكت جميلة وتغير وجهها، لكنها قررت أن تذهب حتى النهاية.

"في البداية رفضت. وجدتها عملية بغيضة. لكنني انتظرت طويلا، والأعضاء نادرة، فانتهيت بالقبول. في تلك المرحلة من المرض، كنت طريحة الفراش باستمرار وأتقطع من الألم. كنت ميتة أكثر مني حية. زوجي لم يضيع الوقت، فبعد تفاوض مع الطبيب اتفقا على المبلغ. لكن تركني حرة في اتخاذ قراري حتى النهاية، وهو اختيار لا أتمناه لأحد".

لفترة غاصت جميلة في أفكارها وكأنها بدورها تعيش من جديدا أوقاتها الصعبة.

"أحب أن أخبرك سرا، لقد أعلنت يومها بأنني اتخذت ذلك القرار من أجل أولادي، لكنها لم تكن الحقيقة. لقد فعلت ذلك لأنني خفت من الموت، وهذا كل شيء".

لقد تكلمت جميلة بصراحة. أزاحت عبئا كان يجثم على صدرها منذ إجراء تلك العملية.

"الحياة تضعنا أحيانا في مواقف لا نستطيع الانسحاب منها قبل أن نتنازل عن القيم التي ندافع من أجلها.

أغمضت مايا عينيها وتركت المجال لدموع غزيرة تنساب على وجنتيها دون أن تحاول تجفيفها.

استأنفت جميلة الكلام للمرة الأخيرة:

"جئت أطلب منك الصفح. وإن كنت تريدين أخذ حقوقك مني، فتقدمي بشكوى ضدي. سأعترف أمام القضاء بكل ما قلته لك. لك الاختيار الآن. افعلي ما ترينه صوابا".

نهضت جميلة وغادرت المكان. أما مايا فكانت قد عقدت عزمها على الثأر لأبيها من الطبيب مصطفى. لا بد لذلك الطبيب أن يموت.

* * *

استفاقت مايا من نومها مذعورة إثر تعثر والدها بالمنضدة وتتساقط الأدوية على الأرض، وكانت وسادتها مبللة بالدموع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3105817

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC